تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث

النار في الأدب والأساطير والتاريخ

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 احتراق كاتدرائية "نوتر- دام" في باريس مؤخرا  يُحيلنا إلى ما ترمز إليه النّار لدى الفلاسفة والشعراء. وبداية  نشير  إلى  أن الملكة ديدون (تعني المرأة الشجاعة) ، أو عليسة التي أسست قرطاج عام 814 قبل الميلاد، لتجعل منها عاصمة للفينيقيين،  انتحرت حرقا لأنها لم تتمكن من الزواج من الأمير التي كانت تعشقه لتتحول قصتها إلى أسطورة بديعة عند فيرجيل،  شاعر الرومان الأعظم. وكان إنباذقولس الاغريغنتي،  الذي ولد عام492 قبل الميلاد بمدينة أغريغنتا بصقلّيّة، والتي كانت آنذاك واحدة من أهمّ مدن العالم الاغريقي،  فيلسوفا، وشاعرا، وطبيبا، ومهندسا ينتمي إلى الطبقة الارستقراطيّة . غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مدافعا شرسا عن الديمقراطيّة حتى الرّمق الاخير من حياته، صارفا جلّ اهتماماته لخدمة مصالح مدينته، وكامل جزيرة صقلية. ولإنباذوقلس نظريّة في نشأة الكون تقول بإن هناك قوّتين تتصارعان دائما وأبدا، وهما الكراهيّة والحب. وهما تؤدّيان بالتّناوب إلى الانفصال و التّحاد بين العناصر الاربعة الاساسيّة والتي هي النار والهواء والتراب والماء. وهو يعتقد أن النار تفتن الإنسان لأنها مدمّرة ومطهّرة في نفس الوقت. فهي بإمكانها أن تحرق مدنا وغابات بأكملها. كما أنها تحمي من البرد، فتنعش الناس في فصول الشّتاء، وتساعدهم على تحمّل الصّقيع، وعلى مواجهة العواصف. 
وتكون النار رمزا للتّحوّل والتجّدد. وتقول الاسطورة إن إنباذوقلس فضّل في النهاية أن يلقي بنفسه في اللّهيب. ولعلّه فعل ذلك معتقدا أن النار ستمنحه حياة جديدة بعد أن يتحوّل جسده إلى رماد.
وفي الشعر الجاهلي، قد تكون النار مُخرّبة للبيوت وللعمران، ومثيرة لذكريات مؤلمة كما في هذين البيتين لشاعر مجهول: 
دار حيّ أصابهم سالف الدهر 
فأضحت ديارهم كالخلال
مقفرات إلاّ رمادا غبيّا
وبقايا من دمنة الأطلال 
وقال النابغة الذبياني :
فما وجدت شيئا ألوذ به 
إلاّ الثمام وإلاّ مَوْقدُ النار 
ويرتبط العشق عند أغلب الشعراء العرب بالنار. فهو مثلها يحرق القلوب. وفي بيت منسوب له، يقول عنترة بن شداد: 
فلا تحسبي أني على البعد نادم
ولا القلب من نار الغرام مُعَذّبُ
وخلافا لبعض الشعوب الأخرى، مثل الاغريق والرومان الذين كانوا يستقبلون المحاربين المنتصرين بأكاليل الزهور والياسمين، كان العرب يستقبلون المسافر العائد غانما وسالما بالنار. وتلك النار كانوا يسمونها "نار السلامة". وقد يسجرونها بالغار والصندل كما في هذا البيت: 
رب نار بتّ أرمقها 
تقضم الهندي والغار
وعند العرب هناك أنواع من النار. فهناك "نار الرسم" التي بها يُعَلّمون إبلهم، و"نار الصيد" التي تغشاها الظباء فيصطادونها، و" نار الأسد"، وهي تلك التي تبعد الأسد عن المرابض، و "نار الخلعاء"، وهي تلك التي يوقدها في مجاهل الصحراء الصعاليك والهاربون. 
