تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث

معجزة سبينوزا

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

خلال السنوات القليلة الماضية، صدرت في فرنسا عن دور نشر كبيرة،  كتب كثيرة عن باروخ  سبينوزا(1632-1677)، وعن فلسفته ، إلا أن كتاب فيليب لونوار الصادر هذا العام عن دار "فايّار" تحت عنوان:" معجزة سبينوزا" صُنف من ضمن أفضل الكتب مبيعا. كما صنف  من قبل النقاد كواحد من أفضل الكتب المحيطة بفلسفة سبينوزا الذي  لا يزال يعتبر الى حد هذه الساعة مرجعا أساسيا في مجال الفلسفة، شأنه في ذلك شأن "آباء الفلسفة"، أي فلاسفة  الاغريق. ولعل الانتشار الهائل الذي حظي به هذا الكتاب لدى القراء، وأحبّاء  الفلسفة، هو أن المؤلف اختار التبسيط، متمكنا من توضيح أهم الركائز التي تقوم عليها فلسفة سبينوزا الذي كان غالبا ما يلجأ  الى العقيد والغموض خشية مقص الرقابة.  

وكان الألماني هيغل يقول بإنه لا فلسفة من دون سبينوزا. أما نيتشه فكان يعتبرهّ رائد الفلسفة الحديثةّ.  وأقر غوته بأنه أكثر الفلاسفة تأثيرا عليه من الناحية الفكرية. ولقبه الفرنسي  جيل دولوز ب"أمير الفلاسفة".  وبالنسبة لاينشتاين، تمثل فلسفة  سبينوزا مفهوما للعالم أصبح "الفضيلة المشتركة بين الأحياء الذين يسعون إلى بذل جهد روحاني" . وهو أيضا "نموذج"، وب" بطل روحاني عميق". وذات مرة كتب اينشتاين الى فيلي آرون الذي كتب  سيرة سبينوزا يقول :"أنت على حق عندما تقول إن الهوة العميقة التي تفصل سبينوزا عن الديانة اليهودية سحيقة بحيث  لا يمكن القفز عليها. مع ذلك يبدو لي أن طريقة سبينوزا في التفكير ومفهومه للعالم  يهوديان". ومعبرا عن اعجابه بسبينوزا، كتب اينشتاين قصيدة صغيرة فيها يقول:

كم أحب سبينوزا

أحبه أكثر مما تقدر الكلمات أن تبوح به

مع ذلك أخاف أن يظل وحيدا

بصحبة هالته الساطعة !

وكان سبينوزا يقول بإنه "لا يخضع لأي سلطة فلسفية" بما في  ذلك سلطة أفلاطون وأرسطو. ويشهد  المتأثرون به أن قيمته  الحقيقية تعود إلى أن ظهر  في عصر التزمت والفتن الدينية، والاستبداد السياسي ليضيء للناس  طريق الحرية.  وحين يستحضره  الفلاسفة راهنا فلكي يعتمدوا عليه لإثبات قيمة الحرية مجددا في هذه الفترة التي  يشهد فيها العالم بأسره أنواعا مختلفة من التهديد ضد حرية الانسان، وضد حرية الفكر، وضد حرية المعتقد. كما يستحضرونه لأنه  لم يكن مفكرا حرا فقط،وإنما لأنه أيضا حكيم  "يعمل على تغيير نظرتنا لأنفسنا وللعالم لكي نكون أحرارا وسعداء" .

وينتسب باروخ سبينوزا المولود عام 1632 إلى عائلة يهودية تم طردها من اسبانيا عام  1492. وبعد أن أمضت فترة في البرتغال، انتقلت إلى أمستردام لتسقر هناك نهائيا وذلك عام 1632. وكان والده تاجر ثمار مجففة،  وزيت زيتون. وكان يتمتع بثقافة واسعة.  وفي المدرسة تعلم سبينوزا العبرية، والأرامية، وتعمّق  في قراءة الانجيل والتوراة.  كما تعلم اللغة  الإسبانية والبرتغالية والألمانية والايطالية والفرنسية والهولندية .  وستساعده هذه اللغات المتعددة على اكتساب ثقافة واسعة، وعلى قراءة أعمال أدبية وفلسفية في لغاتها الأصلية. وفي عام 1647، حضر سبينوزا جلد ابن عمه الفيلسوف اوريال دو كوستا الذي ولد  يهوديا، ثم اعتنق المسيحية. وفي  عام 1652، شرع في تعلم اللغة اللاتينية وبها سيكتب في ما بعد مؤلفاته.  وفي نفس الوقت أخذ يتردد على دروس المفكر الحر فرانسيكوس فان اندن الذي سيعدمه ملك فرنسا عند غزوه لهولندا عام  1672 بتهمة القيام بأعمال تخريبية. وبمساعدته اطلع على مؤلفات كبار الفلاسفة أمثال  هوبز، وبايكون، وديكارت الذي  ألف عنه أول  كتاب له، وكان بعنوان :"مبادئ  الفلسفة الديكارتية".  وفي عام 1656، وهو يغادر أحد المسارح في قلب أمستردام،  تعرض سبينوزا الى محاولة اغتيال من قبل مجهول حاول أن يطعنه  بخنجر إلا أن الخنجر اخترق المعطف وولم يصل الى الصدر. ولكي يثبت أن التزمت الديني قد يفضي في النهاية الى جنون العنف، والجريمة،  احتفظ بمعطفه المثقوب سنوات طويلة. وفي ما بعد سيعتبر  المتشددين دينيا "برابرة جددا". ومُتّهما  من قبل  رجال الدين بالإلحاد، فصل سبينوزا عن الطائفة  اليهودية  ليعيش  منبوذا طوال حياته. وخوفا من بطش خصومه وأعدائه، ترك أمستردام  ليعيش  متنقلا بين مدن مختلفة، منصرفا الى القراءة  والتأليف، ومكتفيا بمهنة صانع نظارات لتأمين رزقه. وفي هذه الفترة، شرع  في كتابة مؤلفاته الهامة. وأولها كان بعنوان :" رسالة في تهذيب العقل" ،وفيه بحث في طبيعة المعرفة وأنواعها، وفي السبل المناسبة للوصول  الى الفهم الصحيح، ولكل ما يمكن أن يوفر السعادة للإنسان. ولا  يمكن أن يتم ذلك إلا بتخليص  النسان من أوهامه، وأخطائه، ومعتقداته الباطلة والمزيفة، وتطهيره من حب المجد والسلطة والثروة.  وفي هذا الكتاب، أثبت سبينوزا وحدة العقل والطبيعة، مبينا أنه ليس هناك انفصالا بين الروح والجسد، وبين الفكر والمادة، مقوضا بذلك تلك الثنائيات التي سيطرت على فلسفة ديكارت. وفي كتابه الآخر :" رسالة في اللاهوت والسياسة"، أبرز سبينوزا أن الفلسفة والايمان  الديني منفصلان، وأن العقل لا يمكن أن يكون خادما  للدين، ومبررا  للمعتقدات  الدينية.  وعن ذلك كتب يقول :"  الحرية التفلسف لا تهدد مطلقا التقوى الحقيقية، ولا السلام ضمن المجموعة  الانسانية. والغاؤها ، عكس ما يتصور، يؤدي الى انقضاء السلام والتقوى".

وقد حققت مجمل  مؤلفات سبينوزا الفلسفية " ثورة"  في المجال الفلسفي، والسياسي، والديني، والأخلاقي، والسايكولوجي، والأنثروبولوجي إذ أنه اعتمدت على العقل وحده  للوصول الى الحقيقة، ولتوفير السعادة. وهذه "الثروة" كانت تحديا كبيرا لعصر تميز بالفتن والنزعات  الحروب الدينية، محررة الانسان من التقاليد  التي تحرض على التزمت والانغلاق ورفض الآخر سواء دينيا أم سياسيا أم عنصريا


عدد التعليقات 1
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. سعادة سبينوزا وحزنه
جبار ياسين - GMT الخميس 27 ديسمبر 2018 12:36
لعل معجزة سبينوزا باختصار هي في مفهوم الأخلاق الذاتية للفرد وليس الجماعة , كشعب او طائفة او عائلة . فالاخلاق مفهوم وتصور فردي للعالم تحكمه المعرفة . جمع سبينوزا ـ عكس من هم قبله من الفلاسفة ، بين معدن الكائن و روحه في اطار واحد غير منفصل، فالكائن لا يمكن ان يكون الا نفسه .فهو ، الفيلسوف ، مادي ومثالي معا في كينونته و ما ينتج عنها من وعي .السعادة هي هبة المعرفة وبدون المعرفة لاسعادة للأنسان بل هي " سعادة الخس " كما عبر عنها البير كامي .


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات