قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

وقف أمام الجسر، ليس هناك أمام للجسر... فقط من جانبيه خط غير مرئي، سراب، وهمٌ يذهب إلى مدينة اسمها "الحسكة " وأخر يبقى في مدينة، مجانبة، أبعدتها دمشق خارج الحدود، اسمها "دير الزور".
 من على الجسر يقبض على احد كوابل (المعلق) وهو يفكر بالخيانة، ينظر الى غيمة خائنة.  
هز بيده الفولاذ الذي يرفع الجسر. بنى الفرنسيون الجسر في اوائل القرن الماضي، لم يبنوه إنما شكلوه في قلبه  وكان الآن يسيل أمامه ويخلط ألوانه فيتعكر النهر ويزبد.
ظن إنه هزها، عظام الجسر، يقول، عظام الجسر وليس الفولاذ، والرنين الذي أز في داخله، وشائج النفس مرتبكة وهنا خوار في الداخل وأحدهم يموت بضربات العادة القصوى للزمن البائد. 
مياه يوم البارحة التي تمر الآن من أسفل الجسر، كانت قاتمة مليئة بالظنون والشكوى، لكنها وحيدة، شكوى وحيدة لا أحد يسمعها.  
وحيدة لكنها تملأ عالمه الداخلي وتضج بفضاءاته. فوق الجسر هو علامة مكسورة. الخيانة قد ضربته في الداخل فكيف يشفى منها، العالم الذي حوله والغيوم في المد القريب، عند الشفق الجسري تتلون المياه في رحلتها الغربية. كان يوم البارحة وراءها، يسيل مثل النهر إنما عن وعي، ومكر متلاشي، يملك ذاكرة وأدوات جارحة مسيحية المنشأ، لأنه من المؤمنين، إن ضرب القدر الخد الأيمن فدر له الأيسر، حتى أنه لم يتنحنح، سار وراءها بحذر كي لا يلفت انتباهها، يريد ان يعرف اين تذهب. بين سندان الحب وبين الغيرة والكرامة التي تربى عليها والأنا: أنا زوجتك لك وحدك – لا خيانة- لأن هناك رباطا لحميا يصله بجسدها وإلى مغارة قابعة في أعماقه كلما دخلها وجدها في الزاوية تنتظره. 
هو يدري أين ذاهبة، ليست المرة الأولى التي تذهب وليست المرة الأولى التي يتبعها، لكن الإنسان الذي يعرف ويخاف هذه المعرفة، سوف يكرهها، تنمو في سره رغبة تريد بشكل طفيف أن تغير هذه المعرفة وتغير طريقها ربما بنسبة ضئيلة جدا ذاهبة الى أمها وليس الى حبيبها. 
هناك مساء في سماء البلدة، يد حانية تمتد إلى الشوارع والبيوت تنقل الناس رويدا رويدا الى عالم آخر، عالم الليل الذي فيه يحيا الإنسان ويتحول من حيوان النهار الى انسان السمر، يد إلهية تهبط كي تنقل الأرواح الحية الى موطنها الذي هبطت من أجله. كان يسير ويشعر بهذا الانتقال الاسطوري ثم يشعر أيضا بالحنق على الحب الذي لم يحسن أختياره، الذي لم يمثل أمامه كما يرغب. حين رآها في أول الأيام على البرندا تتمطى وتدفع جسدها، الى النجوم، وقف الجسد في تلك اللحظة بين حجر الصفوان الواجم حياة مترعة ساقية عميقة أغرقته الى قاعها يرفع بين الآن والآخر رأسه كي يقتنص نظرة أخرى الى جمال سيبقى داخله طوال لحظات حياته ولحظات الممات. لم تكن ترتاب في مشيتها، سكينة المشية، والثقة في خطاها، هو الذي كان حذرا أن تلتفت نحوه وتكتشفه. 
حتى وصلت الى المكان الذي يحفظه عن ظهر غيب. أغمض عينيه يقول ستقفز إلى البرندا بخفة كيلا لا يراها أحد، ثم نحو الباب تطرقة – يفتح لها الباب – رجل ينتظرها في ظلمة البهو، وشق ضئيل من الضوء ينير الدرب ويهدي الخطى كي تلتقي في حضن أبدي حميمي، حضن الله الذي يلاقي الأجساد ويلحمها.  
عاد خائبا، من دون خفين، حافيا، تلفحه الرياح، وركن الليل المخيم في الشارع ثقيل في قلبه وخفيف في الميزان. حين وصل بيته شعر أنه مشى ألف ميل وألف زمن. اتجه الى غرفته واستلقى على سريره بالعرض، إن جاءت خلسه في الليل فلن تنام معه وتشاركه السرير، ستنام في الصالة على الصوفا على الأرض لكن معه لم يعد هناك فسحة ولا وقت ولا مكان. 
