الكاتب: الكسندر كرافتشوك
الناشر: دار الحصاد- دمشق 2007
المترجم: كبرو لحدو

تتناول الرواية (الموت الأرجواني والقدر العظيم) قصة موت احد أعظم الأباطرة الرومان، إنَه الإمبراطور قسطنطين. ولم تقتصر العبرة في موته على غموض الأسباب التي أودت بحياته، إنما في طبيعة الأحداث العاصفة، التي تعاقبت على أرجاء الإمبراطورية بعد غيابه عن مركز السلطة، مرة واحدة وإلى الأبد.
سوف تكشف لنا الأحداث، كما قدَمها الكاتب، عن صراعات عنيفة ومتواصلة، داخل الأسرة الإمبراطورية، وفي مراكز السلطة، ولقد شكَلت وصية كان قد كتبها الإمبراطور قسطنطين، فاتحة خلافات ما لبثت أن تفاقمت، فهناك من شكَك بصحتها، وهناك من تبناها دون أدنى شك بما جاء.فيها.
(قرأ قسطنطينوس، الابن الثاني للإمبراطور، الوثيقة بصمت، دون أن تفشي ملامح وجهه مضمونها: أموت مسموماً من قبل إخوتي، ولذلك أختاركم أنتم وحدكم يا أبنائي ورثة للعرش. كما أتوسَل إليكموآمركم بأن تنتقموا بالشكل اللائق لقتلي بهذه الطريقة الخسيسة) الرواية ص6، لاحقا رقم الصفحة فقط.
ي رواية أخرى، تختلف عن الأولى، جاء أنَ الأسقف يوسيبيوس هو من دسَ الرسالة في يد قسطنطين، بعد أن عمَده، ثم قام بسحبها من يده المغطاة بالمعطف الأرجواني، ووضعها بيد قسطنطينيوس، والحقيقة أنَ آخرين لم ينكروا وجود الرسالة على النعش، لكنهم رأوا فيها مجرد مؤامرة إجرامية دنيئة، من قبل أعداء الأسرة الحاكمة، المتلهفين لإثارة أبناء المتوفى ضدَ إخوته.
تميز الإمبراطور المغدور، أو الراحل، باحتلال مكانة خاصة، في صفوف صانعي عظمة الكنيسة. فقد كان أول حاكم لروما منح الديانة الجديدة الحرية التامة في ممارسة نشاطها، ولم يدَخر جهداً لبناء دور العبادة، في روما، وأورشليم، والقسطنطينية، وأنطاكية. ولم يكن موقفه هذا منفصلاً عن مصلحة الإمبراطورية، كما أ كان يعتقد، وسنتعرَف إلى فكرته المختصرة على النحو التالي: quot; إمبراطورية واحدة، معتقد واحد، إمبراطور واحدquot;ص9.
تطالعنا الرواية بأحداث كبيرة، عنيفة وعاصفة، تعود أسبابها إلى سياسة الإمبراطور وهو لا يزال على قيد الحياة، لأنه باقتراحه أكثر من وريث للعرش زرع البذرة الأولى للكارثة التي ستحل بالإمبراطورية. قسطنطين الثاني، قسطنطينوس، قسطنطس، ثلاثة أبناء للإمبراطور الأب، الذي رغب في تقسيم السلطة في أرجاء الإمبراطورية، ما الذي سيحل بالسلطة من بعده؟ ذلك هو السؤال الذي تحاول الرواية أن تجيب عنه!
تكشف أحداث الرواية عن التشابك المعقد بين الصراع على السلطة، والصراع الفكري والديني بين تيارات الكنيسة. قبل أيام من رحيله، تقبَل قسطنطين الكبير سر المعمودية، في أيار سنة 337، وذلك بعد أن أدان عقيدة الأسقفquot; آريوسquot; التي نصَت على أن يسوع ليس ابن الله وإنما مخلوقاً خاصا مساويا له في الجوهر. ففي المجمَع الكنسي الأول الذي انعقد في نيقيا سنة 325 بمبادرة من قسطنطين الكبير، الذي مات مسموماً، حسب إشاعة لم يتم التحقق من صحتها.
اعتمد الكاتب في روايته تقنية السرد المتقطع، فهو أنشأ ما يقرب مئة عنوان، تحت كل عنوان قصة، تشكل أحد ملامح الرواية، لتصبح بمجملها سردا زاخراً بالأحداث، وبمعلومات تفصيلية، عن شخصيات هامة، تتبوأُ مراكز حساسة في المجتمع الإمبراطوري، وفي المجمَع الكنسي.
أثناسيوس أسقف الإسكندرية، واحد من الشخصيات الإشكالية في الإمبراطورية، حاصة بعد غياب قسطنطين الأكبر. فهو كان رهن الإقامة الجبرية قبل أن تصبح الامبراطورية مثلَثة الرؤوس، مقسَمة بين الأبناء الثلاثة للامبراطور العظيم الذي رحل في موت لا يزال غامضاً. فبعد أسبوعين من غيابه، وجَه قسطنطين الثاني، الابن الأكبر للإمبراطور المتوفى، رسالة إلى مسيحيي الإسكندرية جاء فيها: quot; أُرسل أثناسيوس إلى غالة لسبب واحد فقط هو الخطر الذي شكَله أعداؤه على حياته، فاستوجب الأمر حماية هذا الرأس المقدس من الخطر... والدي كان راغبا في أن يعيد للأسقف أبرشيته القديمة، آحذاً بعين الاعتبار ورعكم المفعم بالولاء؛ لكنه توفي قبل أن يتمكَن من تنفيذ ما كان قد قرره. ولذلك أرى من الواجب تحقيق رغبة المغفور لهquot;ص36.
يخبرنا الكاتب أنَ ما جاء في رسالة قسطنطين الثاني ليس صحيحاً، فتعاطفه مع أثناسيوس على الصعيد الديني، هو عكس موقف والده، ومن المؤكَد وجود مبررات أخرى ذات طابع سياسي، دفعته لاتخاذ قراره إعادة الاعتبار لاثناسيوس، فالملفت للنظر أنَه أطلق في تلك الفترة سراح مجموعة أخرى من الأساقفة الشرقيين المنفيين إلى مختلف المقاطعات، وكان بينهم بولس أسقف القسطنطينية، والهدف حسب الكاتب هو:
quot; خلق متاعب لأخيه قسطنطينيوس. إذ ستثير عودة المسؤولين الكنسيين اضطرابات في الشرق، تخدم مخططاته، وهو الشاب الجريء والطموح على الرغم من أنه كان لا يزال مغموراً ظاهرياquot;ص37.
دخل أثناسيوس الإسكندرية واستقبلته جموع أنصاره كفاتح ظافر، أما خصومه فقد خمدوا؛ لكنهم ظلوا مترقبين لعلَه يقدم على خطوة خاطئة أو يتفوَه بكلمة quot; فيها من الجرأة أكثر مما يجبquot;.
سوف نتعرف في الأحداث الدراماتيكية، التي أتى عليها السرد الروائي، على حقيقة أن الابن الثاني لقسطنطين الأكبر، هو الأقوى من بين الأخوة الثلاثة، إنه قسطنطينيوس. ولعل إطلاق الكاتب عليه صفة القائد في عنوان أحد الفصول، في مطلع الرواية، يؤكد المكانة المميزة له في إمبراطورية مترامية الأطراف، مهددة من الخارج quot; فالحرب كانت قد بدأت لتوها. وكان لها أن تستمر ما يقارب الثلاثة عشر عاما، كان على قسطنطينيوس أن يصمد خلالها، في سهول بلاد مابين النهرين، نصف الصحراوية، المحروقة بأشعة الشمس، وعلى هضابها؛ حيث أمضى فترات الشتاء وحدها في مدينة أنطاكية السوريةquot; ص32.
الحرب بين الفرس والرومان كانت على أشدها، والعبء في قيادة الجيوش الرومانية وقع على كاهل قسطنطينيوس. أما صورته كحاكم على أجزاء من الإمبراطورية، فهي ملتبسة ومتناقضة، حيث جمع بين العمل على إصلاح الإدارة في الدولة والشدة في كم أفواه المعارضين. ذلك ما يسرده الكاتب، معتمداً على من يصفه بأعظم المؤرخين لتلك الحقبة من تاريخ الإمبراطورية، إنَه(أميان مارسيلينوس).
تغطي الرواية أحداث ربع قرن من الزمن تقريبا، إلاَ أنها تراجيدية بامتياز. صراعات وحروب، مؤامرات ومكائد، قتل واغتيالات وتصفيات. لقد كانت مرحلة يجري خلالها البحث عن ترسيخ الديانة المسيحية كضرورة لتثبيت أركان أعظم إمبراطوريات التاريخ في العالم القديم، وبتحولها(المسيحية) إلى ديانة رسمية للإمبراطورية، تمكنت من نشر رسالتها وتوسيع نفوذها، وإن كان الثمن، حسب الرواية التاريخية غالياً والكلفة باهظة، لكن الإنجاز كبير وتاريخي دون شك.

كاتب فلسطيني