: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

انتصر جنوب السودان في أطول حرب... وخسر السلام

يقدم بيتر مارتيل قصص جنوب السودان، الذي خاض معركة الاستقلال سنوات طويلة، وعندما انتصر فيها، خسر السلام، خصوصًا غزوات تجار الرقيق السلاحين، الذين نزلوا إلى نهر النيل من الشمال لجمع عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال لبيعهم في أسواق الشرق الأوسط.
 
 إيلاف من بيروت: في أوائل كتاب "أولًا دقّ ناقوس الخطر: كيف انتصر جنوب السودان في أطول حرب وخسر السلام" First Raise a Flag: How South Sudan Won the Longest War but Lost the Peace الممتع والدقيق والمهم عن مأساة الدولة الأحدث سنًا في العالم، يستكشف بيتر مارتيل، المراسل السابق لهيئة الإذاعة البريطانية، القصص التي أخبرها سكان جنوب السودان بعضهم إلى بعض عن تراثهم المشترك.

تم تناقل هذه "الحكايات حول الموقد" عبر الأجيال: قصص عن الحرب والعبودية والعنف والتحدي والتمرد كانت مفيدة في إعطاء المجتمعات المتنوعة بشكل كبير في جنوب السودان، ما يشبه الهوية المشتركة. وقبل اي شيء، عزّزت شعور السودانيين بأنهم ضحايا منذ فترة طويلة.
 
معاناة تاريخية
إنّ فكرة أن تلمس معاناة تاريخية في قلب هذه القصص أمر مبرّر تمامًا. تغطي الفصول الأولى من الكتاب غزوات تجار الرقيق المدججين بالسلاح والمنظمين الذين نزلوا إلى نهر النيل من الشمال في القرن التاسع عشر لجمع عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال لبيعهم في أسواق الشرق الأوسط.

تبع ذلك الإهمال المؤذي الصادر من المديرين البريطانيين الذين تسبّبوا عن قصد بتراجع نمو جنوب السودان. وعندما غادر الإمبرياليون في عام 1956، تم استبدال حكمهم بحكم نخبة سياسية في الخرطوم أظهرت وحشية نظامية، واستبدادًا وتمييزًا، بغض النظر عن توجهها الأيديولوجي.

كذلك، ففكرة أنّ الكثير من أولئك الذين يعيشون في الأراضي الواقعة وراء السدود والمستنقعات الواسعة التي تفصل الجزء العلوي من نهر النيل وتقسم بين الجنوب السوداني المسيحي و"الأفريقي" بمعظمه والشمال السوداني المسلم والعربي بغالبيته، قد يرغبون في الاستقلال بعد هذه المعاملة المروعة من قبل الآخرين، أمر مفهوم تمامًا.

كانت التضحيات التي بذلت لتحقيق هذا الهدف ضخمة: مات ما يصل إلى ثلاثة ملايين شخص في الحروب المتتالية التي خاضها السودانيون الجنوبيون ضد الخرطوم بين عامي 1956 و2005، إلى أن تمّ أخيرًا إبرام اتفاق سلام.

لا اهتمام
على الرغم من أنّ مجموعة كبيرة من اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين - أثيوبيا وأوغندا وإريتريا وليبيا وكوبا وإسرائيل والاتحاد السوفياتي – استغلت الصراع بسخرية مدهشة، فبالكاد قامت وسائل الإعلام الغربية أو صناع السياسة أو العاملون في المجال الإنساني بإعارة أي اهتمام متواصل لإحدى أطول الحروب في أفريقيا. وعندما ظهر اهتمام من هذا النوع في نهاية المطاف، كان الإيمان والتفاؤل الأعمى قد أصبح أكثر وضوحًا من الاعتبارات العميقة لكيفية تحقيق نتائج ناجحة للملايين من الناس الذين كان ينبغي أن تكون حياتهم هي الأكثر أهمية.

في عام 2011، وبدعم حماسي من الولايات المتحدة وبصفة خاصة، جماعات الضغط المسيحية المحافظة والأميركية الأفريقية (وجورج كلوني)، نال جنوب السودان حريّته في النهاية.

