quot;مع بداية القرن الحادي والعشرين أو مطلع الألفية الثالثة، تكون الرواية في منطقة الخليج العربي قد قطعت أشواطاً طويلة صوب خلق مشهد إبداعي متخيَّل يمتلك شروط التعبير عن هوية المرأة في هذه المنطقة بالعالمquot;.
هذا ما افتتح به الباحث العراقي الدكتور رسول محمد رسول كتابه الجديد quot;الأنوثة الساردة: قراءات سيميائية في الرواية الخليجيةquot; الصادر عن دار التنوير في بيروت 2013. وأضاف قائلاً: quot;ربما تعود نشأة الرواية الخليجية إلى ثلاثينيات القرن العشرين، لكن العقود الثمانية التالية على ذلك التاريخ شهدت ولادة العشرات من النُّصوص الروائية المكتوبة بأقلام أنثوية إماراتية وبحرينية وكويتية وسُعودية وعُمانية وقَطرية أصبحت تستحق الاهتمام القرائي والتحليلي والنَّقديquot;.
سعى رسول في كتابه هذا إلى دراسة ثلاثة عشر نصاً روائياً لاثنتي عشرة روائية خليجية هنَّ: بدرية البشر، وبثينة العيسى، وبشائر محمَّد، ورجاء عالم، وسمر المقرن، ومريم آل سعد، ومريم مسعود الشِّحي، ومنيرة سوار، وميس خالد العثمان، وفاطمة الشيدي، وفاطمة المزروعي، وأخيراً هدى عواجي.
وفي قراءته لكل هذه النُّصوص، قال رسول quot;لقد حاولت الاقتراب من الهويَّة الأُنثوية وهي تلج عوالم المتخيَّل الروائي سرداً بغية التعبير عن الذات الأُنثوية قدر تعلقها بشتى صنوف وصور العالم الخارجي أو الموضوعي الذي تعيش وتتواصل فيه المرأة الخليجية بوصفها أنثىquot;.
وقف المؤلف في الفصل الأول عند معنى الكتابة الأُنثوية في ظل جدال وسجال مفاهيم أخرى تفرض وجودها في مشهد كتابة المرأة مثل quot;الكتابة النِّسائيةquot;، وquot;الكتابة النّسويةquot;، وquot;أدب المرأةquot;، منتصراً لمفهوم quot;الكتابة الأنثويةquot;؛ يقول رسول: quot;إن المرأة دائماً تكتب بماء الأُنوثة، وذلك هو حبرها الهوياتي والوجودي الذي تخطه على بياض الصفحات عندما تدخل في تمثيلات إبداعية متخيَّلة مع محيطهاquot;.
ولهذا، اعتمد الباحث في كتابه الذي صدر بعد عشرين كتابا له منذ عام 1992، على مجموعة من المفاهيم الإجرائية، بل على شبكة من المفاهيم التي تدور في فلك تلك الكتابة الأُنثوية ومنها مفهوم جوهرية الأُنوثة، ومفهوم جينوم الأُنوثة، ومفهوم الهرمون المؤنَّث، ومفهوم الكتابة والإنجاب، ومفهوم الذات والكتابة، ومفهوم الأُنوثة المبدعة، ومفهوم نكهة الأُنوثة، وغير ذلك.
ورغم محاولته في اللجوء إلى بنية مفهومية مغايرة لمفاهيم عدة متداولة في هذا الشأن، إلا أنه، ومن منظوره المعرفي أو الايبستيمولوجي، يعتقد أن مفهوم quot;الكتابة الأُنثويةquot; الذي انتصر له في هذا الكتاب، يبقى بحاجة إلى بناء نظري يرتبط بالكيفية التي تندس فيها الهوية الأُنثوية في مفاصل الكتابة السَّردية، ولذلك تحرَّك رسول في فضاء ثلاثة مفاهيم هي: ذوات المرأة، ومنجم الأُنوثة، ومسارات طاقة الأُنوثة. ليس هذا فقط، بل وجد في التوضيح البصري المجدول دليلاً لبيان انطلاق حركة الأُنوثة السّاردة في الكتابة المتخيَّلة لدى المرأة، أي تحرُّك الأُنوثة في أي كاتبة مبدعة من نواتها الجينومية مروراً بالمكان، والزمان، والممثلين، فالحدث، واللغة، وفعل السَّرد، وصولاً إلى سطح النَّص وخطابه، وبالتالي إلى تخوم المتلقِّي أو القارئ الدلالي الفطن، وكل ذلك ضمَّه الفصل الثاني الذي أجاب عن سؤال: ما هي الأُنوثة السّاردة؟
تبدو المقدِّمات النَّظرية مهمة للدخول إلى متون النُّصوص الروائية بحثاً عن حضور الأُنوثة السّاردة في تمثيلاتها وهي تمسك زمام التحكُّم لتسريد جملة من الموضوعات Themes والمدارات Topics التي تلهث بها الذات الأُنثوية كمركَّب وجودي، وكباعث مصيري وهي تعيش صراعها الأبدي مع الجسد والنَّشوة، مع السُّلطة الذكورية المزاحمة بكل صورها القامعة وفي الوقت ذاته المرغوب بها، إلى جانب صراعها مع شتى صنوف نزقها الأُنثوي الذي تجرِّبهُ بحثاً عن متعها ولذاتها وتأكيدات موجوديتها الأُنثوية، ومن ثمَّ خلاصها. وكل ذلك ضمَّته فصول الكتاب الخمسة، بعد الفصلين الأول والثاني؛ الفصول التي درستُ فيها كرنفال الجسد، ودروب النَّشوة أو الهوى، وصورة الأب المتخيَّلة، والقهر الذكوري، وأيضاً صورة المرأة خارج وطنها.
لقد جادت المخيَّلة الأُنثوية الخليجية، يقول المؤلف: بالمزيد quot;مما كنتُ أبحث عنه وأنا أقرأ متونها السَّردية، بل وجدتُ في تمثيلاتها الروائية المتخيَّلة متسعاً من الوفرة المعطاء التي تُمكِّن الباحث من مدِّ العلاقة بين المنهج والتطبيق إلى تخوم قرائية جديدة، تخوم منتجة تتجاوز المتكرِّر الممل والمعتاد الباهت صوب المختلف الخلاقquot;.
وبمناسبة الحديث عن المنهج، توسَّل المؤلف quot;المنهج السِّيميائيquot; بمختلف أشكاله الممكنة في الكثير مما عمل على تحليله من نصوص روائية مقروءة في فصول هذا الكتاب، لكنه أيضاً استعان بعدد من مناهج العلوم الإنسانية الأخرى في تحليل الظاهرة الإبداعية مثل منهج التحليل النَّفسي ومنهج دراسة الشَّخصية، وغير ذلك من المناهج التحليلية الأخرى التي تدعم تحليل الطبقات السَّطحية والعميقة في النُّصوص الإبداعية .
يبدو أن كتاب quot;الأُنوثة السّاردة/ قراءات سيميائيَّة في الرواية الخليجيةquot; إضافة نوعية في دراسة الكتابات الأُنثوية المتخيَّلة ليس الخليجية منها فقط، بل والعربية أيضاً بغية فتح تحليل النُّصوص الإبداعية المتخيَّلة على شواطئ قرائية جديدة تثري المشهد الإبداعي العربي بما يرجوه المبدعون أنفسهم ناهيك عن النقّاد أو القرّاء الفطنون؛ قرّاء دلالات النَّص على نحو سيميائيٍّ أو علاماتي.






.jpg)
.jpg)


.jpg)



التعليقات