قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عجت الردهة بالصحفيين الذين تجمهروا لنقل حدث داخل حدث، فملأ الهرج المكان. بينما ابتعد ديفيد بعيدا في أقصى الممر، عازلا- بدوره- نفسه مرتين: عن فوضى الزملاء وفضولهم قبل كل شيء، وعن كل ضغط يحتمل أن يشكل أو أن يحدث ضعفا أو ثغرة في أداء المهمة التي سيتولاها بعد دقائق.

لم يشعر ديفيد بشيء مميز حين وقع عليه الاختيار لإجراء هذه المقابلة "التاريخية" بكل المقاييس، لقد كان بارعا في طرد الضغط بعيد جدا عن نفسيته.. حتى إنه لعد الأمر مجرد "شر لا بد منه"، تماما كالاستيقاظ باكرا للذهاب إلى العمل في يوم شتاء رمادي عادي.. قبل أن يحل الوباء! فها هو ذا.. "عادي"، "طبيعي" تماما، يدخن سيجارته كأنه يتذوق طبقا مميزا لأشهر الطهاة. لقد كان واضحا للعيان أن ثمة أمرا ما آخر، بعيدا كل البعد عما يشغل محيطه المضطرب، يشغل أعلى سلم أولوياته وهو يقلب في بطء عقب سيجارته، ويسرح بناظريه بعيدا في السماء عبر النافذة كمن يبحث عن أجوبة.. لكن ليس لتلك الأسئلة التي سيطرحها بعد قليل، والتي لم يكلف نفسه حتى عناء تدوينها على ورقة. فقد كان، على فوضويته الحياتية، يجيد جيدا جدا تنظيم أنشطته الذهنية، فلم ير داعيا للنبش في حقيبته منذ وصل، كل ما قام به قبل التدخين هو طلب شاي أسود، أولاه الاهتمام نفسه الذي نالته السيجارة، فكان بعد كل رشفة يدير الكأس بشكل دائري كذواقي النبيذ متأملا بقية المشروب.

حين أنهى ديفيد طقسه الأخير، عالج عقب سيجارته في هدوء غريب، لتكتسب ملامحه بغتة ودون سابق إشارة كل ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه. فاستبق أي نداء محتمل مذكر بحلول وقت المقابلة، متوجها بخطوات سريعة ودون أن يكلم أحدا نحو الغرفة التي لن تضم سوى طرفي الحوار المرتقب، ففتح الباب بسرعة، ليدخل مغلقا إياه.. بينما عم صمت مطبق بالخارج، لقد كانت شروط إجراء المقابلة واضحة وصارمة: لا تصوير، ولا تسجيل صوتي. إنها مقابلة كلاسيكية.

وجد ديفيد من سيحاور جالسا في هدوء أيضا، وقد استوطن لهذا الغرض إحدى جثث ضحاياه.. حتى يكون من الممكن إجراء هكذا مقابلة مع مكون "مجهري".. بما أن سلطته عليا، وأنه على كل شيء قدير! أما ديفيد، فلم يبد عليه شيء من التوتر أو حتى الاستغراب، كل ما قام به حين دخول الغرفة هو استغلال الأمتار التي تفصله عن مقعده في مواجهة هذا المجهول الذي لا يبدو كذلك، ليلقي عليه نظرة فاحصة، حرص كل الحرص على أن تكون عادية جدا.. لم يعكر

صفو طبيعتها سوى عيني هذا الجالس أمامه، واللتان كانتا حمراوين بشكل غير طبيعي، متواريتان خلف منظار طبي.. غير أنه لم يتوقف عند هذا التفصيل، فقد اتخذ مقعده، وأخرج دفتر ملاحظات متوسط الحجم وقلم حبر أسود جاف جال به على صفحتين منه، كأنه يضع تصميما ما، ثم رفع ناظريه إلى مخاطبه معتدلا في جلسته معلنا بدء المقابلة:

- مرحبا سيد كوفيد.. أم تحب أن أدعوك باسمك العائلي "كورونا"؟!

- "ديفيد كريستيان محمد".. أاسم هذا أم تعويذة إبراهيمية؟!

- .. لنقل هو تراكم ظروف تاريخية وعائلية لا دخل لي بها، تماما كما أن لا دخل لاسمي المركب بموضوع المقابلة على ما أظن؟!

- بل له دخل.. وليكن مدخل المقابلة، لقد تمادى الإنسان منذ القدم في ادعاء الفهم التام لنداء السماء، فسطر الشرائع وفقا لذلك، ومصدقا بذلك كذبته التي أذاقت بني جنسه ويلات كان في غنى عنها لولا نرجسيته وحبه المرضي للتملك. أما اسمك فهو، واعذرني في ذلك، مجرد محاولة يائسة بئيسة لتجسيد ما تصطلحون عليه عبثا وظلما وعدوانا بمصطلحات "ما أنزل الله بها من سلطان".. مصطلحات من قبل: التسامح، والتعايش، وتقبل الآخر.. وغيرها من قبيل هذا الهراء.

- هل نستنتج من هذا أنك "مبعوث" لتصحح المسار التاريخي للإنسان في هذه الحياة؟!

- .. عجبا، حين وقع اختياري عليك، دون أغلب زمرة الفضوليين الذين تركتهم خلف الباب، لتكون محاوري توقعت هكذا نوع من الأسئلة.. على كل حال.. أنا، يا سيد ديفيد، لست مبعوث أحد، وأعلم مدى صعوبة استئصال هذه الفكرة المتجذرة في عقول بني البشر، فما بعثني على الظهور باعث ذاتي، لا غير.

- لأجل أي هدف؟

- .. هذه ليست "ندوة صحفية" يا سيد حتى أعرف عن "خطة عملي"، سأقول إن الباعث هو ردة فعل على جملة من وقاحات بني البشر، لم يكن من الممكن له أن تستمر هكذا.. دون حسيب. فلقد حسب الآدمي، هذا المخلوق الضعيف حد الهوان، مع مرور كل هذه القرون وهو يمسح نعليه على وجه أمه الأرض أنه استطاع السيطرة على قوى الطبيعة.. بينما كل ما في الأمر أنه استطاع بالكاد، وبعد قرون طويلة، ترويض وحش الصناعات.. لنر.. أيصمد ذاك أمامي!

- وإلى متى سيستمر هذا الوضع؟

- "إلى متى"! لست أدري ما الذي أصاب عقول بني البشر؟! كأنكم، وبعد كل ما رأيتم خلال الأسابيع الماضية، لم تفهموا بعد ما الذي يحصل! لقد توقف الزمن.. بكل بساطة! لا أظن ذلك أمر يستعصي على الفهم! سألتني قبل لحظات عن "الهدف"، إن كان ثمة من هدف لا يحتاج حتى إلى أن أعلن عنه فهو إيقاف الزمن. لا فرق اليوم بين أحد واثنين، بين نهار وليل، بين

شتاء وصيف.. لأدفعكم إلى حيث أريد، ولكي تستوعب عقولكم الصغيرة القاصرة ذلك، كان لا بد قبل كل شيء من إيقاف الزمن.. ويبدو أنكم، إلى حدود الساعة، تفشلون حتى في مجرد فهم هذه العتبة الأولى مما سيلي.

- وفقا لتوقعات الخبراء، فما سيلي هو بالضرورة تضاعف مستمر لعدد الحالات المصابة والوفيات. إن التقطنا خيطا من منطقك، فهل هذه ردة فعل مثلى على عجلة سير الإنسان في هذه الحياة.. طبعا مع التذكير أن ضمن من فقدوا حياتهم بسببك أناس أبرياء، قبل أيام توفي رضيع في أسبوعه السادس بسببك أيضا، فكيف ترد على ذلك؟

- حسنا.. بداية، إن أردت تبني منطقي فقطعا لن تسعفك الخيوط. سبق أيضا أن ألمحت إلى أن الإنسان عكف منذ عصور على وضع قوالب جاهزة لكل شيء، حتى للأفكار التي قادته إلى كل الويلات التي غرق فيها عبر التاريخ. لذلك فأولويتي الآن هي كسر هذا المنطق المتحجر في التفكير.. سأستعير أنا منطقكم الفاسد هاته المرة، حسنا.. ما الذي تريدونه مثلا؟! أن أختار "ضحاياي".. أن أذهب بـ"الطالحين"، وأترك "الصالحين"! لا ينقص سوى أن تصيروني عبدا على أعتابكم.. ما هذا الهراء! ثم إنه ليس ثمة "ضحية" في الموضوع.. "رضيع الستة أسابيع"، هل تعلم كيف كانت ستكون حياته لو لم آت، لو عاش في ظروف "عادية"؟! طبعا لا تعلم شيئا، ثم إن ذلك ضروري جدا حتى أحدث صدعا ما في عقولكم متحجرة التفكير. ثمة حقيقة يتقاطع فيها المنطقان: الألم خير معلم للإنسان. لذا فمن الطبيعي أن أختار حدوده القصوى.

- .. لندع سيرة الوفيات، ولننظر قليلا في الحياة العادية لأناس عاديين. سنرى أنك صيرتها جحيما لا يطاق، بتحريمك للأنشطة الاجتماعية، وتهديدك حتى للعلاقات الإنسانية الطبيعية؟

- سأضطر في كل مرة إلى العودة إلى ما تقدم.. إن كان من شيء قد أبدع فيه بنو البشر فهو التفرقة، على الرغم من وعيهم التام بوحدة جنسهم. لذا فليس ثمة أناس "عاديون"، وآخرون "استثنائيون" من أصحاب القرار.. حين تنزع السلط، ترجع الأمور إلى طبيعتها.

- .. طبعا سأتفق معك في كثير مما تقدمت به، على أني أظنك أيضا ستتفق معي في تثمين الجهود الإنسانية عبر التاريخ، والتي ساهمت كثيرا في تحسين حياة الإنسان وجعل العلاقات بين بني البشر أكثر إنسانية.

- صحيح، لكن غير كاف.. بكل بساطة! تلك جهود آثارها محدودة جدا وجدا يا سيد، ثمة أسئلة بسيطة يفشل الإنسان في الإجابة عنها- على بساطتها- بشكل مخجل جدا يجلب العار. مثلا، ثمة في الأرض موارد تكفي ليعيش كل الناس برخاء، فلم- وإلى حدود ظهوري على الساحة- يموت الناس جوعا في عدة مناطق من العالم.. ومتى هذا.. في القرن الحادي والعشرين يا سيد ديفيد! وسأزيدك من شعر الشرح بيتا، بما أنكم يا بني البشر تعشقون لغة الأرقام- لذلك فهي لغة تواصلي اليومي معكم- ولنأخذ مثال بلد واحد فقط، في بلد واحد فقط أواخر القرن الماضي يا سيد بلغ عدد ضحايا حرب مليونا و200 ألف شخص.. أنا الآن، وعلى مستوى العالم، بلغت مليون حالة إصابة.. ولم أصل بعد حتى 100 ألف وفاة.. أرأيت؟! أعلم.. أعلم، ستقول لي إن ذلك دام ثماني سنوات، سأقول لك إنا لسنا في القرن العشرين! أنا.. لنقل، جئت أوزع مآسيكم

أنتم بشكل عادل بينكم جميعا.. أقول بوضوح "جميعا"، لقد ولى زمن الاستثناءات. ألم تقل إن انعدام الطابع الاجتماعي يجعل حياتكم جحيما، جربوا إذن قليلا من المساواة!

- .. أبهذا تفسر استهدافك بداية للدول الكبرى، القوية صناعيا؟

- .. ها أنت ذا! لست بشريا مثلكم حتى أستقوي بقوتي على الضعفاء، وبلا شك رأيت كيف تلقى البعض منهم هنالك هذا الأمر بشيء من الحقد! كأن هذا وقت هذا! لكن الطبيعة البشرية تحتم ذلك. لذلك أتيت بداية على شوكة "الأقوياء"، الذين ما زال الكثير منهم يستخف بي وبكل وقاحة زاعما أني سأرحل بعد أسابيع.. كأني ضيف عند أبيهم! أليست لكم منظمة عالمية للصحة؟! ألم يقل لكم مسؤول بها قبل يومين إني اليوم أنا من أقرر، وأن لا سلطة إلا سلطتي؟! فمن أين يأتي "مسؤولوكم" بهذه الوقاحة؟! حقا إن البشر جنس معجز! لكني هنا الآن، وسألقنكم الدرس وفق ما أريد.

- .. على ذكر الحالة الصحية، لقد دخلت عدة دول المرحلة الثالثة من الوباء والأرقام ما زالت في..

- كأني أحدث نفسي يا سيد.. عن أية مرحلة ثالثة تتحدث؟! أرأيت كل ما أنتم فيه اليوم تتخبطون.. كل ذلك لا يعدو أن يكون مجرد مقدمة لا غير، مقدمة من سطرين: إيقاف الزمن أولها، أما السطر الثاني فهو أيضا تكسير لنمط ساد لدى من احترفوا التعذيب منكم، ألا وهو استخدام الأصوات العالية. أنتم لم تجربوا بعد الأسوأ: صوت الصمت.