قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في فمي قطعة ملبس... مرّة، لم اشترها .. ولم اعثر عليها في احدى زوايا حقيبتي ، لا... ولا حتى تناولتها من صحن الضيافة الدائم لشركات الصرافة...
لا تقلقوا ولا تفكروا كثيراً من أين اتيت بها لأنني أنا من سيروي قصتها:
في كثير من الأوقات، كنت ارافق جارتي الى البنك كي تسحب راتبها الشهري، و اشعر لحظتها أن مسؤوليتي تبدأ من هنا، حيث اساعدها في ركوب السيارة و نزول درجات السلم او الصعود اليه، ثم نعود الى سيارتي المركونة في الكراج وهي تتأبط ذراعي خوفاً من أن تنزلق..
انتظرها في الخارج، واترك لها خصوصيتها لإجراءت تود ان تقوم بها، حتى وإن كان نوعاً من التظاهر لإشباع رغبتها و قيمتها امام نفسها،
ينفلق الباب بعد فترة في صمت، اتهيأ واخطو كي استقبلها، وكثيراً ما يكون الخارج شخصاً اخر.
استندت الى دربزين الدرج ووضعت يدي في جيوبي مديرة ظهري للمبنى، اتأمل المنظر امامي، وغرقت في تأملي الذي يجعلني اشعر أنني على اتصال بالواقع اكثر،
سمعت خربشة، التفت ورأيت الباب يفتح، ادرت ظهري ونظرت ولم اكترث كونه رجلاً ، وعدت انظر الى قدمي، خطواته واضحة، وصوت خربشة اوراقه تقترب مني، نظرت نحوه ورأيته يضع يده في جيبه وهو ينزل درجات مدخل البنك بإتجاهي ويقول قبل ان يخرج يده:

"وهااااااااااي.........."
اشحت بوجهي للشارع، لكنه مد يده اليّ بحبة الملبس وقال:
"هاي الك"،
تناولتها مندهشة ، وضحكت بألم من فكرة لعينة خطرت بذهني قبل أن امسك حبة الملبس، فربما خطر بباله انني اقف هنا كمتسولة تنتظر من يخرج من البنك، هززت رأسي بمرارة مركبة ونظرت للغيوم علّها تساعدني في امتصاص غصاتي، وانا اضع حبة الملبس في حقيبتي..

لماذا يهز كياني انسان ما لا اعرفه ولم اره يوماً في حياتي، بهدية طعمها مُر؟
هل حالي مزر الى هذه الدرجة رغم انني تأنقت واخفيت عيوني تحت نظارة سميكة؟
هل استطاع وبكل بساطة أن يلحظ داخلي المنحني والذي يكاد يصل قدمي؟..
ربما أن لحظات صادقة تآمرت عليّ وهربت خلسة من عقلي وأنا غارقة في تأملي وكشفت حقيقتي وتظاهري بأنني انسانة تسعدها الحياة...!
جارتي تراقب انفعالاتي من دون أن تنطق بكلمة، مستغربة..! فلم اهتم بسؤالها اذا ما اخذت الراتب كاملاً ام ابقت منه شيئاً للأيام القاسية؟
لكنها كانت تلمح ابتسامة متعبة بين الحين والآخر فوق شفتيّ ونحن نسير فوق الرصيف...
الريح ترفع السحب عالياً، و الهواء نشط و بارد من حولنا ، تدثرت بمعطفي ومشينا بإتجاه السيارة نتعكز احدانا على الأخرى.
لمحت من بعيد ورقة زرقاء تتلوى فوق زجاج سيارتي، قلت:
قد يكون هذا اليوم احد ايامي الجميلة التي لها مذاق آخر للحياة بطعم النعنع اذا ما كانت تحمل رسالة تدفع بي للحياة من جديد، اسرعت الخطى وقلت لجارتي متحججة لألتقط الورقة قبل ان يحملها الهواء بعيدا:
- انتظريني هنا حتى آتيك بالسيارة، الدنيا برد...
اسرعت الخطى والقيت بجسدي فوق زجاج سيارتي ويدي تحاول القبض وبقوة على الورقة في صمودها الأخير قبل أن تطير، ووضعتها فوراً في جيبي دون أن اشعر جارتي بالحدث خوفاً من أن تفسد عليّ متعة قراءة ما بها ، اشرت لها أن تسرع الخطى دون أن اترجل لمساعدتها او احكم حزام الأمان حولها، لنكون بعد دقائق معدودة امام بيتها، واعتذرت عن شرب القهوة لأمر طارىء استدعى مني الذهاب فورا.

خلف شباك غرفتي كانت الأغصان ترتعش، امسكت بحاملة ال CD وبحثت عن اغنية قديمة جداً "لفرانكو سناترا" احبها واسمعها دائماً ولكن على فترات بعيدة كي لا املها،
اغوص في دوامه من دوامات الزمان، القي بجسدي فوق السرير واتحسس الورقة في جيب معطفي واسمع صوت طقطقتها، ادخلت يدي في جيبي وكانت دافئة، حضنت الورقة واحكمت قبضة يدي عليها كي "تتجعلك" بعد أن تذكرت الرسائل قديماً بين الأحبة وطرق تخبأتها والتي لم تكن تصل إلا وهي بحاجة الي كي،
اخرجت الورقة، اغمضت عيني وقلبي يخفق، وبدأت بفردها ببطء لأحظى بدهشة مضاعفة، فتحت عينيّ التي سقطت فوراً على جملة بالخط الأسود الداكن، وكم كانت دهشتي اكثر بكثير مما توقع ...
و لشدة خوفي على قلوبكم الرقيقة، سأترك لكل منكم حرية اختيار جملة من رسالة ما زال ينتظرها، و لم تصل اليه بعد...

الأردن