وفي كتابه الشّهير "الجموع والقوّة"، يفرد إلياس كانيتي الحائز على جائزة نوبل للآداب فصلا بديعا عن النّار ورموزها ودلالاتها. وهو يقول بإنّ النّار تنتشر بسرعة فائقة، وألسنة لهبها تتفاعل مع بعضها البعض. ومن جملة ما تتميّز به هو العنف الذي تتعامل به مع الغابات، ومع السّهوب ،ومع مدن بأكملها. وحتى عندما تكون هناك مسافة تفصل بين الأشجار ،أو البنايات، فإنّ النّار تتمكّن من الجمع بينها مُلتهمَة إيّاها. ويضيف إلياس كانيتي قائلا بإنّ النّار مدمّرة، غير أنه باستطاعتنا ترويضها ومكافحتها وإطفاء لهبها. والماء عدوّها الأساسيّ. وفي الاساطير القديمة، يمكن أن ينتهي العالم بحريق هائل ،أو بطوفان شبيه بطوفان نوح. ورغم الخوف الذي تبثّه النّار في قلوب جموع الناس عند اشتعالها، فإن النار تفتنهم أيضا. وهذا ما كان يحدث مع هنود "النافاهوس" في المكسيك الجديدة. فقد كان هؤلاء يوقدون نارا هائلة وحولها يرقصون من غروب الشمس إلى شروقها من دون انقطاع. وهم يؤدّون رقصاتهم الوحشيّة شبه عراة،  ملوّحين بعصيّ في رؤوسها الرّيش .وهم يضطرّون لكي يشتعل أحيانا للزّحف على بطونهم للاقتراب أكثر من النّار. كما يحاولون أن يشعلوا الرّيش الذي في رؤوس عصيّهم. وعند طلوع الشمس يرقص هنود "النافاهوس" رقصتهم الأخيرة ملقين على أجسادهم العارية الرّماد والجمر وقد بدأ ينطفئ. ويفسّر إلياس كانيتي طقوسهم هذه قائلا :”إنّهم -أي هنود "النافاهوس"- يرقصون وهم  النّار ذاتها، وهم يصبحون النّار. وحركاتهم شبيهة بلهبها. وما يمسكونه بأيديهم ، يمنحهم الشعور بانهم يشتعلون هم أيضا.”.
ويشير إلياس كانيتي أن التّاريخ يخبرنا أن هناك مدنا في مناطق من العالم تعرّضت للحصار الطويل. فلمّا تيقّن سكانها باستحالة النجاة، أشعلوا النيران فيها ليموتوا وسط الحريق الهائل. وهذا ما حدث مع سكّان مدينة تالة التونسيّة. فعندما حاصرهم القائد الروماني ميتيلّوس خلال حروبه مع القائد البربري يوغرطة على مدى أربعين يوما، جمعوا كل ّ ما يملكونه ما أشياء ثمينة في قصر المدينة الكبير، ثمّ أقاموا حفلا بهيجا. وبعد ان أكلوا وشربوا وهم يغنّون ويرقصون، أشعلوا النار في القصر،  وفي منازلهم. فلمّا دخل جيش ميتيلّوس المدينة، لم يجد غير أكوام من الرماد. 
وفي القرون الوسطى، كان المتشدّدون المسيحيّون يحرقون أعداءهم لأن النار عندهم ترمز إلى الجحيم الذي هو مأوى الهراطقة والفجّار. ويروي كرابلين قصّة امرأة في منتصف العمر تعيش وحيدة. وكانت مهووسة بإشعال الحرائق منذ طفولتها. وقد حوكمت أكثر من مرّة بسبب ذلك. وفي النهاية أرسلت الى مصحة للأمراض العقليّة لتمضي فيه عشرين عاما. ومع ذلك ظلّت عاجزة عن السّيطرة على نفسها. فكلّما رأت عود ثقاب، استبدّت بها الرّغبة في إشعال النّار. فما كان يفتنها ويستهويها هو رؤية النار. وكان الشّاعر الالماني نوفاليس يرى أن الحبّ شبيه بالنار. وهو يشبّهه بجسدي العاشقين عند التحامهما أثناء الجماع ، وباحتكاك قطعتي خشب يتسبّب في إشعال النّار. لذلك فإن النار تحيل إلى الرّغبات المكبوته. ويجاري الشاعر الالماني الآخر راينار ماريا ريلكه نوفاليس في رؤيته للنار. وهو ويقول إنها-أي النار-تشبه النار التي تحرق قلب العاشق المتيّم. والعاشق الحقيقي هو الذي يشتهي أن يموت بنار عشقه. 
