علي النجار من مالمو: إن كانت مدينة فالون (مركز مقاطعة دالارنا) السويدية أقامت توازنات مواردها المالية على معادلة لا تخلو من شطارة الحدس وحسابات علمية سخرت البيئة والأثر معلما سياحيا، حتى لو كان الأثر منجم نحاس (لم يعد اقتصاديا) لكنه لا يزال مسخرا ليبقيها تزهو بثروتها وغناها المادي والروحي. لقد حافظ هذا المنجم الأثر مع مفاخرها الطبيعية المستثمرة الأخرى كرياضة القفز من علو، مثلما حافظت على ثروتها التي شكلتها الصناعة الغذائية (كورف فالون) المعروف والذي يحمل اسم المدينة، كذلك صناعة الصباغة الحمراء التي اشتهر فيها المعمار السويدي التقليدي. وكما تحولت وظيفة المنجم من الإنتاجية إلى السياحة. تحولت وظيفة محطة القطار المحلية (2) من مخزن مهمل إلى قاعات عروض وأنشطة فنية شخصية وجماعية ولتحتضن بعض من أعمال هذا الترينالي. أما بقية الأعمال فقد توزعت قاعات متحف المقاطعة (3) الذي يحتل مكانه وسط فالون، وقاعة مكتبتها المحلية، وقاعة عرض (أس إي فالون (4)، كما عرضت أعمال تسعة فنانين في بيت الكرافيك (5) القريب من استوكهلم، والتي تم افتتاحها بعد ثلاثة أيام من افتتاح العرض الرئيسي في فالون والذي استمر من الخامس والعشرين من أوكستي وحتى الرابع من نوفمبر. لقد باتت ظاهرة إعادة تأهيل آثار المدن في اوربا، مثل محطات القطار أو مخازنها والتي هجرتها قطاراتها، أو غيرها من بنايات المعامل التي لم تعد تؤدي وظيفتها الاقتصادية، ظاهرة ثقافية بارزة. كمعمل الكابلات في هلسنكي، الذي تحول إلى مركز للفنون. أو محطة القطار في برلين التي تحولت إلى قاعات عرض للفنون المعاصرة. أو بناية منشأة الميناء في مدينة مالمو السويدية والتي هي الأخرى تحولت إلى فضاء لعرض الأعمال الفنية المهرجانية. وكان ذكاء أن تتحول هذه المكنة المهملة التي تجاوزها زمنها إلى فضاءات ابداعبة تتيح للمشاهد مجال ومدى رؤية غير تقليدية، كما تتيح للفنان حرية استغلال المكان وبناء مشروعه أو فضاءه الخاص بما يتناسب وإيحاءات هيكلية هذه الأمكنة.
العروض الرسمية الجماعية العالمية، أو ما اصطلح عليها بالبينالا أو الترينالا (معرض السنتين أو الثلاث سنوات) وهي الشائعة عالميا وتأسست أو أنشأت بقرارات ثقافية وأحيانا ثقافية مؤسساتية وأحيانا أخرى ثقافية سياسية ولبلد ما. في الوقت الذي أسست فيه مدينة فالون السويدية عرضها الكرافيكي المثير على إثارة من كتاب فني صدر حديثا يتناول فيه أهم تجارب الكرافيكيين العالميين المعاصرين، وحسب اجتهاد مؤلفه (الناقد ومؤرخ الفن الويلزي (ريتشارد نويز (6) وكتابه هو (صناع الكرافيك على الحافة (7) شكل وثيقة العرض الافتراضي الأول لهذا الحشد المتميز من أعمال فن الكرافيك الآن في هذه المدينة. والكتاب لم يكن تقليديا في عرضه لتجارب معينة. بل كان بحثا عن روح العصر من خلال نتاج فنانين يسكنون بقاعا متعددة ومتفرقة من بقاع العالم، لكنهم متوحدون في هواجسهم الاجتماعية والبيئية والسياسية والثقافية. وهي فكرة اختمرت في ذهن الفنان الكرافيكي العراقي السويدي (مظهر احمد (8) مدير مشغل كرافك فالون لتحقيق حلم الكتاب وكاتبه بسحب مضمون مفردات الكتاب ونماذجه الإبداعية الكرافيكية من الورق إلى قاعات العرض. فانشأ حبلا سريا ما بين خاطرة فكرته وذات المؤلف (نويز) لترى النور أخيرا أعمال كانت متخفية بين طيات الكتاب. وكان لعمل وتعاون منسقة المعارض في متحف المقاطعة (انا سيبينان (9) مع الفنان مظهر كل الأهمية لإظهار هذا العرض للوجود.
خلف اختفاء العناوين الكبيرة وتيماتها الشهيرة في عالم التشكيل المعاصر، يكمن حراك اجتماعي لم تعد تغريه لم تعد تغريه العناوين بقد اهتمامه بأقداره المعاشة، وسير شخصية بالغة الأكتضاض لم تعد مجالا للإحصاء ومناوراته النخبوية. في عالم تشكل مفاصله ملايين الأفكار وتحولاتها ونتائجها وتوالاتها. ولم تعفي مساحة التوالد هذه أدق جزئيات محيط وجودنا أو المتشكل من ذرات أجسامنا. وان كان الفن يشكل مقياسا لحساسية مجتمعاتنا وتحسس وجودها السري في نفس الوقت. فانه الآن فكرة متولدة ووالدة. ولم يكن عرض ترينالا فالو إلا نوعا من ترمومتر حدسي للمتوفر من تجارب هؤلاء الفنانين المشاركين. وان لم يكن بالإمكان إحصاء التجارب الكرافيكية العالمية بشكل مطلق، فبالإمكان حصر البارز منها وتحت عناوين استدلالية. وهذا ما فعله (ريتشارد نويز) وما حاول العرض إبرازه بالشكل المناسب.
لنقارن أفكار سكوت التصنيفية المقترحة في كتابه و حسب تسلسلها، كما يأتي:
ترددات خاصة (أو المواضيع المحترسة)
المدن والوقت.
زمن الدجتال.
المدينة والذاكرة.
الجسد والروح.
العرض والإخراج.
التأسيسية أو البنائية.
الرؤيا الشعبية.
التكنيك العنيف، أو الحاد.
المسافرون.
البعيد.يتضح لنا من هذا التصنيف أن غالبية العناوين ذات صبغة اجتماعية. فإذا ما استثنينا ما يخص التكنيك منها نجد أنها لا تبتعد عن المنحى ألمفهومي ذي الصبغة أو الصيغة الاجتماعية بشكل من الأشكال. وان لم يكن بعضها يحمل صيغة مباشرة، لكنها مع ذلك تبقى على ملامسة لبعض تفاصيله المألوفة أو الصادمة أو الغرائبية في آن معا. وليس في الأمر من استغراب بعد أن بات الأداء التشكيلي ساعيا هو الآخر لملامسة مساحة الإبهار في هذا المجال. وبما أن عالم الكرفيك بات اليوم عالم واسع ومتنوع الأداء مادة وتكنيكا وتصورا، ولا يعفي أي منتج أو مخترع صوري أو صوتي أو ضوئي، أو أي منتج صناعي من مساحة اشتغاله. للحد الذي اختلط فيه مع عالم التشكيل الواسع ومكتشفاته وألعابه، وعالم التقنية الكومبيوترية وأجهزة التصوير التقليدية أو نظام الدجتال والفيديو. وان كانت الورقة تحمل سمات الطبعة الكرافيكية التقليدية، فان هذا العرض لم يعفي مواد غرائبية أخرى كالصخور أو قطع الأخشاب الخام أو النسيج أو أحواض البلاستك أو مسطحات المعادن أو مختبر الصور النقطية أو أدوات استعماليه معاشية أخرى، والتي افترشت أرضية العرض وجدرانه. كذلك لم يقف إعجاز الفنان عند حد، بل كان دافعا قويا لابتكار أشكال (فورمات) حيوية، أو لاستغلال الجسد في عرض إنشائي كرافيكي صوري (فيدوي) مبتكر.
العمل الفني صنيع أدواته التي تتوزع الفكرة المكرسة للصورة أو الحركة أو الصوت أو الضوء، أو كلاهم معا، كذلك المواد الخام بأنواعها المختلفة وطرق أدائها المتنوعة. ولو تفحصنا طرق اخراج أو أداء معروضات هذا الترينالا، نجدها لا تبتعد عن هكذا اشتغال، كما أنها لا تبتعد عن الذهنية التصنيفية ل (نويز) إلا في حدود اجتهادات أو إيحاءات محدودة. وان كان أداء الفنان يشكل جسرا لفكرته أو العكس، فإننا نستطيع إعادة ترتيب الجدولة التصنيفية المقترحة لأعمال هذا العرض لجدولة أدائية تشكل ثنائيا معرفيا مع ما طرحه (نويز) ولكي تساعدنا على كشف بعض أسرار الرؤى التشكيلية لهذه الأعمال. ولتكن بالشكل التالي:
أداء الحالة الاجتماعية (الفن الاجتماعي).
أداء التكنيك ألمشهدي.
الأداء الزمني، والأداء المكاني.
الأداء الفنتازي. والأداء الروحي.
الأداء الافتراضي.
الأداء المختلط واختلاط المفاهيم.
لنختار نماذجنا من مجمل أعمال العرض (وبدون أن نقلل من أهمية بقية الأعمال) ولنتفحصها بدون إغفال لحيوية الفكرة أو الأداء والإخراج:
أداء الحالة الاجتماعية:اخترنا نموذجين لهذا الأداء رغم تقاربهما في الموضوعة السياسية (التي تشكلت من خلال تداعيات وسط اجتماعي معين، رغم ما رافقها من ملابسات سياسية مصنعة). وتتناول أداء فنانين من الولايات المتحدة هما (سكوت بيتز و جون هتشكوك (10). وموضوعة العراق والحرب هي شاغل عرضهم هنا. وان كانت اكتشافات الحداثة مساحة مشاعة لألعاب المعاصرة، فقد استغل (بيتز) الفن الشعبي الأمريكي الحديث (البوب) مجالا لإخراج أعماله. ليس كما مألوف أعمال سابقيه، بل بما يوفر له مجالا لإخراج فكرته عن مفهومه السياسي الاجتماعي. فأنتج علبه (الموظفة لتعليب العاب دمى الطفولة) لطباعة صور عليها (بتقنية السلك سكرين)، وخصص لكل علبة رسما شخصي لشخصية عراقية مختارة، وأرفقها بعلامات وإشارات موقعيه دلالية. والشخصيات هي: الرئيس الطالباني، رجل البوليس، العامل، الأب، الأم، الطالب، البنت. علب تحمل تسعيرتها ومعروضة للبيع الافتراضي والذي يشكل جزأ من عالم الحرب العراقية الافتراضية الكبرى. وان كان الافتراض ذهنا مفتوحا على العديد من الاحتمالات، فهو هنا شكل واقعا اجتماعيا منتهكا.
الفنان الآخر (جون هتشكوك) ذهب مباشرة إلى الحدث وتداعياته، فصنع لنا مشهد الحرب وآثاره في عمله المعنون (دبابات اللباد) بطباعة السكرين. دبابة مفرغة في الأعلى وأسفلها رسوما طباعيه لسيقان تعرضت للرض والكسر والتضميد. وان يكن العمل مباشرا، إلا أن اختلاف تكنيك جزئيه اظفى عليه مسحة تشكيلية غرائبية بعض الشئ تستبطن دعوة لتفحص جزئياته ومعرفة دلالاته على وضوحها. وتبقى اختلافات مساحة التعبير والأداء في هذه الأعمال منفذا لقراءات متعددة ومفتوحة على التأويل الاجتماعي وهواجس تهويمات النزعات السياسية وكوارث حروبها العصرية.
