قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يعود عنوان كتاب "الغصن الذهبيّ" لجيمس فريزر إلى الميثولوجيا الرومانية، وتحديداً إلى الأسطورة التي تقول بأنَّ "الغصن الذهبيّ هو الفرع المشؤوم من أغصان الشجرة التي تقع في مقام نيمي بإيطاليا، وهو الغصن الذي لا يمكن لأحد كسره إلَّا من قِبل عبدٍ فارّ، يتعارك مع الكاهن ويهزمه ويصبح من بعده ملكاً للغابة". يُثبت الكاتب والباحث الميثولوجيّ جيمس فريزر من خلال "الغصن الذهبي" (ترجمة: نايف الخوص) أنَّ الكثير من العادات والمعتقدات والسلوكيَّات التي نمارسها ونؤمن بها في عصرنا الحديث، ليست سوى صيرورة وامتداد لمعتقداتٍ بدائيةٍ قديمة، نرفض الاعتراف بها إلا بعد أن نقوم بإلباسها أثواباً جديدة.
ولعلَّ أبرز ما يتناوله الكتاب في هذا الشأن هو مفهوم السِّحر لدى الإنسان القديم.
فالسحر نظرياً هو فنٌّ زائفٌ، أمَّا من الناحية العمليَّة فهو عِلْمٌ زائفٌ. وقد قام هذا الفن، أو هذا "العِلْم"، لدى الإنسان البدائيّ على مبدأين اثنين، سنستعرضهما ببعض الأمثلة.
المبدأ الأول: يرى هذا المبدأ بأنَّ الشيء يأتي بمثله والأثر يشبه المؤثّر من خلال التشابه. وهذا هو الجانب التعاطفيّ من السِّحر، ويُسمَّى أيضاً بـ"سِحر التجانس". ولتوضيح هذا المبدأ وآلية عمله، كما كان يراه البدائيّ، سنقدّم ثلاثة أمثلة لثلاث حالات تُحاكي الحرب والولادة والشفاء من المرض:
1- الاعتقاد بإنزال الأذى والدمار بالخصم من خلال إلحاق الضرر والأذى بصورته! ومثال ذلك ما كان يقوم به سكان ماليزيا قديماً بأخذ عيّنة من كل جزء من جسم الشخص المُستهدف بالسِّحر والأذيَّة، كأخذ شعرة من الحاجب، ليتمّ تمثيل الرأس بها مثلاً، ثمَّ محاولة جمع هذه التفاصيل لتأخذ شكلاً قريباً من شكل الشخص المقصود مع شمعٍ مأخوذ من مشط نحل مهجور، يتمّ حرقه على منديل أو فوق سراجٍ لسبع ليالٍ كاملة، مع التلفُّظ بكلماتٍ مفادها أن ما يحترق هو "روح"
ذلك الشخص وليس الشمع! وهذا يذكّرنا بممارسات ما تزال منتشرةً في الحارات الشعبية الشرقية إلى يومنا هذا، وتُدعى بـ"الحجاب". إضافةً إلى الكثير من العادات الأخرى التي تُمثِّلُ استطالاتٍ لطقوسٍ سحريَّةٍ بائدة، كما هو الحال في مثالنا التالي.
2- عادة تمرير الجنين من طوق المرأة التي لم تُنجب طفلاً بعد، والمأخوذة عن ممارسات "سِحرية" قديمة، حيث كان يكفي أن تسحب العاقر الولد من تحت ثيابها، ليصبح بعد ذلك ابنها الشرعيّ.
3- تقليد ذبح الحيوان بعد الشفاء من المرض وإسالة الدم الأحمر، والذي كان يرمز لدى البدائيّ إلى التعافي من المرض، على العكس من اللون الأصفر لون المرض. حيث إن مريض اليرقان المُصفرّ الوجه مثلاً، كان ينظر إلى الشمس كثيراً معتقِداً أنه يُعيد بذلك اصفراره إليها! أو أنه يتبادل النظرات مع كروان الصخر أو مع طائرٍ بعيونٍ صفراء ليتخلَّص من شحوبه ومرضه! فيحلّ اللون الأحمر (رمز التعافي والصحة) بدلاً من اللون الأصفر (رمز المرض والوهن).
المبدأ الثاني: يُقرُّ هذا المبدأ بأن الأشياء التي كانت يوماً ما متَّحدةً مع بعضها فإنها تبقى كذلك دائماً، حتى بعد انفصالها الفيزيائيّ! ويُسمَّى هذا المبدأ المتمثِّل بالاتصال بـ"سِحر العدوى". وهو نوعٌ من الخرافة ما يزال سائداً إلى يومنا هذا أيضاً، متَّخذاً شكلاً جديداً في المعتقد، غير أن الجوهر واحدٌ. ولمزيد من التوضيح نقدّم هذين المثالين: 1- وضع الأسنان المتساقطة في مكانٍ قد يصل إليه الجرذ، لكي يُقوّيها بقوَّة أسنانه، ويؤثِّر في جودة الأسنان النامية الأخرى. أو أن يذهب الطفل إلى الموقد بنفسه، ويُدير له ظهره، ثم يرمي سنّه المخلوعة قائلاً: "أيها الفأر أعطِني سنَّك الحديدية، وخذ سنّي العظمية". والحقيقة أن هذا الطقس ما زال يُمارس حتى الآن، لكن بدلاً من قول: أيها الفأر، يُقال: أيتها الشمس، وبدلاً من: سن الفأر، يُقال: سن الغزال!
2- المثال الثاني مأخوذٌ عن قصةٍ حدثت في زمنٍ ليس ببعيد، وتتحدَّث عن شابّ تعرَّض لحادثٍ أدّى إلى بتر ذراعه. ولأنَّ هذا الشاب كان يعتقد بأن العلاقة بين الجسد وأحد الأطراف لا تنقطع حتى بعد القطع، ظلَّ
يعاني من ألمٍ في مكان البتر، ظانَّاً بأن سبب الألم هو يده التي أصبحت في مكان ثانٍ وليس مكان البتر! ولم يتوقف إحساسه الوهميّ هذا إلا في عيادة الطبيب النفسيّ، الذي لجأ إلى الحيلة لإيقاف الألم، وذلك عن طريق خداع اللاوعي لدى هذا الشخص. حيث طلب منه تحريك يده السليمة، ثمَّ قام باستخدام مرآة معكوسة ليوهم اللاوعي بأن اليد قد عادت إلى مكانها! وبذلك انتهت أوجاع ذلك الشابّ! وهنا نستطيع ملاحظة مدى تأثير وامتداد طقس "سِحر العدوى" في وجدان هذا الشخص! لقد كان، وما يزال، كتاب "الغصن الذهبيّ" مرجعاً عظيماً ارتكز عليه الكثير من الفلاسفة وعلماء النفس في كتابة مؤلَّفاتهم.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.