: آخر تحديث

عبدالنبي فرج: ندْبَة المُغَرِّد


كان يطلق على نفسه حمزة  الطائر، إعجابا بالفنان عادل إمام الذي يقوم بدور إبراهيم الطائر بطل  مسلسل "أحلام الفتى الطائر" لاعب كاراتيه   قديم، حصل على الحزام الأسود من نادي إمبابة الرياضي الذي كان يذهب إليه عن طريق القطار يومين فى الأسبوع، ثم توقف عن التدريب ولم يأبه بتوسلات المدرب، واندهاشه من لامبالاة حمزة بموهبته خاصة ان جسمه يصل لدرجة الكمال وقوته ليس لها مثيل. 
حصل على دبلوم التجارة، بالذراع، فقد كان يغش عيني عينك ولم يقدر مراقب أن  يمنعه، خاصة أن مراقبي اللجان من الغرباء، ولا هم لهم إلا أن تنقضي فترة الامتحانات ليعودوا لأسرهم بسلام، فكان يقنع بعشاء يخرج من بيت من أبناء الأثرياء، ثم يضبط اللجان فى حدود معينة.
يرتدي ترنج وكوتش رياضى ويلبس نظارة ريبان عسلى ويظل فى النادي القروي حتى وقت متأخر ثم يعود للبيت، لم يكن يعمل، فقد كان من أسرة مستورة تمتلك حدائق أشجار برتقال وعنب وتين، وكان أخوته "رامين طوبته"، إمبراطور الملعب، لا احد يجرؤ أن  يحدث شغبا أو يتشاجر وتربطه بلاعبي الكرة علاقة متينة ولا يفرق بين أطفال عندهم 12 و13 سنه أو 18 سنة أو 25 سنة فالكل فى الملعب سواسية، يتكلم معهم بجدية ويتسامر معهم، ويعزمهم فى بيته أو يخرج معهم للصيد، ولذلك كان له معجبون من الشباب بصورة مدهشة، لا يدخن، فقط طوال النهار فى الملعب. 
بدأت سلسلة المتاعب معه، عندما دخل الجيش وقد كان سنه كبيرا لأنه قد تهرب من الجيش حتى وصل إلى 26 عاما ولكن تم القبض عليه صدفة وتم إخضاعه للنظام قهراً، فى كتيبة المشاة رقم 11، حتى جن جنونه وأخذ يضرب الضباط بشكل هستيري، ولم يتوقف سوى برصاصة تخرج من آلي فى وركه فترميه على الأرض، ظل فى المستشفى فترة طويلة وعندما تم التصريح له بالعودة للمعسكر، استطاع أن يختلس حفنة برشام متنوع ورماها فى معدته، لكنهم أسعفوه، وعاد للمعسكر بعد أسبوع، كانت العيون عليه، أربعا وعشرين ساعة، حتى أصابته هستريا وأخذ يلعن قائد المعسكر بسباب متنوع، فتم وضعه فى المعتقل، وكان أبوه  طوال هذه الأيام ينثر فلوسا على من فى المستشفى ويقابل رتبا ليتوسطوا لابنه  حتى استطاع فى النهاية أن يدفع مبلغا كبيراً من المال ويحصل على إجازة مرضية لحمزة، وعاد للبلدة، وظل تحت أسرها طوال فترة التجنيد لا يستطيع أن يسافر، أو حتى يعود للملاعب، كرش وأصبح خاملا، ينام فترات طويلة، لابد فى البيت، ينتظر انتهاء فترة التجنيد، وعندما انتهت وحصل على شهادة التجنيد معاملة رديئة، طلب من أبيه أن يسافر إلى ايطاليا ولكن أباه رفض رفضا تاما قائلا "لما أموت أبقى روح زي ما أنت عايز".   
يثير مشاكل لا تنتهى مع الجيران ومع أخوته، يملك بندقية صيد، يسير على شاطىء البحر، ويطلق الرصاص على الطيور، ولو سقط طائر فى البحر ينزل ليعوم ويعود آخر النهار محملا بأنواع مختلفة من الطيور يوزعها على من يقابله فى الطريق حتى يعود خالى الوفاض، حتى توفى أبوه فى 11 مارس 1990، وبعد الأربعين، باع لواحد من إخوته فدان ارض وسافر كما كان يحلم دائما لكن إلى اسكندرية ولم يعد إلى البيت أبدا وان كانت تتناثر أخبار محدودة عنه على فترات طويلة فلقد عرفنا أنه افتتح مقهى هناك، ثم مطعما لشوي السمك، ثم تزوج من بنت سكندرية، ولم تنجب منه، وانه افتتح محلا لبيع الملابس الرياضية، ثم صار موظفا فى نادي الاتحاد، ثم أخيرا مشجعا للنادي يصرف له مرتبا شهريا، فى هذه المدة الزمنية الطويلة، باع أرضه بسعر بخس ولم يتبق له سهم واحد، وفى يوم قاعد على المصطبة، أشد فى الشيشة التى قطعت نفسي، رأيت حمزة يأتى من بعيد، ثم جلس على مصطبة أمام ماكينة المياه، ونادي عيلا صغيرا فى حدود 12 سنة، سمعته لأن صوته جهوري يتكلم فى أول الشارع فيسمعه من فى نهايته، حتى لو كان يسامر احدا، الولد اقترب منه فقال له: أنت ابن مين؟ فابتسم له وقال: هات لى علبة سجائر من الدكان اللى هناك، أشاح الولد بيده وقال وأنا مالى وتركه وسار، قام حمزة وصرخ فى الولد خد يا لَه، وديك أمك ما تتحرك لأفرمك، ارتعب الصغير فتوقف، رأيته يمشي بهدوء، أعرج، يجر رجليه، وعندما اقترب من الولد صفقه بالكف على وجهه "لما حمزة أبو حامض يقولك روح هات سجائر، تبقى تجيب فاهم، صرخ الولد واخذ يقفز على الأرض ويجري، كانت الصفعة التي وجهت للولد كأنها على وجهى، وذكرتنى بميراث الأسى والظلم وان الطفل الفقير الذي يعيش فى قرية دون حماية من عائلة كبيرة هو ضائع لا محالة، اقتربت منه وأنا خائف ان تفلت منى كلمة يجدها استفزازا أو يفهمها خطأ، فتحدث كارثة وهذا شخص مجنون باين عليه، فكرت فى العودة لكن فات الميعاد، قدمي تتحرك غصبا عنى، عندما اقتربت منه ابتسمت ابتسامة صفراء تعودت عليها من كثرة وقفتي فى الدكان، سلمت عليه وقبلته من وجهه وقلت له: عمل إيه الولد أغضبك، قال: الولد ابن الحرام بقول له: روح هات علبة سجائر من عندك يشوح لى، قلت له: دا عيل، نظر إلى بعينيه الخضراوين الواسعتين، اللتين تنطقان بالشر وندبات محفورة فى الوجه، هناك ندبة عميقة سوداء أعلى الخد، كانت زمان تضفى على وجهه براءة طفولية، خاصة عندما يضحك، وهناك جرح غائر ممتد فى خده الأيسر، وظلت غمازة الذقن كما هي، ولكنها كانت مختفية تحت لحية نابتة، ورغم ذلك لم تستطع أن تخفي الجروح، أن تخفى وسامته، أخذ يعبث فى شعره الرمادي. ثم قال لى: عشان كده أنا ضربته، العيل لّما تكسر فيه الفرخ وهو صغير، يفضل طول العمر فاكرك ولما يقابل حمزة أبو حامض، يقابله باحترام، بهتّ، ثم مد لى يده بجنيهات مطوية ومبلولة بعرق اليد، ثم قام واستند على وأخذ يجرجر قدمه، ويقول لى: سرقوني، أخواتي سرقونى، شفت أخوة يسرقوا أخوهم، يرضيك الواحد فيهم طول بعرض ويلبس أحسن لبس ويأكل أحسن أكل وأنا أبقى فى الحال ده، تصور أنتَ، أنتَ شفتني قبل ما اترك البلد، 
طبعا مين ما يعرفش حمزة أبو حامض؟ توقف وقال: أديك أنتَ قلت، حمزة أبو حامض طول عمره نار على علم، والبلد كلها تحترمه وتحبه، وصلنا للدكان، فرفع يديه من على كتفى، وجلس على المصطبة يلهث حتى أحضرت له علبة السجائر فقال لى هات كبريت وحرك يده كأنه يولع عود كبريت، أحضرت له عود الكبريت فأشعل السيجارة، وابتهج فجأة وأخذ يصفق بيده، حلاوتك يا بلد التعريص فيك هواية وفطرة، قلت له: أنت مش فاكرنى مش كده قال: أزاي وعوج فكه علامة الاستنكار: أنت أبن عم فرج مش كده، ضحكت وقلت فاكر، قال لى: كبرت، قلت له الصغير بيكبر والعمر بيمر، أخرج سيجارة من العلبة وقال، طيب خد دي منى ومتكسفش أيدي، ضحكت وقلت والله ما بشرب، أنا بطلتها من زمان، رفع حاجبه وقال: يا راجل وقدرت، قلت: هى بصراحة عايزة عزيمة لأنها زي السرطان فى الدماغ، قال والله أنت بطل واخذ يطبطب على ظهري، فنبت عرق على جبهتى وشعرت بالحرج، قلت له: تصدق أنت أول واحد علمنى السجائر؟ قال: يا راجل قول كلام غير ده، قلت آه والله، زمان لما ماكنش فيه تلفزيونات وكنا بنروح مقهى عويضة نتفرج على الأفلام هناك، قاطعنى بضحكة غريبة، ثم نهاها ب خخخخخ، أيام الكحرته، تصدق كانت أياما حلوة، والناس كانت قلبها على قلب بعض وكنت تحس كده ان البلد دي أسرة واحدة، ورحمة أبويا أيام زمان، كان لو حد طبخ، يشيل حلة الطبيخ ويحطها على السطح واللى عايز من الجيران يغرف لعياله، كانت الناس تطلع السطح زي القطط على الريحة. اسمع يله اسمع، كانت أمى الله يرحمها تضرب حلة الخبيزة أو السبانخ أو الرجلة وكل واحد فى الشارع، دا صحن فلان، أنت عارف فلان الفلانى اللى غارقنين فى العز دلوقت ويكلموا الناس من مناخيرهم، والله العظيم كانوا بيسفوا تراب، حاولت أن أكمل حكايتي وكيف علمنى السجائر، لكنه لم يأبه، واخذ يحكى حكايات لا رابط بينها، كنت ممرورا وحانقا، كانت بي رغبة حارقة لإكمال حكايتي وكلما بدأت قاطعنى فأحسست كأن شوكة فى حلقى، أريد أن أتكلم أن أقول له اسكت، وفجأة خرجت منى كلمة لا أعرف لماذا؟ كأنها خرجت من بئر، أنت لسه بتقلد أصوات العصافير، صمت واكتست ملامحه بأسى وكآبة وقال بغرد يا حمار، أنا مغرد، أنا طير فى السماء، ثم أخذ يغرد بصوت العصافير والحمام والكروان، وخرجت الناس من بيوتها على صوته، يلتفون حوله وبدا صدري يخفت فيه الغل، وسامحته وقلت اكيد هلاقى حد أحكي له حكاية كيف علمنى حمزة أبو حامض السجائر، يسلم على أهل البلدة ويأخذهم بالحضن ويستمر فى التغريد، وعندما تعب وتوقف وانصرف الخلق، وظل وحده على المصطبة وقد دخلت الدكان ارتب فى البضاعة، وجد شخصا قريبا له يسير دون أن يلقى عليه السلام، قال المصيبة إني نسيت اسمه، تعرفه؟ قلت لا والله، نادي بصوت عال استني يا كاحول، ضحكت والرجل استمر فى السير دون أن يلتفت وهو يتبعه استني يا كاحول...  
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.