الأداء الروحي: أعمال الفنانة البولندية المقيمة في انكلترا (ايونا أبرامز (11) مثالا:
مشهديه عرض هذه الفنانة لا يلغي جروح الجسد وتضاريسها المدماة على سطح الجلد أو في العمق الغائر من الجسد. رغم تقديمها كأطباق معلبة بأغلفتها البلاستيكية الشفافة والمنثورة على جدار عرضها وبإغراءات (فتيشية) لا تخفي جمالية مشهديتها، إلا أنها وكما تبدو مشهديه لا تختلف عن آلاف المشاهد الفاجعة المغلفة بعدم اهتمامنا أو تجاهلنا للفجيعة بعد أن أصبحت معلبة ومكرسة إعلاميا وباتت تتشكل خلف حيطان صد لأي استفزاز أو استنفار مما تبقى من مشاعرنا. مع كل ذلك فإنها تبقى مترسبة في العمق من وجداننا وربما تقوض ما تبقى من لامبالاتنا الكارثية.وان كانت جروحنا حزوزا على ظاهر جلودنا. فان الفنانة لم تكتفي بهذا الظاهر في بحثها عن سر انفجار جروحنا الداخلية أو قشعريرة الروح الملامسة لجراحها. وهي هنا تنثرها بؤر استفزاز لغفواتنا أللاهية.
التكنيك والأداء ألمشهدي:
يجمع الفنان الأيسلندي (فالكيرو هوكسدوتر (12) في عمله على شرائح القماش والمنفذ بتكنيك مختلط (فوتو،حفر غائر،ليثو، تلوين وتلسيق)مابين ترددات الجدران كسطوح مغلقة على الأنا وعنصر وإشارات طوطمية تحتل الحاشية أو المركز المزاح أحيانا من مسطحات الصور الشخصية أو أسرار الطبيعة الصغرى من عمارته المغلقة على أسرارها. وعمله هذا الذي يوحي بمشهديه السكن المغلق يوحي أيضا بسبل انعتا قه من اسر حدوده الصارمة من خلال مبثوثات إسرار جزيئات كائناته الطبيعة الدقيقة، ومن التلاعب على تنغيمات حدود أشكاله الهندسية وإيقاعات فضاءات منشأ كائناته نفسها.
الفنان الآخر الذي اشتغل على الأداء ألمشهدي هو الكوري (جانغ-سو كيم (13) الذي كرس الفوتو ونظام الدجتال حقلا لمشهديه تجميعية لآلاف الصور الشخصية كتضاريس لمدن أو شخوص إنسانية، وهو الأشهر عالميا في تقنية الدجتال الطباعية هذه. لقد استبدل تفاصيل الصور الثابتة بآلاف من مربعات الصور الشخصية المختلفة المصغرة محولا إياها إلى ذبذبات أو رعشات إنسانية، أو شفرة تحاول حل لغز الطبيعة والوجود من خلال اكتضاض هذه القسمات بنوازعها السرية أو العلنية وبشطحات أرواحها الهائمة عبر فضاءاتها التنقيطية الصناعية. وبذلك فانه جمع في أعماله هذه ما بين الصنعة والإلهام في محاولة منه لإخراج مشهديته المعاصرة المذهلة سواء كانت تشخيصية أو بيئية.
أما الفنان الياباني (كوجي كيونو (14) المعنون (البيض) والمنفذ بالحفر الغائر، فقد اشتغله كمشهد غرائبي، وتكمن غرائبيته في طريقة إخراجه. لقد صنع خمس وأربعون شكلا بيضويا وغلفها بورق طباعته التي حملت آثار إيحاءات لسطوح أسفنجية وبهرمونية لونية (هي من صفات مادة التحبير الطباعية).أما الإعجاز في هذه العمال فيكمن في مهارته إخفاء حدود حافات أوراقها الملصقة على شكل البيضة والتي تلبست هيكلتها. وان كانت بيوضه حولها إلى عرض يفترش منصة أرضية واطئة. فانه ثبت طبعات ورقية لنفس الأشكال (الفورمات) البيضاوية وبنفس التقنية مع وضوح بعض من قسمات أشكال أو هيئات عضوية هلامية، وكان هدفه واضحا في إيجاد معادل ترددي أو إيقاعي لنبض الطبيعة السري هذا وما بين فضاءه الواقعي والافتراضي ونسخه الصورية الجدارية وظله الآخر.
الأداء الزمني:
توفر لنا أعمال الفنان العراقي السويدي (مظهر احمد) خير مثال لهذا الأداء. وان كانت طباعاته الكرافيكية الورقية حققت له شهرة من خلال اكتشافاته التقنية وعلى المستوى العالمي، والتي عرض منها عملين في قاعة المتحف وضمن هذا الترينالا. فان عمله السابق (المدينة) والذي كانت فيه الأجساد الورقية تصارع فضاءاته، كان ملهما لإخراج عمله الجديد المعروض في قاعة (ماكزينت). حول الجسد مساحة صراع مع أزمنته وأقداره المتعددة حد اكتضاضها، والتي تشكل الأطراف وانفلاتات تضاريس جذع الجسد وفضاء قاعة المنجم بهيكيليتها السرية، أو إيحاءاتها السريرية، سيرة غير سوية. مائة وأربع وعشرون شخصا معدنيا (ألمنيوم) تفترش استطالة مساحة مقتطعة من فضاء هذا المكان الاغترابي بتشنجات أعضاء أجسادها المحكومة بالصدفة الأدائية والمتمردة على أزمنتها. وان كان الشخص المعدني المكرر (كصفة كرافيكية) هو نفسه في هذا الأداء، إن لم يكن متوالد من هيكيليته نفسها، وبلحظات زمنية متتابعة. فهذا يعني أن الزمن هو الذي تكفل بأداء حالاته، صراعه أو تشنجاته المختلفة. بالوقت الذي خلفت قصديه إنارة هذا المشهد وقع آلاف الخطوات المارة أو العابرة المتغيرة. وربما كان لخطوات الفنان المارة عبر دروبه المتععدة خلال أزمنته القارية اثر في إخراج كل هذه الضجة الزمنية.
الأداء المكاني:المكان عند الفنان الروسي (كونستنسين خوديكوف (15) هو المدينة في لحظة كشفها لأسرارها. أسرار تشكل عبر تناقضات الثروة والبؤس البيئي والإنساني معا. وأعماله المدنية (التصويرية الطباعية) تعبر عن هذا التناقض من خلال تراكم طبقاته وتجاورها. وان كانت التقنية الطباعية توفر العاب الإدهاش الأدائي، فهي توفر له إبراز التفصيل المعبر عن حدة هذه التناقضات دون خفض جمالياتها وإبراز ما يوده من التفاصيل دون غيرها. على الضد من أعمال الفنانة البولونية المشاركة الأخرى (هنا هكسا) التي اعتمدت تقنية الدجتال تلسيقا ادهاشيا لميثولوجيا مكانية.
بينما اختار البولوني (كريكورز بانزكويشس (16) مهملات المكان مجالا لللأختراق أو التجاور أو التضاد، من خلال مرور متعاقب لصورتين مكانيتين عبر شاشتي فديو متلاصقتين. لقد شكلت له هذه الأمكنة البيئية الهامشية مختبرا تشكيليا خصبا لستة وعشرون لقطة مكانية. تعثرت لقطات كادر كامرته من خلالها بالنفايات والزوايا الجزئية المهملة من المكان والطبيعة، مشكلة حقلا تنافسيا لنقاوة التشكيل الكرافيكي والذي اشتهر به الكرافيكيون البولونيون. وان كان المكان يشكل انبهارا على سعته. فقد استمد هذا الفنان سعته المشهدية من زواياه القصية.
