: آخر تحديث

رحيل الفيلسوف كليمان روسيه صاحب النزعة التراجيدية

 
برحيل كليمان روسيه في الثامن والعشرين من مارس-آذار من العام الحالي عن عمر يناهز 79 سنة، تكون فرنسا قد فقدت واحدا من ألمع فلاسفتها بعد ميشال فوكو، وجيل دولوز، ولوي ألتسير، وجاك دريدا...وعلى جميع الكتب القصيرة والمكثفة التي ألفها، تهيمن ما يسميها هو ب"النزعة التراجيدية" .وهذه النزعة تتيح للإنسان أن يجد متعة في الإرتباط بالواقع،والتأمل فيه حتى ولو كان هذا الواقع مؤلما، وجارحا، ومفزعا. لذلك يرى روسيه أنه يتحتم على الإنسان أن يتخلى عن كل محاولة للتخلص من الواقع،أو إخفائه،أو الهروب منه، بل لا بد من مواجهته لأن النزعة التراجيدية تجعلنا نحب الحياة حتى ولو كانت قاسية،وعنيفة،وبشعة. ويعتقد روسيه أن التراجيدي "يفلت من كل محاولة لتفسيره وتوصيفه"،و"لا يتقيد بأي خطاب". وخلافا لشيوران الذي ظل متمسكا برؤيته التشاؤمية للواقع حتى النهاية، يقول روسيه بإن الواقع يبدو له مصدرا أساسيا للسعادة ولفرحة الحياة. وقد تكون الحياة بلا معنى، ولا جدوى إلاّ أن الإحساس بذلك، لا يمنع الإنسان من التمتع بها. لذلك هو يعود دائما إلى بارمينيدس الذي كتب يقول:” يتوجب علينا أن نقول ما هو موجود،وأن نفكر فيه إذ أن ما هو موجود موجود. وما هو غير موجود، لا وجود له. وعلينا أن نتمعن في هذا الحقيقة ولا نرغم شيءا غير موجود أن يكون موجودا".
 
وكان كليمان روسيه قد تأثر في سنوات شبابه بفلاسفة الإغريق القدماء ،خصوصا بارميندس. كما تأثر بسبينوزا، وهيوم، ومانتين،وباسكال. لكن التأثير الأهم جاءه من كل من نيتشه،ومن شوبنهاور فيلسوف التشاؤم بامتياز. وهو يقول بأنه كان يفكر في البداية أن يكون موسيقارا. ومن فرط افتنانه بالموسيقى، لم يكن ينقطع عن الإستماع إلى السمفونيات الكلاسيكية الشهيرة، منجذبا بالخصوص إلى سمفونيات الفرنسي موريس رافال. التي اكتشف من خلالها "التراجيدي". وفي ما بعد سيقول بأن "الحياة مخطأ من دون موسيقى"، وأن الموسيقى هي كما يقول نيتشه "ليست استعارة الحياة، بل هي شكلها الأرقى، وخلاصتها البديعة".
 
وفي مدرسة المعلمين العليا التي تخرج منها كبار المفكرين والفلاسفة الفرنسيين أمثال سارتر، ورايومن آرون،وميشال فوكو،وسيمون دو بوفوار، تأثر كليمان روسيه بأستاذه لوي ألتسير الذي لم يكن يخفي نزعته الماركيسية. لكن هذا التأثير لم يدفعه إلى التفكير في "تغيير العالم" كما دعا إلى ذلك كارل متاركس، بل إلى انتهاج خطاب مكثف لا تكثر فيه التحاليل الجافة والسطحية.
 
ولا يخفي كليمان روسيه أن تأثر أيضا بالثقافة الإسبانية في سنوات شبابه. لذلك ظل يتردد حتى السنوات الأخيرة من حياته على بيت صغير في جزيرة مايوركا ليسمتع إلى الموسيقى الفولكلورية الإسبانية، وإلى أغاني الغجر في الأندلس التي تعكس الجوانب التراجيدية في الحياة.
 
وفي كتابه"الواقع ووجهه الآخر" الصادر عام 1976، اهتم كليمان روسيه بدراسة الواقع من خلال مسرحية "أوديب" الشهيرة، وأيضا من خلال "البحث عن الزمن تالمفقود" لمارسيل بروست. ومن خلال هذا الكتاب هو أبرز القدرة على قراءة الواقع من دون الإستناد إلى السياسة أو الأخلاق،أو إلى أي شيء آخر. وبذلك، قدم رؤية فلسفية جديدة مختلفة عن كل الرؤى الفكرية والفلسفية التي كانت سائدة في فرنسا في السبعينات من القرن الماضي، مبديا رفضا لما سماه سارتر ب"الإلتزام". كما أنه كتب العديد من النصوص يسخر فيها من الخطاب النقدي والفلسفي لكل من ميشال فوكو، ورولان بارت، وجاك دريدا. وكان يقول بإن جل أفكار هؤلاء "تسمم الحياة"، وتحول التفكير النقدي والفلسفي إلى "تمرين ممل وعقيم".
 
ولم يكن كليمان روسيه يخفي امتعاضه من عالم النفس الشهير جاك لاكان. وكان يقول بإن هذا الأخير يتعامل مع طلبته كما لو أنهم "عبيد". وهذا ما يجعلهم يتدفقون على القاعة التي يلقي فيها محاضراته حتى عندما تبلغهم إدارة الجامعة بغيابه. ولم يكن يتردد أيضا في السخرية من البعض من الظواهر الفلسفية. بل أنه كانت تضحكه كثيرا لأن "الضحك هو مفتاح الحقيقة" ،وهو "يتقدم على كل الأدوات التحليلية". والإنسان الذي لا يضحك" كائن حزين دائما وأبدا". ولم يتأثر كليمان روسيه بالفلاسفة الكبار المذكورين، بل تأثر أيضا بكتاب قدماء ومحدثين. وفي مجمل مؤلفاته هو يعود إليهم دائما لأن الفلسفة الحقيقية عنده لا بد من تتغذى بالأدب،ولأن "الكتابة هي الفكر ذاته".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات