كانت الطريق معبدة بالزهور أمامي. رأيت حلماً، ومشطت شعري على النافذة، أوغلت النظر باتجاه الزقاق المعتم عند أول تباشير الصباح. كم مرةٍ تخيلت وحوشاً شيطانية تتسرب منه كأنها جدول ماءٍ كحلي، ينكب على صدري ويجري بين نهدي.
كم بيضة أسقطت على طول السنوات عند مروري بالزقاق المظلم عائدةً إلى البيت من الدكان الذي يقبع في آخر الشارع. البقال ذو الشارب الكث، والمقعد المتسخ، الذي أتخيله دوماً ملتصقاً بمؤخرته، وخلفه علب السجائر، والسجائر الفرط على الطاولة. الثلاجة الممتلئة بالمشروبات الغازية، والبضاعة المتراكمة في عتمة آخر الدكان. عتمة تشبه تلك التي في الزقاق، وينساب منها جدول ماءٍ كحلي غامق، وخانق. يضحك بصوتٍ أجش، ويتبع ببصقةٍ على الأرض، يحرك شاربه الكث، فيزداد جدول الماء الكحلي في آخر الدكان تدفقاً، فأكسر بيضةً وبيضة أخرى عند الزقاق!
أتنهدُ قبل الوصول إلى الباب، أرفع بصري إلى سماء الليل الحالك، فأرى شارب صاحب الدكان يحجب القمر ويتلوى على شكل غيمة بيضاء، يحرسها اثنان من الملائكة. كنت أدخل بعد ذلك في رجفة تهز جسدي تحت الأغطية، ويأخذ العرق في التصبب، بلا انقطاع، يتخذ لوناً كريهاً إنه اللون الكحلي الغامق المغبر، المجنون الصاعد من أعماقي.
كنت أرتجف وحسب. أرتجف حتى الصباح، دون أن يغمض لي جفن. عندما تنبثق خيوط الضوء من النافذة الخشبية كمولود جديد، أحمل حقيبتي المدرسية وأغادر البيت صامتةً. مصروفي اليومي، وساندويشي الكبير الحجم على الطاولة، محشواً بالفلفل الأحمر، عندما يختلط برحيق أرغفة البيت الكبيرة الحجم، ذات اللون القمحي، التي تشبه تلة رملية عند خروجها من الطنجرة. كنت أتأمل الأرغفة وهي تخرج من فوهة الطنجرة المحمرة، وأرى نفسي وهي تتزحلق على تلة الرغيف، بواسطة أقلان البلاستيك الصفراء، التي يستخدما أولاد الحارة للنزول بسرعة فائقة عن أعلى تلة رملية في الشتاء، حيث يبتل الرمل ويصير من السهل التزلج علي منحدرات تلاله.
هناك على التلال الرملية أتذكر التفاصيل العارمة بالجنون. جنون الأولاد والبنات في التلال، والضرب المبرح الذي تعرضت له بعد كل مغامرة من هذا النوع مع بنات وأولاد الحارة. إني أتذكرهم جميعاً.
صالح: ذو الوجه الأسمر، والجسد النحيف، والصوت الذي يوحي بمرور غيمة فوق الرأس.
عبد الله : ذو الشعر الأشقر، والبرص. صاحب النكات المتلاحقة، والابتسامة العريضة وأكثر الأولاد لؤماً، وجنوناً بي.
مرام : صديقتي الجبانة، ذات الشعر الكستنائي، والخط الجميل، وساردة القصص الأولى في الشلة.
نوح: بائع الجرائد الصغير.
يوسف: الأكبر، والأضخم، والأطيب معاً... ابن صاحب الدكان.
أتذكر تماماً طريقنا إلى كثبان الرمال الذي كان ولابد أن يمر، بالزقاق، والدكان. كنا نتراهن في عبور الزقاق يومياً،ونحن عائدين معاً. مرة تبارى يوسف ونوح الصغير، عبر نوح الظلمة وخرج كالبرق، أما يوسف فقد دخل، ولم يخرج. كنا نسمع بكاءه ولا نراه دخلنا الزقاق وأيدينا متشابكة. أصابعنا تضغط على بعضها البعض بقوة خرافية، تحسسنا الزقاق شبراً شبراً ولم نجده. عدنا إلى بيوتنا محملين بالرعب، وبقي بكاء يوسف يتوغل في أعماقنا، ينساب بقوة البرق فينا بلا نهاية.
عند الصباح رأينا يوسف آخر. يوسف مشيب الشعر تماماً. شعرٌ أبيض. رأيناه لمرتين ثم انزوى في بيته ولم يعد يخرج معنا. بعد سنوات قيل انه سافر.
بعد سنوات الغربة..جاءَ يوسف إلى بيتنا، مازال طفلاً ضخم الجثة، ومازال شعره أشيباً. كل ما اختلف هو أنه يرتدي اليوم نظارة طبية ذات إطارٍ كحلي. يوم الزفاف اكتشفت فيها جدولاً مائياً كحلياً يتدفق في أعماقها، فصرخت به قبل أن يقترب quot;اخلع هدي النظارة يا يوسفquot; خلعها وهو يبتسم، وضمني إليه، فركني تحتهُ كقطعةِ لحم بيضاء فوق تل رمل، وكان يصرخ في السرير، وهو يقول لي quot;هدا التزلج الي بدي ياه.. تزحلق بدون أقلان بلاستيك، تزحلق قوي ومندفع، هدا هو الزقاق، يا صديقة الطفولة. الزقاق الي أنا بادخله الآنquot; في الصباح أصبت بجنون رهيب منه، وحذرته أن لا يعيد تلك الكلمات القذرة على مسمعي أبداً، وإلا عدت إلى بيت أبي. ابتسم وقال quot;المرة الجاية راح اقلك عن شارب صاحب الدكان والعتمة في الآخر.. ما تعصبي آهquot; لم أذكر أنني أخبرت أحد الأولاد بقصة صاحب الدكان.. بقصة والد يوسف!
مضى ذلك اليوم بي كأنه سكرة. سكرة لا يمكن الفكاك منها أبداً، وانهالت الأفكار علي من كل صوب. يوسف يعرف ما يدور في خلدي منذ زمن. هذا شيء مؤلم أنا عارية الآن أمامه، وينتابني الخجل، مما لا أعرف. أيسبب ذلك الخيال الضحل خجلاً ما؟!
لا أعرف!
في الليل جاء صاحب الدكان ذو الشارب الكث يتأبط ذراع ابنه الأشيب. الابن واصل طريقه إلى غرفة والدتها المريضة، فيما الأب، وقف أمامي يضحك بصوته الأجش، وحماتي تضحك مع ولدها وولدها يضحك من بعيد، ولسبب ما شعرت أن ضحكه الآن هو بكاءه الذي في الزقاق، ولسبب ما استولت على السكرة. دخلت مع صاحب الدكان إلى الغرفة ونثرني تحته، ليخبرني عن الجدول الكحلي في آخر الدكان، أثناء مضاجعته المتوحشة.
انفتح باباً في السرير، عدت إلى النافذة وتباشير الصباح تنق في رأسي، الزقاق المعتم يرسل جدوله ذو الماء الكحلي، الشارب الكث مكور على شكل غيمة في السماء... أمي تنادي علي quot;روحي اشتري بيض... ولك روحيquot;

bull;شاعر مقيم في غزة
bull;
[email protected]
bull;http://gmrat.ektob.com