الأداء الفنتازي:
مصدر الغرابة في عمل الفنانة الأسبانية (لورا بيرمان (17) يكمن في أن عملها المعروض اشتغل على تكريس شكل القطرات، أو ربما دموع منثورة على سطح أحجارها. وكسر التقليدية يكمن في أن هذه القطرات تبرز كثافتها فوق مستوى سطوح أحجارها سواء العلوي الصقيل أو بقية تضاريسه الجانبية (كحفر غائر يشبه حفر الأختام الشخصية). وخلقت هاجسها الكرافيكي كأثر يحيلنا لجدوى تساؤلاتنا عن كنه صناعة هذا العمل. هل هو معادل استغاثي، أم مجرد قطرات ندى طغت رقتها وباتت طافية بتثاقل فوق هذه السطوح الصلدة.
الفنان اللتواني (كيستيوس فاسيلوناس (18) بطباعة الحفر على الخشب، نفذ مشهديه فنتازية مختلفة استنبطها من تأثيرات الصورة الشعبية الكارتونية الأميركية (سمبسون) وإيقونات أخرى. طغيان الصورة الكارتونية الموجهة للكبار (سمبسون) وبما تحمله من سمات أعمال (البوب) الشكلية واللونية، ومن هزل و فنتازيا مابعد الحداثة. حولها الفنان عرضا مشهديا مقارب لعرض الشاشة التلفازية، وبحجم هائل. وكان لسطح العمل، أو خامته الأساسية (النايلون اللامع) كل الأثر في إبراز هذه المقاربة. ولم يكتفي العمل بإدهاشه الأدائي، بل تعدى ذلك لتكريس عمله مساحة اشارية مفهوميه مختلطة، من خلال جمعه مابين الصورة الكارتونية الهازلة وصورة الصلب وعناوين كتابية تغريبية (بيت الثلج ndash;الوحيد الثلجي (19).
كذلك يكمن إدهاش أعمال الفنانة الأرجنتينية (أليسا كاندياني (20) في تناولها مفهوم (البراءة) كائن أنثوي تستعرض رقة ملامحها واسترخاء يدها الممتدة عبر فضاءات تلامس نصوصا حروفية نقطية هي جزء من ميثولوجيا نداء الروح المنبعث من خلال حشدها. لقد بدت حروفها أو كتاباتها تتخفى خلف رقة القسمات الإنسانية، أو تتخفى القسمات خلفها. فالإدهاش هنا يكمن في هذه الرقة المتناهية ونداء الروح الذي تبثه حركة يدها الممتدة مباشرة إلى أفئدتنا.ولقد كان ذكاء من منظمي العرض أن يحتل هذا العمل مساحة ثلاثة نوافذ في واجهة متحف دالارنا. ولتحتفي النوافذ به فضاء لدعوة الود وشفافية النداء.
الأداء الافتراضي: إن كانت بصمة الإبهام تحمل صفة تفردنا أو تمييزنا عن بقية البشر، كذلك بصمة العين هي السائدة الآن من اجل ملاحقة ذواتنا إن تمردت على مجموعة مدونات أنظمتنا التي جعلناها سارية.كذلك (تواقيعنا الشخصية) والتي حولتها الفنانة الكندية (باربرا بلفور (21) إلى جداول رقمية أو إلى وحدات مسطرة أو مجدولة أو مبعثرة في مجموعة طبعاتها الورقية (الليثو). وكنصوص ميكانيكية تلبست خطواتنا التي لم تفارق وقعها الميكانيكي هي الأخرى، رغم تجاهلنا أو لامبالاتنا المصطنعة دوما. وان تكن دونت على رقع هذه الفنانة نقشا سريا. فمما لاشك فيه أنها لا تتعدى كونها نقشا أو رقشا لابد لنا أن نسلك كل تعرجاته، وحتى الضالة منها. ولا يهم إن كانت صحائفنا، وكما دونتها الفنانة،مختلفة في هيئة تدوينها.
جاءت الفنانة الأمريكية (ليسا بولسكي (22) من مقاطعتها (ميسوري)لتضع بين أيدينا وطنها الخاص، في دعوة منها لزيارته. وأنشأته بالعديد من الصور الإنشائية والأحلام الافتراضية المصورة، ثم علقت علم هذا الوطن الشخصي (الذاتي). لقد يئست كما يبدو من الإقامة في أي من بلد من بلدان العالم. بعد أن لم يكن لحلمها أن تستوعبه قارات العالم كلها. فأنشأت هذا الركن الاستيطاني كآخر ملاذ لها. وان لم يكن في إمكاننا ولوجه أو الإقامة فيه، فبالإمكان حصولنا على تذكار (فيش)ى يحمل مختصر اسم مدينتها او رمزها (23)
مشهديه الأداء المختلط واختلاط المفاهيم:
غرائبية العرض المشترك للفنانين الأمريكيين (من كنساس)، (هووك جوردان ميرل (24) و (باتريك موناسار (25)، المعنون (فلاش)، يكمن في عدم مألوفة إخراجه (مألوفة أعمال الكرافيك التقليدية).فهو كمشهد يحتل أرضية العرض أربعة أحواض (سباحة) بلاستيكية تكتظ بتفاصيل طباعيه (دجتال). تفاصيل تدين ما تتعرض له البيئة من تلوث، وحروب وصراع مصالح. ويشكل كل حوض من هذه الأحواض الأربعة بؤرة كشف لتفاصيل العاب الحروب الحديثة. سواء منها الافتراضية أو الواقعية، بآبار بترولها ورزم دولاراتها العلنية أو الخفية. بالوقت الذي تحوم على حافاتها فراشات ملونة كأرواح ضلت طريقها وسط متاهة لغم المصالح المسيسة بواقعية يراد لها أن تكون افتراضية رغما عنا. على إحدى حواف هذا الحشد ألمشهدي الصارخ وضع الفنانين أوراقا للأمنيات كنداء ظمني لبعث أمنياتنا مشهديه الفنانة الأيرلندية (التي تقيم في اسكتلندا) (آينة سكانيل (26)، مشهديه إنسانية فنتازية. فولعها بفضاء حياتها البيتية ولع استثنائي. لقد جمعت تفاصيلها المعاشة ورتبتها من جديد، إعادة هيكلتها بمنظور فنتازي وبما يوفر لها فضاء أكثر دفء وأمان. وان يكن من ميزة كرافيكية في عملها، فهي تكمن فن الصور العائلية الملصقة على قطع الخبز المنثورة على أرضية فضاءها النصف دائري الملاصق لعرضها ألجداري مع قصاصات تذكارية مرسومة، وثبتت في فتحة شرابات صوفية صور وجوهم الأخرى، ربما كناية عن ملاذ دفئ. وصنعت نوافذها على الجانبين وبرسوم كرافيكية حملتها فضاءها الذي توده والتي تنافذت بعض حيواناته ودواخل جدارها الداخلي.
إن كان عمل (آينة) يثير فينا ولغرابته الإخراجية تساؤلات عديدة عن مغزاه الكرافيكي. فإننا اليوم نشهد كسرا لقواعد وضوابط كانت تحدد أداء هذا الفن وأدواته. وبما انه طغى عصرنا بمستجدات ابتكاراته وشساعة منطقة اداءه. ابتداء من إلغاء ضوابط تحديد عدد النسخ المطبوعة. وإبقاء الأمر مجالا مفتوحا للفنانين لتحديده، بسبب من هيمنة التقنيات الكرافيكية الطباعية الجديدة والتي لا يؤثر عدد نسخها على جودتها. أما بالنسبة لغرابة عمل الفنانة (آينة) التجميعي هذا والذي اكتظ بجزئيات لا تمت للتقنية الكرافيكية، إلا في حدود كونها وسائط حاضنة (المنسوجات الصوفية والخبز مثلا)، بما أنها تشكل نسبة أربعون بالمائة من مجمل مواد العمل أو اقل من ذلك. فإنها لا تؤثر على نوعيته التصنيفية كعمل كرافيكي. وهذه النسبة من المواد الملحقة أو الحاضنة أو المضافة توفر للفنان مجالا واسعا في اعتماده طرق ووسائل إضافية لتنفيذ عمله، سواء من هذه المواد ما كان تقليديا أو غير تقليدي. مع امتلاكه لحريته المطلقة في اختيار وسائطه الطباعية ان كانت جدارا صلدا أو منشأة متحركة أو أرضية حجرية أو زفتيه أو أية لدائن صناعية أو مواد طبيعية توفر له حاضنا مناسبا لتنفيذ تقنيته وتحقيق تصوراته المناسبة لإخراج فكرته، بما إن الفكرة تبقى هي الهم في عالم التشكيل المعاصر وما المواد تابعا مسخرا لها.
يبقى الفضل للفنان مظهر احمد ومؤازرة السيدة (سيبينان) الفضل في إظهار هذه الفعالية الفنية العالمية للوجود . كذلك يرجع الفضل للفنان الأمريكي (سكوت بيتز) لعمله كمنسق وحلقة وصل ما بين جميع الفنانين المشاركين في العرض ومؤلف الكتاب الكرافيكي ومنظمي العرض. وان أثمر العرض عن شئ، فهو بالتأكيد إبراز أهمية العمل الكرافيكي المعاصر كمنفذ للروح والواقع الاجتماعي. وكحلقة وصل ما بين فروع الفن المتعددة، وذلك لنفاذه عبر وسائل إعلامية اتصالاتية، سياسية واجتماعية،جمالة ونفعية. وان كان لهذا العرض من أهمية، فهي تكمن في انتباهنا لمدى معالجته لواقعنا الأجتماعي عبر صياغاته لأفكار مشاعة ومشتركة تفتح أعيننا على دهشة كانت متخفية وسط متاهاتنا اليومية المعاشة. كما أن تعاون الفنانين فيما بينهم أسس لتقليد تشكيلي جديد. وذلك من خلال عمل ملفات كرافيكية لكل فنان تحتوي على طبعات من نتاجهم. وقد أثمر هذا التقليد عن انجاز عدة معارض وفي بلدان مختلفة وبرعاية الفنان صاحب الملف نفسه. أن نعيش على حافة أزمنتنا المتسارعة. فقد بات الفنانون التشكيليون ومنهم الكرافيكيون يلجون هذه الأزمنة بعدة جديدة تحاول فك طلاسمها من خلال امتلاكهم لأدواتهم الفكرية والصنعة الأدائية وبما يوازي شساعة مساحتها الأدهاشية.
1-
2-Falu Triennalen 2007 (contemporary print art)
افتتح في مدينة فالون السويدية بتاريخ (25-8-2007 ) وشارك فيه واحد واربعون فنانا كرافيكي من ستة عشر بلدا.
2-Magazinet، 3-Dalamas museum، 4-Galleri SE، Falun، 5-Grafikens Hus، 6-Richard Noyce، 7-Printmaking at the Edge، 8-Modhir Ahmed، 9-Anne Seppauml;nen، 10-Scott Betz، John Hitchcock، 11-Iwona Abrams، 12-Valgerdur Hakouml;sdotter، 13-Chang-Soo Kim، 14-Koichi Kiyono، 15-Konstantin Khudyakov، 16-Grzegorz Banszkiewicz، 17-Laura Berman، 18-Kestutis Vasillunas، 19- (Ecce Homo ndash; Ecce Home)، 20-Alicia Candiani، 21-Barbara Balfour، 22-Lisa Bulawsky، 23- (SVP)، 24-Hogh Jordan Merrill، 25-Patrick Moonasar، 26-Aine Scannell.
مالمو








التعليقات