: آخر تحديث

كتاب أمريكا اللاتينية في مقابلات تلفزيونية.

عن دار "ممدوح عدوان للنشر والتوزيع"، صدر كتاب بعنوان  :"دردشة معلنة". وهو يحتوي على حوارات أجرتها قنوات تلفزيونية مختلفة مع أشهر أدباء أمريكا اللاتينية  في القرن  العشرين  من أمثال خورخي لويس بورخيس، وغابريال غارسيا ماركيز، وبابلو نيرودا، وخوان  رولفو، وخوليو كورتازار... وقد قامت بنقل  هذه الحوارات إلى اللغة العربية أمل فارس ...
ومن المقابلات الطريفة  في هذا  الكتاب، تلك التي أجراها غابريال غارسيا ماركيز مع  الشاعر  الشيلي  الكبير بابلو نيرودا   في عام 1971. وكان آنذاك سفيرا لبلاده في باريس.  والواضح أن  نيرودا وطد علاقته  بغابريال غارسيا ماركيز بعد أن قرأ  رائعته "مائة سنة من العزلة" التي صدرت  في أواخر الستينات  من القرن الماضي. وما يلفت الإنتباه  في هذه المقابلة هو أن نيرودا قارئ نهم للرواية. وهو يعشق الروايات البوليسية بالخصوص، ويحب أن يقرأها خلال أسفاره في القطارات، معتبرا الرواية "وجبة دسمة".  لذا يقبل  الناس على قراءتها بكثرة.   وهو يقول :"شخصيا، أشعر بالغيرة تجاه تجاه الروائيين بشكل عام، لامتلاكهم تلك الخاصية في التحكم السردي المذهل، والقدرة على على رواية القصص، وهذا بالضبط  ما أهمل في الشعر بعد أن كان منبعا له في وقت من الأوقات". ويعتقد نيرودا أنه إذا  ما كان هناك كاتب  يجمع في أسلوبه بين التحقيق والاختزال، بين الوقائع الحية والخيال، فهو غابريال غارسيا ماركيز.
ويعترف نبرودا أنه حاول في أكثر من مرة أن يُدمج  السرد في قصائده مثلما كان يفعل الشعراء  الملحميون  في العصور القديمة. وهو يرى أنه نجح في ذلك رغم أن أغلب شعراء  عصره  لم يخوضوا مثل تلك  التجربة. ومُعرّفا  الشعر يقول نيرودا :"الشعر  فعل رائع وجميل، وهو مزيج من الحب والأفعال  الناتجة عنه".ويشير نيرودا إلى أنه يميل إلى  الشعر "المتدفق الذي  يخوض في مجالات أوسع.
وفي المقابلة التي أجرتها معه قناة RT الكولومبية  عام 1976، تحدث  ماركيز  عن بداياته. فقد  غادر قريته الصغيرة  الفقيرة التي تعلم فيها فن الحكي  من خلال جده  وجدته اللذين  لم يكونا يكفان عن رواية الحكايات البديعة، للحصول على منحة دراسية في العاصمة بوغوتا. وكان ذلك في عام 1943. وكانت السفرة بالقطار عسيرة ومُجْهدة  للغاية. وعند وصوله أدهشته  بوغوتا التي وجدها في الظهيرة "شاحبة ومغطاة بالرماد". وكانت الأمطار تتهاطل بغزارة. وفي  الفندق البائس الذي فيه أقام، كتب قصة بعنوان " عطلة نهاية الأسبوع"، ثم أرسلها إلى جريدة" الايسبيكتاذور" التي سارعت بنشرها.  وفي ما بعد  سيصبح ماركيز مراسلا  لهذه الجريدة انطلاقا من أوروبا.
وفي المقابلة يتحدث ماركيز عن أيام الفقر  التي عاشها مع عائلته  في بلدان مختلفة قبل أن يحصل على شهرة عالمية واسعة بفضل "مائة سنة من العزلة". وعلى الذين يتهمونه بالتنكر لوطنه، وتفضيله العيش  في بلدان أخرى، أشار ماركيز إلى أنه  لم يشعر أبدا بالراحة إلاّ في كولومبيا. وأضاف قائلا بأن  المحبة التي يظهرها الناس له في بلاده لا يمكن أن يجدها في أي مكان آخر من العالم.وفي أكثر من مرة ، أكرمه أصحاب المطاعم، رافضين أن يدفع فاتورة الطعام. كما أن سواق التاكسبات يحملونه  مجانا...
وفي المقابلة التلفزيونية  التي أجريت معه عام 1977، تحدث  الكاتب المكسيكي  الكبير خاون رولفو صاحب رائعة :" بادرو باراما" عن  قرية "بولكو" الصغيرة التي أمضى فيها طفولته،والتي  لم يعد يتذكر منها سوى الجسر على النهر، والكنيسة  التي بناها جده. وعندما قامت ثورة "الكريستيروس"   المناهضة للعلمانية، والتي تزعمها الكاثوليكيون المتزمتون،  انتقلت  عائلة خوان رولفو للعيش في المدينة بعد أن فقدت كل ما تملك. وهو يشير إلى أن النساء كنّ مُتحَمّسات  لتلك الثورة أكثر من الرجال. لذا كن يتهمن كل من لا يساهم فيها برفع السلاح في وجه  المناهضين لها بالجبن، وبانعدام الرجولة. وقد تخللت تلك الثورة أعمال عنف ونهب رهيبة. وربما تكون تلك الثورة هي التي أوحت لها  في ما بعد بكتابة " بادرو باراما" التي تكثر فيها أشباح العائدين من العالم الآخر لتروي  ما عاشته من محن في الحياة الدنيا. وهو يعترف أن  روايته اليتيمة هذه كانت" صعبة ومعقدة".
ويشير  الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار  أنه عشق القراءة مبكرا إلى درجة أنه يكن باستطاعته الكف عنها. وبسبب ذلك، أصيب بمرض ونصح الأطباء والدته بمنعه من القراءة.  وتلك الفترة التي أمضاها محروما من الكتب، كانت فترة مريرة وقاسية.  وكان في التاسعة من عمره لما كتب أول رواية يموت جميع أبطالها في النهاية. كما أنه كتب أشعارا رومانسية وحزينة للغاية. وقال  خوليو كورتاثار بإن أحب الشعراء  لديه  هو الشاعر الاسباني فريديريكو غارسيا لوركا  الذي  كتب يقول :" لست أحد...أنا مجرد نبض جريح أستشعر الأشياء بشكل مختلف". ويضيف كورتاثر قائلا بأن الشاعر لا يكتفي   بالمعنى الظاهر للأشياء،  بل يبحث عن المعنى الآخر الباطن لها، وأحيانا يجده، ومرات أخرى لا يفلح في ذلك. وحده لوركا كان ينجح في  التوصل إليه.
وفي  المقابلة التي أجرتها  معه قناة" سانغري لاتينا"،  سخر ادواردو غالينانو من الفنانين والكتاب "المتغطرسين والمتكبرين" الذين يظنون أنهم وجدوا ل"إنقاذ الآخرين" من تعاسة الحياة.  كما يظنون أن الله خصهم وحدهم بموهبة الابداع.  وهو يعتقد أن التواضع هو أفضل ما يمكن أن يتحلى به المبدع  الأصيل  الذي يساعدنا بحسب رأيه على "اكتشاف عظمة الأشياء الصغيرة المتوارية عنا"، ويقودنا إلى "ادانة العظمة الزائفة في الأشياء الكبيرة وسط عالم لا يملك  القدرة على التمييز بين مفهومي العظمة والضخامة".
ويعتقد الكاتب البرازيلي باولو كويلو أن مواقع  التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك والتويتر  ستكون منصة للكتابة الأدبية في المستقبل موفرة  الدقة والاختصار في الكتابة. وأشار كويلو إلى أنه زار العاصمة  اللبنانية بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية. وما أدهشه هو أن أهلها متشبثون  بالبقاء  فيها رغم الدمار الذي لحقها على مدى سنوات طويلة جراء  الاقتتال بين الأخوة الأعداء.  وقد قالوا له:" كلما دمرت –أي بيروت- سنعيد بناءها من جديد لأنها مدينتنا التي لن نغادرها أبدا".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات