رغم كثرة القنوات الفضائية العراقية وانشطار العديد منها إلى قنوات أخرى وثائقية ودرامية ودينية، إلا أن أحدًا لم يفكر في إنشاء قناة فضائية خاصة بالأطفال، رغم نداءات عديدة يطلقها المهتمون بثقافة وأدب وفنون الطفل، لكن لطالما تذهب أدراج رياح التغاضي والإهمال.
عبد الجبار العتابي من بغداد: أكد عدد من المتخصصين بثقافة الطفل العراقي استغرابهم من تجاهل الحكومة والمؤسسة الثقافية إنشاء محطة فضائية خاصة بالأطفال، تقيهم السموم التي تبثها القنوات الأخرى، وتقدم إليهم ما يمنحهم المتعة والفائدة، من خلال مجموعة من الخبراء الذين يرسمون السياسات والفلسفة الاستراتيجية التي تؤسس لثقافة الطفل.
فيما شدد هؤلاء على ضرورة أن تدار هذه الفضائية من قبل أشخاص نزيهين، على الرغم من أن البعض يجزم أن القناة إذا ما تأسست، فلن تكون إدارتها بأيدٍ كفوءة، لأن الرجل المناسب لها سيكون بعيدًا عنها، هؤلاء المتخصصون يشيرون إلى أن حلم إنشاء قناة حقيقية ورصينة للأطفال يعدّ في حكم المستحيل، علمًا أن شبكة الإعلام العراقية (شبه الحكومية) أنشأت قنوات عدة مختلفة التسميات، ولكن .. لا قيمة لها.
مهدي: عجز في الميزانية
أكد الكاتب المتخصص في ثقافة الأطفال الدكتور شفيق مهدي على ضرورة ذلك، مبررًا غياب تلك القنوات بعدم وجود أموال عند الدولة لإنشائها. وقال: أنا أسمع عن ذلك منذ فترة طويلة، ربما منذ أكثر من أربع سنوات، وهذا شيء ضروري جدًا، لأن الفضائيات الآن تقدم أشياء تخرّب عقل الطفل، فبتنا نسمع من أحفادنا كلامًا للمخاطبة مثل: quot;يا أيها الغبيquot;، وهذه المفردات يتلقفونها من الفضائيات. تابع quot;أنا أتمنى أن تؤسس مثل هذه الفضائية، ولكن يبدو أن الحكومة ليس لديها المال، ونحن نسمع دائمًا أن هناك عجزًا في الميزانية، رغم أنني أعلم أن لدينا ميزانية انفجاريةquot;.
وأضاف: لا أعرف السر الحقيقي وراء تجاهل الأطفال هكذا، ومن الممكن أن تسأل مسؤولًا كبيرًا لتعرف منه الأسباب الحقيقية الكامنة وراء عدم إنشاء قناة للأطفال، هذا إن استطعت أن تقابله، فأنا شخصيًا لا أستطيع مقابلة المسؤولين.
خزعل: جهل القائمين على ميدان الثقافة
أما الشاعر والباحث في ثقافة الطفل جليل خزعل، فقد أشار إلى أن وجود مثل هذهالقناة أفضل بكثير من وجود القنوات الأخرى. وقال: quot;أطفالنا في أمسّ الحاجة إلى قناة خاصة، تقيهم سموم ما تبثه القنوات الأخرى، شريطة أن تدار هذه القناة من قبل أشخاص مهنيين يتصفون بالنزاهة، والخبرة الطويلة في مجال ثقافة الطفل، يمنحون حرية إنتاج، واختيار ما تبثه هذه القناة من دون تدخل من أطراف حزبية أو دينية، وإلّا فستكون النتائج معكوسة.
أضاف: quot;وجود قناة فضائية خاصة بالطفولة أهم برأيي من الكثير من القنوات الرسمية المرتبطة بالوزارات، أو مجالس المحافظات، التي لا أرى لها تأثيرًا أو جدوى، ولا تحظى بالمتابعة من قبل الفئات، التي يفترض أن تكون موجّهة إليهم. وكل ما تقوم به هو الدعاية الساذجة للقائمين عليها من وزراء ومسؤولينquot;.
وتابع: الحكومة غافلة عن الطفل بشكل لا يصدق، فأطفالنا لا يحظون بحصة معقولة من الخدمات الثقافية والترفيهية، الأمر الذي جعلهم يستقبلون كل ما يرد إليهم من الآخر المتمكن من إنتاج وبث البرامج، التي غالبًا ما يمرر من خلالها كل ما يريد من رسائل - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - وهذه الرسائل عادة ما يكون لها تأثير ضار على هوية طفولتنا الوطنية، ويجعلهم يرتبطون بنماذج لا تمت إليهم بصلة من حيث السلوك والعادات.
يسترسل خزعل قائلًا: quot;وأعتقد أن آفة الفساد الإداري، وجهل أصحاب القرار والقائمين على ميدان الثقافة، ومنه ثقافة الطفل، حرما أطفالنا من وجود قناة وطنية توحدهم على اختلاف ألوانهم، مثلما كانت تفعل البرامج المحلية الناجحة، مثل برنامج quot;سينما الصغارquot;، الذي كانت تعده وتقدمه الزميلة نسرين جورج، وبرنامج quot;إفتح يا سمسمquot;، الذي أشرف عليه الفنان الكبير فيصل الياسري، وquot;المرسم الصغيرquot; لخالد جبر، وبرنامج quot;بساط الريحquot;، الذي كنّا نعدّه ويخرجه الفنان ضرغام فاضل، وكذلك الأغاني الجميلة، التي كتبنا كلماتها، ولحنها الفنان الراحل حسين قدوري ونجم عبد الله، وأدّتها الأصوات الطفولية العراقية الرائعة، مثل إلهام أحمد، وبلقيس فالح، وحنان، وعلاء سعد، والكثير من الأصوات الجميلة الأخرى، التي ارتبطت في وجدان طفولتنا.
ياسر: تحتاج وقتًا وتمويلًا
فيما أوضح الفنان عبد الرحيم ياسر أن قناة كتلك تحتاج مسؤولين يفكرون بأهمية هذه المشاريع. وقال: نحن نحتاج محطة فضائية للأطفال، وبحاجة إلى استثمار عالي المستوى في هذه القناة، لأن تكلفة المواد الموجّهة إلى الطفل عالية جدًا وباهظة، وتحتاج إدارة تستوعب هذا، وأن لا تكون المحطة الفضائية رقمًا مثل محطات أخرى، لكن يجب أن تكون قادرة على أن تنافس محطات الأطفال الأخرى، وإلا فلا يمكن لمحطة فضائية أن تكون مؤثرة وفعّالة بوجود محطات فضائية أخرى. يجب أن تكون منافسة وقوية وقادرة على أن تجذب الأطفال العراقيين، وتكون مؤسسة على ثقافة محددة، بمعنى أن ترسم مجموعة من الخبراء الثقافة المطلوبة للطفل العراقي والعربي.
أضاف: الآن هناك فكرة لتأسيس هيئة للأطفال، تكون فيها مجموعة من الخبراء، التي ترسم السياسات والفلسفة الاستراتيجية، التي تؤسس لهذه الثقافة، ولكن هذا يحتاج وقتًا وتمويلًا، عسى أن يكون المستقبل أفضل، وعسى أن يهتم المسؤولون والسياسيون ويفكرون بأهمية مثل هذه المشاريع، لأنها تؤسس لدولة حديثة، إن كنا نريد دولة حديثة في المستقبل.
الحجار: الاهتمام الرسمي غائب
من جانبه، أكد الرسام ضياء الحجار أن سر عدم إنشاء قناة للأطفال يكمن في عدم الاهتمام الرسمي بقطاع الطفولة. وقال: هذا يحتاج دعمًا يتجاوز قدرات الأفراد. أما الحكومة فغير منصرفة إلى هذا الموضوع. كان من المفروض أن تقوم بدعم مجلة quot;مجلتيquot; أولًا، ليس هنالك اهتمام بالطفولة، وأنا أجزم لك أن ليس هناك أي اهتمام بالأطفال، وأن الامور مقتصرة في ما يخصهم على المجالات الرسمية، كالمدارس.
وشدد على أن quot;السر يكمن في عدم الاهتمام الرسمي بقطاع الطفولة، هذا ما أقوله أنا وأؤكد عليه، فمن غير الممكن أن نترك الأمور للقنوات الغربية، التي تتسرّب من خلال برامجها الموجّهة إلى الأطفال مفاهيم خاطئة، تعزز العنف والإحساس بالفوارق بين طوائف الشعب ومكوناته، وعلى أقل تقدير تخلق هذا النموذج الفردي الأناني، حيث البطولة الفردية والعمل الفردي والتشنج والعصبية والبطولات الخارقة الفارغة. نحن بحاجة إلى قناة فضائية تعمل وفق برامج علمية مدروسة، وليست متروكة لأنصاف الأمّيين وعديمي الثقافة، بل أن تكون هناك كوادر تربوية وعلماء نفس، أنا أتمنى... ولكن أين الذين يسمعون!.
كريم: الجيوب أولًا
الفنان عزيز كريم، الذي أمضىغالبية سنوات حياته في مضمار برامج الأطفال، قال: منذ وقت طويل وأنا أنادي بضرورة إنشاء قناة عراقية خاصة بالأطفال، ولكن بلا فائدة، ولا أحد يسمع، وفي كل مرة أجدد الدعوة، لأن أطفالنا بحاجة إلى من يخدمهم، ويقدم إليهم الأشياء الجميلة والممتعة والمفيدة. وقبل مدة، قدمت طلبًا إلى رئيس الوزراء، تبنته إحدى الشخصيات السياسية، ويقال إنه رماه على المنضدة، وحتى الآن لا شيء!. كما التقيت بالسيد إبراهيم الجعفري، الذي رحّب بالفكرة، لكن يبدو أن انشغالاته منعته من تفعيل الفكرة، رغم أنه كان متفائلًا، كما قدمت الفكرة إلى المدير العام لشبكة الإعلام العراقي، الذي قال quot;لاquot;.
أضاف: السبب هو أن المسؤولين والقائمين على الفضائيات لا علاقة لهم بالأطفال، أو هم بالنسبة إليهم شيء ثانوي أو يعتبرونهم quot;كومبارس في الحياةquot;، فهؤلاء لا ينظرون إلا إلى جيوبهم أولًا، فيملأونها وكل واحد منهم يقول: quot;إنني يوم أو يومين وطالع، فخليني أملأ جيوبي، الأطفال شنو؟؟quot;.
سلمان: لا أشجّع!
إلى ذلك، شدد الفنان هاشم سلمان، سفير الطفولة العراقية، على عدم تأييده إنشاء قناة خاصة للأطفال، لأن الرجل المناسب لها سيكون أبعد ما يكون عنها. وقال: أنا أشجّع الحكومة على أن لا تؤسّس قناة للأطفال، لأن الذين سيستحوذون عليها أناس لا علاقة لهم بالطفل مطلقًا، هل تعرف معنى أن تكون لهم علاقة بالطفل؟. فثقافة الطفل والتعامل معه ليس حساب quot;واحد زائد واحد يساوي اثنينquot;، بل أن تعرف ما للطفل وما عليه، وهذه هي المهنية.
وتابع: quot;لا أعتقد أن لدى المسؤولين مزاجًا للأطفال، لكي يؤسسوا شيئًا مهمًا للطفولة، كما إنني غير مستعد للعمل في مثل هكذا قناة يستحوذ عليها من لا علاقة له بالطفل، ومن ثم يبدأ بتدمير عقل الطفلquot;.
أضاف: أنا أعتقد أن هذه القناة، إذا ما افتتحت، فسوف تفشل، لأن الإدارة ستكون غير معنية بالطفولة، وسوف تذهب في اتجاهات أخرى، وهنا ستكون الجريمة، التي نرتكبها، جريمتين، الأولى: افتتاح قناة فاشلة، والثانية: تسليم إدارتها لأناس غير مهنيين.









.jpg)




التعليقات