قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

شابّ في العشرين من عمره، ثريّ ومن عائلة مُحافظة. والده رجلٌ عصاميّ وشخص فذّ في المجتمع، بينما تشكو والدته من مشاكل نفسيَّة وعصبيَّة، وتتناول الأدوية باستمرار منذ ولادة ابنها هذا. عانى الشاب، ولمدَّةٍ تزيد عن التسع سنوات، من الإدمان الدوائيّ، حيث كان يتعاطى الأدوية العصبية دون حاجة طبيّة لأخذها. وبعد عدد من الزيارات التي قام بها الـمُعالج النفسيّ إلى بيت هذا الشاب لمحاولة علاجه من الإدمان، تبيَّن له أن سبب إدمانه سيكولوجيّ في الجزء الأعظمي منه! حيث تعود مشكلة هذا الشاب إلى "رواسب عقدة أوديب" وإلى عدم قدرته على تجاوز مرحلة المراهقة فعليَّاً، والمتمثِّلة في هجران حضن الأم وتجاوز الأب (رمزياً) وبلوغ ضفَّة الأمان بوصوله إلى مرحلة البلوغ والرُّشد. تأثَّر هذا الشاب كثيراً بسبب غياب (سَفَر) الأب في فترةٍ كان فيها يحتاج إليه بشدَّة، فكان حضن أُمّه هو ملاذه الوحيد. سيكولوجيَّاً: كان عليه أن يُجاريَ أباه ويتخطاه ليحقّق بلوغه، وبسبب غياب الأب من جهة أُولى، واعتباره له رجلاً مُطلقاً صعب المنال من جهة ثانية، انحصر هذا الشاب ما بين مرحلتَي الطفولة والبلوغ. قرَّر هذا الشاب السفر للعمل ولإثبات الذات وللهروب من يأسه، وعند أول منعطف واجهه، وأول مشكلة جابهها بمفرده، انهار تماماً وبدأ بعد ذلك يهرب من واقعه بتناول

كمّياتٍ كبيرةٍ من الأدوية العصبيَّة المُخدّرة ذات العيار الثقيل. وفي ما بعد، باتت هذه الأدوية المنفذَ الوحيدَ له من أجل الخروج من الحصر والشعور بالإحباط. وعلى الرغم من أنه -وعلى المستوى الشعوري- كان يحاول صادقاً تحقيق إنجازٍ يخصُّه ويخرج به من "عباءة أبيه"، بل ويثبت له بأنه قادرٌ على الاعتماد على نفسه وعلى النجاح خارج "أسوار قلعة أبيه"، وبأنه لم يعُد ذاك الطفل الأخرق المدلَّل، إلا أنَّ رغبته في السفر كانت رغبةً لاشعوريةً في إحباط أبيه.

فقد كان سفره يمثّل، على المستوى الرمزي، الطَّرْقَ بقوَّةٍ على باب الأب ومحاولة تحدّيه ومن ثم تجاوزه، ولكنه عند أول فشل وإحباط تدحرج مهزوماً ومحتمياً بحضن والدته (التي تمثّل له الماضي في هذه المعادلة الرمزية) من خلال تناول دواء يشبه الأدوية التي كانت تستعملها عن طريق وصفة طبيّة.

وبسبب غياب الأمّ أثناء سنوات سفره، كان تناول الدواء (رمزياً) بالنسبة إليه مساوياً تماماً للتكوُّر في حضن والدته! وهنا نلحظ كيف كان إدمانه الدوائيّ هو المرحلة الأخيرة التي وصلت إليها مشكلته، ولم يكن هو مشكلته الأساسية. فالمدمن هو مريضٌ نفسيّ بالدرجة الأولى، ويجب التعامل معه على هذا الأساس ومن ثم معرفة الشيء الذي سبَّب له هذه الإعاقة النفسيّة التي دفعت بسلوكه باتجاه الإدمان. لذلك كان علاجه من الإدمان يسير خطوةً بخطوةٍ مع مساعدته على النهوض مجدّداً ونفض غبار مرحلة المراهقة، وذلك بإيجاد أبٍ رمزيّ جديد يتعلَّق بطرف ثوبه ثمَّ

يقارعه ويتفوَّق عليه ليحقَّق نضجه، ولكي يستطيع الاستمرار في ممارسة حياته دون معوّقاتٍ داخلية.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.