جاءت خمس طائرات، كانت مثل وحوش الغابة حين تجوع، وازدحمت في سماء المدينة – البلدة- الطاحونة، الجبل، النهر، المأذنة. فنسي للتو ذهابها، وأنها مع حبيبها. ظلت تدور وتحوم. سمع بكاء ابنة الجيران، وصراخ معتوه في المنزل المجاور. لم تأخذه الخشية، لقد اعتاد على ظاهرة السماء ومعداتها واكسسواراتها، اعتاد على كل شيء، سيتابع المشهد حتى تتعب الطائرات وتتعب الأيام. 
حين استيقظ عند الصباح المتأخر الذي لم يبزغ فيه فجر، كان إرهاق الليل قد وصل الى نهايته. السرير يئز تحت جسده المتعرق. أحس بوجودها الى جانبه. 
كانت نائمه الى جانبه. 
بسبب اللاوعي ربما عدل جسده أثناء النوم ، وخلّا لها مساحة في السرير. 
فاستيقظ ببطئ آلي، حتى لا يوقظها- من السرير حتى لا يهتز الحديد ولا تئز الرفاصات ووضع تحت رأسها وسادة. 
رآها غارقة في النوم، مثل قربة ترتفع منفوخة ثم تهبط. هي في الخمسين من عمرها، لكنها تقول إنها في الأربعين، وفي الواقع، بالنسبة للعمر الحقيقي، لا يدري بالضبط إن كانت أربعين أم خمسين. هو لا يعد السنين كما نعدها نحن، جميلة كأنها ثلاثين عاما. مازالت تلك السحنة على محياها ارستقراطية حين رآها تتمطى في ذلك اليوم البعيد تعبّ الهواء وتغني في البرندا وقف مشدوها ومازال مشدوها يدور داخله السر ويقلب المعايير التي تغذى بها سنوات طفولته وصباه. 
ذهب الى المطبخ كي يعد قهوة من دون سكر. أشعل لفافة تبغ وخطا الى الحديقة في منتصف الفناء، جلس يستمتع بالعصافير التي تشوشها ضوضاء الحنق الخفيف. احلام السماء وفي قلبه مزيج من أن يستمر كما هو يدفع عربة الأيام كعادته أم ينتبه ويتوقف. وتستيقظ بعد قليل، تذهب من فورها الى الحمام لتستحم ثم تجلس جانبه من دون أن تنظر اليه، لا تتكلم، مخلوقان يجلسان جانب بعضهما البعض ويحس برائحتها وبالتأكيد تحس باضطرابه وموقفه العام منها ومن الحياة لكنها لا تأبه لأنها لو تأبه لغيرت سلوكها وأصبحت محبة تهتم به وترعاه وتنظم اسلوب حياته.
لن يكلمها، استمر يسحب الدخان من اللفافة وينشره بعيدا، الغضب يتحرك في أعماقه يظن أن لا قدرة له لتهدئته وتحويله الى تيار مجامل كي يتحامل على نفسه ويتكلم معها. ظل صامتا هادئا بينما في أعماقه الاستفزاز الصارخ. كيف يكبت الإنسان الحال ويتظاهر بشيء غير حقيقي. من أين يأتي التظاهر والكذب، من الذي يبعثه في أعماقنا ونتحول الى مخلوقات ليست نحن، نكون نبكي ونتصنع الابتسام والضحك والزهو- نحن نصنع الشام ونصنع الأسد- نُشوهُ أعماقنا ونضرب الحقيقة بسوط بالغ الوقاحة حتى تنتظم الأمور وتسير الحياة باتجاه لا نرضاه لكن في النهاية هي مشيئة القدر أن تمسخ الحياة من تشاء.
يقولون كانت عشر طائرات ضربت مصنع الزراعة.
تكلمت في النهاية كلاما لم يهتم به بقدر ما اهتم بنبرة صوتها وبالحركة النفسية التي جاءت مع الكلام. كانت تريد أن تقترب منه وربما تعتذر. 
من مات؟
سألها من دون أن يلتفت نحوها.
أجابته: لم تصب الطائرات الهدف، أصابت كالعادة البيوت التي حول المصنع ومات الناس هناك.
انتبه الى جلسته امام الحديقة الصغيرة التي بالكاد هي حديقة، فيها شجرة – شجرة فقط - لا يدري مانوعها دائمة الخضرة من دون ثمار، حولها سياج ضئيل من الحجارة، يصنع فنجان قهوة ويضعه عليه، صامت لا يتكلم، استدار نحوها زكانت تتأهب لتغادره – الزين هي الواو- فكر أنها اصيبت بالاحباط بسبب صمته. حين أنهى فنجان القهوة أطفأ عقب السيكارة بحجارة السياج، قال للملائكة التي تحرسه ذهبت كي تكمل نومها، لم تنم البارحة جيدا لأنها كانت مع غريمه. 
نظر في المرآة المعلقة فوق المغسلة ورأى الشامة في أعلى خده، كبرت ونبتت فيها شعرة، لم تعد جميلة كما كانت ايام الشباب. انتفخت انتفاخا لم يكن موجودا أيام الصبا. في المطبخ غسل فنجان القهوة ثم قلبه على فمه، وقبل أن يخرج تذكر أن يغسل شعره وهو بمثابة استحمام له. وضع الماء في القدر وحمله ساخنا الى الحمام. لا يحتاج الى مياه كثيرة، غسيل شعر وقليل من الماء تحت الابطين وهذا يكفي. 
سمع وهو يغتسل صراخ المعتوه "جبور" صراخه مخيف. ينتقل الصراخ عبر الجدران فتتغير النبرة وتصبح حيوانية مشوهة، قادمة من سموات منذرة، أو من كهف بعيد، يتذكر حين يسمعه اساطير الخوف والرعب والليالي القاسية التي عاشها اجداده القدماء حين وجدوا أنفسهم وحيدين أمام جبروت الحياة وثقلها. رأسه بين الصابون وبين المياه الساخنة الأفكار التي تطوف في الأجواء من دون مستقبل ولا ثمة أمل قادم فيتمرغ مع نفسه في القاع ويتوقف عن فرك الصابون، يديه فوق رأسه والماء يسقط بين الأبخرة التي تتصاعد من الجوانب قطرات النقطة ثم النقطة وهو ساكن ينتظر أن يكون هناك مخرج للمشاكل غير المفهومة التي تدور حوله. نشف شعره، حتى إنه لم يشطف الصابون المتبقي على رأسه. لف رأسه بالمنشفة وأشعل لفافة تبغ ثم اسند جسده إلى زاوية المطبخ يتأمل الأفكار التي عبرت داخله. إن سأل نفسه عن طبيعة هذه الوقفة هل هي حزينة ام قلقة ام خائفة، كانت وقفة تمثال حجر يتأمل السكون، بعد أن وضع الله فيه قلبا لا يتحرك. بقي هكذا حتى انهى السيكارة وعندها استيقظ. 

وهو في المطبخ رأى زوجته تمر من أمامه من دون أن تأبه لوجوده، تخترق الجدران وتغيب خلفها، ترتدي فستانها الأصفر الفاتح المزهر المناسب لحمرة وجهها. ترتديه وحين ينعكس الضياء عليه يتغير لون عينيها، يصبح سينما سكوب، ويصاب بالدهشة حين يحدث هذا. يقول إنها ليست مثلنا نحن الفانيين، هي فيلم، هي شباب دائم.
تبدت له الحاجة في الخروج ليتبع زوجته – إلى ما بين الجدران، إلى الآن مازال يسمع صوت حذاء الكعب العالي من مكبرات السينما سكوب. طرقات رتبية تبتعد، ترجع صدى سكة قطار يمر يمر يمر من خلال جبال الضباب ووقف بعد خطوات عند سكة القطار يتغلغل قلبه إلى عالم الكسل كي يفكر أين ذهبت ربما الى عملها مع اعتبار أن العالم قد تغير فلم يعد هناك وقت للعمل ولا وقت لأن تمر ساعات النهار كما كانت تمر حين كان يستيقظ الناس، جميع الناس في وقت واحد فتذهب الطلبة الى المدارس والعمال الى المعامل وتتصاعد أدخنة الانتظار في المنازل إلى مابعد الظهر كي يعودوا اليها. هذه الرتابة التي استمرت أكثر من ستين عاما توقفت الآن ورسم خط القدر للناس دائرة متاهة كي يضيعوا فيها. 
جعل الطريق الى المصنع الزراعي مقارنة بين اليوم والبارحة، كيف كان البارحة وكيف أصبح اليوم، البارحة كان الزمان واليوم كان الدمار. لكن وهو يمشي تغلغل اللا معنى الى قلبه، لماذا يذهب ويتابع الطريق الفارغ – البارحة كان وراء حبيبته واليوم وراء المصنع الزراعي ولا يدري ماذا سيحمل له يوم غد.
الأشياء التي لا معنى لها كانت حين خرج من منزله قالت له أمه أن يبيقى في المنزل لأن الطائرات قد تعود، اللا معنى كان في أول خطوة خروج بدت خيوط العناكب تملأ الشارع وأشكال الانتروبيا قد تفاعلت ليلة أمس أشد التفاعل وسرعت الانحلال حتى إذا جاء الصباح اختفت الشمس وتحولت البلدة الى بلدة قديمة يتكوم فيها الحصى وتتراكم الحجارة في الشوارع –وكان على أمي حين أخلت المنزل ان ترفع قدميها المسنتين فوق الهدم، وإن لم تقدر حملها الأبناء خطوات وأذرع – الهدم المنحدر الذي تحول للتو الى مقبرة وكان الى جانبه صوت معاق يصرخ ليد امرأة اسفل الركام.