كان مارتيل، مراسل "بي بي سي" في جوبا عاصمة البلاد الجديدة، موجودًا هناك ليشهد التفاؤل والفرح في استقبال الاستقلال. خبرته المكتسبة على مدى سنوات من العيش في البلد وتقديم التقارير عنه، لا تقدّر بثمن ، وتغيب بشكل ملحوظ عن عدد من الكتب الأخرى.

أفراح قليلة
هكذا يتم المزج بين الرواية التاريخية والتحليل الدقيق، والمقابلات مع الأفراد المختارين لتمثيل القصة الأوسع. كلّ منهم يرسم صورة جديدة. والجدير بالذكر أنّ مارتيل مستمع متعاطف وحساس وكتابته قوية ومؤثرة. نسمع أصوات أولئك الذين قاتلوا وهربوا وناضلوا وأملوا وتعذّبوا.

نرى القليل من الأفراح والكثير من الأكراه. يصف مارتيل بعناية ما حدث لجنوب السودان منذ عام 2011: مأساة. يمكن إلقاء اللوم على كثيرين، لكن أبرزهم قادة البلد الجديد القابلين للرشوة والفاسدين والوحشيين.

فهؤلاء سرعان ما بدأوا بالنهب المنهجي لمليارات الدولارات من عائدات النفط، ثم أطلقوا رجالًا مسلحين على المدنيين للاغتصاب والتشويه والحرق والتعذيب والقتل على نطاق هائل. مات ما يقرب من 400000 نسمة في حرب أهلية، والتي حتى لو تمّ تعليقها في الوقت الحالي بهدنة غير مستقرة، لا تزال تهدد بأن تصبح إبادة جماعية. هذه حصيلة قتلى تنافس تلك التي في سوريا. وقد فرّ الملايين، والمجاعة والكوليرا تتسبّبان بالموت يوميًا، والبلد في حالة خراب.

في بيبور، في شرق جنوب السودان، لوحظ في العام الماضي انتشار بؤس عميق لم يشهد أحد مثله خلال 20 عامًا من العمل في هذه الأماكن. أثبت المجتمع الدولي، بكل خبراته وحَفَظَة السلام والعاملين في المجال الإنساني والخطب الرفيعة، أنّه عاجز بشكل فريد عن وقف الفظائع المتزايدة.

قصص تكررت
لا يتوانى مارتيل عن ذكر التفاصيل، لكنّه يشرح بعناية سبب حدوث ذلك. إن قصّة الانقسامات داخل صفوف قوات التمرد قبل الاستقلال مفيد بشكل خاص ويتمادى في تفسير رعب اليوم. شهدت التسعينيات عنفًا مميتًا على أسس عرقية، مع ما يترتب على ذلك من مجاعة ونزوح جماعي.

يتساءل مارتيل بحقٍّ لماذا قد يفكّر أي شخص يساعد على إنشاء جنوب السودان، أنه سيكون هناك أي تحسّن بمجرد إزالة العدو المشترك للخرطوم.

لا سبب للتفاؤل، مع أنّ مارتيل يبذل قصارى جهده. وتظهر في بداية الكتاب مراجع السرد: الحكايات حول الموقد، روايات الشهود والضحايا، النشرات المبسطة التي يبثها المؤلف في رسائله لهيئة الإذاعة البريطانية، وبروباغندا الأنظمة ومجموعات الحملات، وأكاذيب القادة الفاسدين.

يكتب أنّ القصص التي حدثت من فترة طويلة تكرّرت وتعزّزت بجولات جديدة من العنف. في الثقافة الشفهية، لا يتم ذكر التواريخ الدقيقة. وتمّ تحريف التاريخ كسرد خطي منطقي، لأنّ القصص حيّة بقدر ما كانت عليه في السابق. هذه ليست تواريخ جافة ومملة للكتب المدرسية المتلاشية، بل هي الحوادث التي صاغت الحياة وتمّ دمجها في التاريخ بالدم".
 
 
أعدّت إيلاف هذا التقرير عن "غارديان". الأصل منشور على الرابط:
https://www.theguardian.com/books/2018/nov/04/first-raise-a-flag-peter-martell-book-review-south-sudan
 
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات