قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

 

على سطح احدى المدن
جلست تعدد الأيام على أصابعها،
وترى الى البعيد كيف يمر فيه النهر ويتغلغل.
فوقها كانت السماء مليئة بالنجوم التي اعتادت أن تنقل لها أخبارا قديمة مملة لم تعد تنتبه إليها بعد اليوم، قالت له وهي تضع رأسها على كتفه: لم يعد يهمني ما تنقله السماء! فربت على ظهرها بحنو وحب، ثم مسد شعرها المعكوف حسن الغسيل والرائحة، سألها هل استحمت الأميرة؟ فهزت رأسها فرحة أن محبوبها مازال يناديها : ضربةُ الجسر
كما نادها أول مرة.
كانت تتملى العناصر الفوقية التي تشع
وتلمع
وتنتظم في صفوف إلهية تشير الى مسيرة محتملة لعالم لم يعد يتحرك. 
هل ثمة نأمة؟
لأن الطبيعة صامتة، والألحان التي كانت تتصاعد من النافذة السفلى سكنت منذ أيام، راحت بدلا عنها تتصاعد ادخنة متفرقة لاحتراق بطيء يحمل معه رائحة ثقيلة أصبحت أيضا مألوفة ولم تعد تحبس أنفاسها من أجلها. لتمر، تقول، ليمر كل شيء،
دع العالم يفعل كما يريد.
قال لها نعم، من أجل أن يغير الأفكار التي تملأ رأسها، نعم، أحب هذا الشَعر ويسعدني هذا الاقتراب، كما أنتِ دوما، تقتربين، تلمين جسدك وتضعينه هنا، عندي، فيتحول العالم وتنمو فيه الأرواح، ويتحرك الشجر البعيد الذي يشبه خطا لفنان يرسم لوحته على الزيت، ملونة، وفيها بضعة أشجار بعيدة تملأ الأفق وحين تهب الرياح تتمايل ويتغير اللون ويملأ الصوت اللوحة، صوت الليل، الذي تحب ما تحب فيه نباح الكلاب البعيدة يبعث في قلبها طمأنينة وسكينة.   
هل تظن أن للصمت صوتا؟
سألته، فتحرك قليلا نحو الصمت وتملاه، لمس بيديه ماقالته، ثم تأمل كيف تدور الساعة وتخفق الستائر الدنيوية التي كانت ستائر تحجب نافذة مطلة على الشارع. 
كانت بالفعل نسائم تهب من بعيد هبات خفيفة ترف لها الخصائل، وانتبه لها فارتفعت في محياه ابتسامة لم يتعرفها في البدء، كأن الإبتسامة مخلوق جديد، وخصالة غير مسبوقة في نفس الإنسان، فقال في نفسه: ماهذا. ما الذي يجري.
كان شعرها، يختلط بظلمة الليل، وإن كان ثمة إضاءة من زاوية برية غير متاخمة، يتحول اللون الى فولاذ وحشي، يصعب صده، ويستغرب كيف أن هذا الجسد يحمل داخله هذه القوة، هذا اللون الغريب حتى إن تتبع بأصابع يديه ترف الاسترسال على الصدر الرخامي يجد ما يخمنه، التحولات، ومآل الرفض لكل ما ينتظم ويتتابع ويدور في منوال اليوميات لمراقب يضع خطوطه فوق تربة لم يعد أثرها أرضي.
سمع من بعيد آهة قادمة من خلال الجدار.
الاسترسال- تيار الوعي، يطلقون عليه في الأدب اسم تيار الوعي، أخذه الى اليوم الذي رأى فيه حبيبته لأول مرة، عند الصباح تقف على البرندا في منامة ربيعية شفيفه، استيقظت للتو. كان الشارع فارغا فأخذت حريتها أن تمطت وتنشقت نسيم الصباح، رفعت صدرها كما لو أن الحمام يطير ويحلق في الفضاء. حين تظن الحبيبةُ أنها وحدها في المكان – فرفعت يديها وقفزت وهي تدور وتغني " سمرا" لكنها جمدت في الفضاء، قطعت الأغنية، حين رأته يتملاها مشدوها، وهكذا في لحظة ظلت معلقة وبدا مطر يهطل ويتشكل داخله في الأفق القريب قوس قزح، عندها ملك العالمين، تقدم نحوها ببطء كي يقدمه لها وهي لم تعد بعد الى الأرض مازالت معلقة، هناك، لا تعرف ماذا تفعل، هل تعود ام تغيب فوق، 
إلى فوق حيث ليس هناك ثمة نأمة. 

تشتهر دير الزور بثريد البامياء، وبالتالي بلدة المياذين التي تبعد عنها 45 كم باتجاه الحدود، حين قدم  إليها الجيش السوري بقيادة وزير دفاعه في منتصف سبعينيات القرن الفائت، الوزير مصطفى طلاس كي يغزو العراق. قدم له الأهالي ثريد البامياء فتوقف عن الغزو.
عاد إلى دمشق.
وهو يقول لهم ابعثوا لي كل خميس ثريد بامياء.
وفتح من أجل ذلك خط بولمانات النقل، لنقل قصعات الثريد بين المياذين ودمشق.
تذكر تلك الايام وتذكر كيف قال لها ، لن تخرجي مرة أخرى عند الصباح الى البرندا وتتمطين، لأنه إن رآك الجيش فسينسون الثريد. 
يومها أصابها احباط بالغ، وأرسلت من أجل ذلك رسالة الى مايطلبه المستمعون في صوت امريكا،
منها اليه،
من منطقة المياذين تطلب أغنية وديع الصافي "على الله تعود بهجتنا والافراح.."
وحين سمع الاهالي الأغنية في السابعة والنصف مساء، مصحوبا باسم مدينتهم، فرحوا ان اسمهم تجاوز الحدود السورية ووصل الى ارجاء العالم العربي. هكذا عاش الأهالي خمس دقائق يستمعون فيها الى راديو صوت امريكا مايطلبه المستمعون إلى وديع الصافي "على الله تعود" وقد ارتفع الجميع الى سموات لم يصل إليها أحد من قبل.
 من خلال النافذة السفلى- والآن، الآن من خلال النافذة السفلى يتصاعد نشيش أو شيء ما، لا أسم له في اللغة، لقد خلقت الأيام الماضية أشياء لا اسم لها، حدثانا أظهر قصر المعاجم وحطمها وحطم معها تاريخ الانسان –على مر التاريخ، في سوريا، تجلس على سطح احدى المدن وتشير بيدها تعال، وها هو يصعد نحوها.
لكنه قبل ذلك بأيام، بعد أن التاع من رحيلها المباغت، الصاروخي، الذي رفعها مع الأدخنة والسناج نحو السماء. فر من ذلك الجحيم الى دير الزور ووقف في المكان الذي وقف معها فيه منذ اربعين عاما، وقف على الجسر يتأمل كيف يسير النهر غير عابئ بالزمن، غير عابئ بالتاريخ، يسير صامتا لا يسمع ولا يتكلم. لمس بيده كوابل الجسر –فولاذه الصلب- ثم هزها بقوة وهي يدمدم اغنية غير متجانسة "نخل السماوة" 
أيتها السمراء التي رأيتيها بعيني هاتين 
كيف ترحلين
وكيف يمتصك الفضاء 
الى غيوم ونجوم 
في مجرات بعيدة. 
وقفا هنا منذ أربعين عاما، في هذا المكان، يقول لها، نحن معا، نمتلك النهر والجسر المعلق والعالم كله، يمجد تلك المشاعر الآن، ام يسخر منها.
يفكر كيف يستحيل الى غيمة.