وهذا ما يحيلنا إلى التراث الشّعبي التونسي حيث نجد العاشق يحترق بنظرة واحدة من الحبيبة. وعادة ما يشّبّه العاشق عين الحبيبة بالنّار التي تحرق قلبه، بل جسده كلّه. والعاشق في أغنية شعبيّة مشهورة يقول بإن الحرائق تتوالى من دون ان يتمكّن حريق من إطفاء حريق آخر. ويضيف بأن حرائق عشقه تزداد حدّة من يوم إلى آخر ،غير أنه لن يكون قادرا على إطفائها . ونعلم أن عاشق حبيبة مسيكة، المغنيّة اليهودية التونسية فائقة الجمال، أحرقها أحد عشاقها في  اول الثلاثينات من القرن الماضي بعد أن ضبطها مع غريم له في فراش الحبّ لأن الحبيبة التي تخون لا تستحقّ غير ذلك العقاب الأليم. وفي كتابه "التّحليل النفسي للنّار"، اهتم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884-1962) بالنّار ودلالاتها النفسيّة والفلسفية في الأساطير، وفي أعمال الشعراء والفنّانين. ويشير باشلار إلى أنه فتن بالنّار مذ كان طفلا يقرأ على ضوء الشموع، والمصابيح في قريته الصّغيرة،  الكتب التي تروق له، أويعدّ فروضه المدرسية. وعندما اشتهر كفيلسوف دَرس الأساطير، والأحلام، والخيال البشريّ من خلال الماء، والنّار، والتراب، والهواء. وفي كتابه :"التّحليل النفسي للأحلام"، يعود باشلار إلى أسطورة بروميثيوس الذي سرق النّار من الآلهة ليهبها للبشر، فعاقبه "زيّوس" ربّ الرّعد والصّواعق والأمطار على فعلته تلك ، وقيّده بالأصفاد لكي تظلّ النسور تلتهم كبده إلى ما لانهاية. 
وقد كانت أسطورة بروموثيوس مصدرا للعديد من الأعمال الشهيرة في مجال الأدب والفن في الأزمنة القديمة والحديثة. ويشير غاستون باشلار أيضا إلى انّ النّار تحضر بقوّة في أشعار الرومانسييين، وفي كتاباهم النثريّة. وهو يكتب قائلا :"النّار والحرارة تمنح وسائل التّفسير في المجالات الأكثر تنوّعا لأنهما بالنسبة لنا فرصة لاستحضار ذكريات لا يمكن ان تمحى من الذاكرة، وتجارب شخصيّة بسيطة ومصيريّة. من هنا يمكن القول إنّ النار ظاهرة متميّزة يمكن ان تفسّر كلّ شيء(...)النّار هي الحيّة دائما، وهي حميميّة وكونيّة. وهي تعيش في قلوبنا، وتعيش في السّماء. وهي تصعد من أعماق "المادّة، وتهدى كما لو أنها الحبّ. وهي تنزل في المادّة، وتتخفّى، وتكْمن مثل الكراهيّة والرّغبة في الإنتقام. ويضيف باشلار قائلا :"قرب النّار علينا أن نجلس، وأن نستريح من  دون أن ننام. لا بدّ ان نقبل الحلم الخاصّ موضوعيّا". والنّار بالنسبة لغاستون باشلار هي رمز الشيطان، ولهب جهنّم. كما أنها مطهّرة. فهي تحرق الأعشاب اليابسة، والفضلات التي تطلق روائح كريهة ... 

 وخلال  العقد الأخير،  أصبحت ظاهرة الإنتحار  حرقا من الظواهر الخطيرة في تونس منذ أن فعل ذلك محمد بوعزيزي في السابع عشر من شهر ديسمبر-كانون الاول 2010 مشعلا انتفاضات شعبية أدت إلى انهيار نظام زين العابدين بن علي في ظرف اسبوعي فقط. وتزداد هذه الظاهرة إستفحالا بسبب تأزم الأوضاع، وانسداد الافاق، وانعدام الأمل لدى فئات واسعة، خصوصا لدى الشباب. ويمكن القول إن الانتحار حرقا بات الوسيلة الأفضل للتعبير عن الاحتجاج والغضب، ورفض الحيف والظلم، التهميش والإقصاء والإهمال. وعلى مدى ا العشر سنوات الماضية أقدم عشرات من الشبان والكهول والنساء من مناطق مختلفة من البلاد التونسية  على الانتحار حرقا في الأماكن العامة، أو أمام مقرات المؤسسات الحكومية. 
وترى دنيا الرميلي أن الذين ينتحرون حرقا يفضلون أن يكون انتحارهم شبيها ب"الفرجة المسرحية".  لذلك هم لا يتخفون، ولا يتسترون عن فعلتهم، بل يقفون أمام مؤسسات، أو امام جمع من الناس، ثم يضرمون النار في أجسادهم وكأنهم يريدون أن يبينوا للسلطات أنهم فقدوا الصبر ولم يعودوا يتحملون الأكاذيب، والوعود الزائفة. فيكون انتحارهم عندئذ شكلا من أشكال الاحتجاج، وليس فعلا ناتجا عن أزمات نفسية، أو عن انهيار عصبي، أو عن فشل في الحياة... 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات