: آخر تحديث

كيف يكرمون الثقافة والفن... ونحن؟

 
لو تجولنا في شوارع باريس وركبنا المترو او الباص او الترام، فسوف نقرأ من حين الى حين أسماء شخصيات فرنسية مهمة، هي عدا السياسية والعسكرية، أسماء شعراء وكتاب ومغنيين وفنانين آخرين. هنا محطة باسم المغني جورج برازانس وهنا ساحة الشاعر فيرلين وهنا محطة مترو الروائي اناتول فرانس، وشارع ستاندال ومؤخراً اقيم احتفالان مهيبان، شعبيان ورسميان، احدهما للكاتب والمؤلف جان دارمون والثاني لمغني الروك جوني هوليداي. في الاحتفال الأول اشترك عدا رئيس الجمهورية، ثلاثة رؤساء سابقين، وألقى الرئيس ماكرون كلمة غنية بالدلالات، استشهد فيها بأدباء أمثال اندريه جيد، مؤلف رواية (السيمفونية الريفية) وفي ختام التأبين وضع على نعش الفقيد قلما ليرمز لعطاء الكتابة وغناها. أما الاحتفال الثاني بجوني هوليداي، الذي تم برعاية الرئيس الفرنسي، فقد شارك فيه مئات الآلاف، يتصدرهم مغنون وموسيقاريون ومؤلفون وساسة. وتحدث الرئيس عن موسيقى الروك وغيرها.
في الماضي عندنا في العراق الحديث، كان ثمة حدّ مقبول من تكريم الآدب والفن، فهذه ساحة الشاعر الرصافي وتمثاله وهذا مقهى الزهاوي، وهنا شارع المتنبي، وذاك شارع ابي نؤاس وتمثال باسمه. وهنا ساحة وجدارية جواد سليم . ودارت الأيام والمواسم فإذا بعدة هجمات على مقر اتحاد الأدباء العراقيين، وصدرت فتاوى باعتبار التماثيل حراماً شرعاً، وهوجمت جدارية جواد سليم، رمز ثورة 14 تموز، وباتت المغنية عفيفة اسكندر شبه جائعة ودون اكتراث شعبي او رسمي، وصدرت عن بعض كبار المسؤولين تصريحات تحرض ضد كل مثقف علماني بحجة ان العلمانية عدوة الدين، وهو ادعاء باطل. وبدلاً من أغاني أمس للقبنجي وسليمة مراد وعفيفة وزهور حسين وناظم الغزالي وإخوانه، وبدلاً من موسيقى الشريف محي الدين وسلمان شكر والأخويين منير، هيمنت موسيقى الطبول والسلاسل واللطم والبكاء . كان العراق بلد المغنيين والموسيقاريين مثلما كان بلد المتدينين وقراء القران ومراسيم عاشوراء. تغيرت الأوضاع وتراجع العراق بقفزات الى وراء، وساد الاجتثاث وغزانا وحوش داعش. ومن يقلدهم في القتل والذبح. ولحد ألان لم يحاسب احد من المسؤولين عن تسليم ثلث العراق الى داعش...
وبالعودة لموضوع التكريم، ترى هل حرم العراق الحديث من النوابغ؟؟؟؟ أين تكريم علي الوردي، والجواهري والسياب ونازك الملائكة وديزي الامير، وذي النون ايوب، وجعفر الخليلي وغائب فرمان وسركون بولص ويوسف سعيد وعبد الجبار عبد الله ونزيهة الدليمي وصبيحة داود وأمينه الرحال وغير هؤلاء وهؤلاء من رموز الأدب والفن وحقوق المرأة؟؟؟؟ هل نسى العراقيون أغاني (خدري الشاي) و(للناصرية) و(على شواطي دجلة مرّ) و(فوك النخل) والابوذيات و(طلعت من بيت أبوها) و(لا خبر لا جفية) ومقامات القبنجي واخرين؟؟؟؟؟
هل نسينا عطاء المفكر علي الوردي ومدرسته؟؟؟ والجواهري الذي كان يغني(يادجلة الخير) وآهِ و آه، فدجلة نفسها عانت ما عانت في الحقب الأخيرة. وفي كردستان لدينا الشاعران كورا ن وبي كس، ولا ادري ان كانت باسم كل منهما ساحة او شارع في مدن كردستان؟؟؟ 
عراق اليوم لم ينصف من خدموا العراق ورفعوا أعلامه، بدءاً بالساسة البارزين، كعبد الكريم قاسم وابو التمن وحسين الرضي ويوسف سلمان وعبد الفتاح إبراهيم ورضا الشبيبي وأمثالهم، مروراً بنوابغ الفكر والتعليم والموسيقى والشعر والغناء ومختلف فروع الأدب.. 
ان العراق بحاجة الى نهضة تعليمية ونهضة ثقافية تنويرية، ولا تكفي محاربة الإرهاب الجهادي بالقوة وحدها، بل لابد أيضا من اجتثاث الأفكار الرديئة وتنوير المواطنين والانفتاح على العالم.

 


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. سبق السيف العذل!!
ابن الرافدين - GMT الثلاثاء 16 يناير 2018 10:10
(ان العراق بحاجة الى نهضة تعليمية ونهضة ثقافية تنويرية، ولا تكفي محاربة الإرهاب الجهادي بالقوة وحدها، بل لابد أيضا من اجتثاث الأفكار الرديئة وتنوير المواطنين والانفتاح على العالم) - وكيف يتم ذلك ؟؟ إذا كان من هو في رأس السلطة انسان مُتخلف ويعيش بيولوجياً في القرن الواحد والعشرين ودماغه وعقله في القرن العاشر الميلادي !! من هو وزير التربية ؟؟ وما هي الخلفية الثقافية التي يحتويها ؟؟ خريجين حسينيات !! لقد كانت للعراق فرصة تاريخية كبيرة في خمسينيات القرن الماضي حينها بدأت ثمار هذه الفرصة بالنضوج وبدأت معالم المجتمع المدني في العراق تتشكل ولكن صبيانية الحركات اليسارية والقومية هو من قاد العراق على ما عليه اليوم.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.