قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بقلم: محمد علوط

على الرغم من كون الأديب المغربي مبارك حسني من أبرز الأصوات الإبداعية التي تمتلك دراية قصوى بالخطاب النقدي الأدبي واطلاع بالثقافة العربية والكونية، كقارئ نهم خرافي الاطلاع، فإنه في الزمن الخاص للكتابة يتحرر من قيود الوعي النقدي، ويلج خرائط أزمنته وأمكنته الإبداعية أعزل من سلطة المفهوم والنظرية، وليس من طينة الكتاب الذين يأتون بالنص من مفاهيم نظرية كن التعريف مؤثرا الانزياح إلى ما يمكن أن نسميه ما يمكن أن أسميه أنا شخصيا الكتابة كأنها الحياة écrire comme la vie ou l’écriture de la vie .ولذلك فأي استغوار نقدي لنصوص يجب أن ينتبه إلى هذه الخاصية التي سأذكرها الآن : لا يمكن الاستغوار إلا أن يكون إصغاء عميقا لنصوصه المسكوبة من حبر يكتب وينتصب ب/وفي هوامش حياة تبتدئ من عتبات حياته الفردية وتنفتح على الأفق الرمزي المطلق، الأفق الرمزي للحياة وللوجود. وليس من قبيل الصدفة أن يختار الكاتب عنوانا مثل "حبر على الهامس" وهو عنوان شاعري جميل لكن في قصدية ميتالغة métalangue خفية مما يجعلنا نرى أنها ليست تسمية بريئة.

فالعلم القصيرة في هذه المجموعة، النواة الدلالية البؤروية فيه تتصرف بشكل نووي على صوت هوية ذات شاردة تحسم داخل فضاء وجود هامش موسوم بالإقصاء والنفي إلى درجة الاغتراب . كل النصوص تشتغل داخل الكتابة بحير الهامش.كتابة من داخل منظور ذاتي اشتمالي فردي وجماعية لهذا الهامش. في قصة "زرادشت... وهو نص يمنحنا انزياحا أولا الفضاء فيه حضور غياب حضور الذات في غيابها تساوي الحضور والغياب، حضور الذات السادة. نقرأ في النص " زرادشت في مكان بعيد" : "وزرادشت إنسان مغربي من الزمن الأخير جيء به (لاحظوا معي القهرية هنا ) ذات زوال صهدي ليلقن ثلة من الصبية بضع حروف وشيئا من الحساب، ولأنه أعزل وعازب ومسالم فقد سكن في الهامش والنأي و...) " وتتواصل صور الإحالة على الهامش أكثر وضوحا في قصة "حماية بيضاوية " تخصيصا هذه المرة بهامش اجتماعي. فجغرافية الهامش في هذه المجموعة متعددة هامش الفقر الاجتماعي المنتج لقيم العنف والعنف المضاد. فالأمر رهين بوجود عنف مضاد. كما أن هذا الهامش ينتج عنفا مضادا. وهذا النص بشخوصه الثلاثة تمثل بهامش اجتماعي التي يجوب فيها السارد أحياء الهامش.

وهكذا فإن صورة الهامش في نصوص القاص مبارك حسني مثل "سرة العين" وإرادته في مكان بعيد" تصير صورة لمن سيكولوجي. فالسيد يستغور أنا السارد كفرد معزول، وجغرافية الهامش تضيق لتحصر الدائرة الفردية للذات السادة c'est un exil psychologique لسرد الانهيارات الفردية الذاتية وتتسع كما في "حكاية بيضاوية" و "خرافة عن الخوف" ونص "ومن الحجر ما كتب" لتصير منفى اجتماعيا. وهذا ما يؤثر على دينامية السرد في المجموعة القصصية "حبر على الهامش" الذي له حركة أولى، أي له أنشوطة يتحرك بها، عمودية أي ما أسميه الرد الاستبطاني الداخلي أي انا السارد يستبطن الذاتية من

الداخل وقائم على l'introspection . ثم هناك نصوص ذات حركة ثاني هي أفقية هذه المرة، ينزاح فيها الكاتب إلى السرد الاستبطاني الخارجي الذي يستطيع الشخوص من خارج الذات لخلق تقاطعات حوارية بين أنا السارد والهويات الغيرية autres identités التي تجتلبها أحداث القصة ويمكن عقد هذا النمط من القراءة الدلالية إذا ما قارنا مثلا بين الشكل القصصي لنص قصصي هو "عند أقدام الشلال" التي نورد منها الاستدلال التالي: "ثم تغيب الحشرات لحظة لتعود... لباطني سرب مماثل من النوازع التي تتوق للضوء والاحتراف" أي أن الحركة هنا ترتد إلى الأنا "لكني أستمر في النظر وأتمثل المكان في ذاتي... وكل هذا يحزنني يذكرني بعزلتي أين توجد ذاتي إذن" . هنا نمط لحركة السرد العمودي والعزلة السيكولوجية للذات والحركة السردية égocentrique.

وفي الشمل القصصي في نص حب في بحر الليل" ذي السرد الاستبطاني الخارجي وحيث اللغة الحوارية أقوى اللغة الحوارية الدرامية. النص قائم على تقابل مرآوي بين ذات السارد وذات الصاحبة المثمثلة في زبيدة الموسم الذي تؤلف الإقامة في نفس الهامش الاجتماعي الموسم بالفقر والاخفاق والاغتصاب والدعارة والهجرة السرية. ..إلخ وهذا النص مماثل لنص "ومن الحجر ما كتب " لتشخيص لأجواء الهامش الاجتماعي الموسوم بالفقدان والإحباط وهو سرد قائم على الحركة نحو الخارج فهو يستدعي شخصا أخرى من هامش بعيد.

ومن أبرز العلامات الفارقة لتمثل الهامش، بالإضافة لما ذكرناه من هامش بسيكولوجي هامش اجتماعي، نجد الاشتغال الوافر على سيمياء الجسد الأنثوي، فهناك حوار على هذا المستوى في الكثير من النصوص ، باعتبار براديغم أو سند محوري أو محفل بلغة النقاد انطلاقا من كون الجسد الأنثوي يشكل الصيغة الأمثل للتعبير عن مجال الجذب والتوتر الحقل الهامشي le champ marginal ويشتغل عليه الكاتب بترميزه، باستعمال لغة رمزية من خلال استدعاء براديغم أو محفل الجسد الأنثوي في النصوص القصصية "حب في حديقة ما" والمرأة الجالسة" وحب في بحر الليل" و"أضغاث عاشق ورقي"، وهي النصوص القصصية الأقوى في استحضار ه. وهي تخترق بنية السرد بنية استيهامية حول الجسد الأنثوي تتوزع بين منورين متصادمين، هما المنظور العشق (الحب ) والنظر الجنسي (الشبق ) طبعا لا يتعلق الأمر هنا بنصوص تندرج في خانة الأدب الإيروتيكي، بل استعادة ذاتية لما أسميه بنية استيطانية قائمة على إقصاء الجسد بما هو المضاعفات الرمزي لإقصاء الهامش. في هذا الهامش نجد امرأة تشتغل في حانة منظفة للتواليت في قصة " المرأة الجالسة" ، مجدها في هامش المرحاض، في مكان هامشي هو الحانة، وتخدم شخوص هامشيين، حيث التواليت ترميز للجسد كنفاية. هذه المرإة المنذورة لخدمة الجسد النفاية عليها أن تعود في آخر الليل إلى زوجها في البراكة الذي هو هامش، محملة بكل إقصاءات جسدها وأجساد الهامشيين المرتادين للحانة ومثل فنيق تحاول أن تبعث في جسد زوجها استيهام الفحولة كنوع من الصراع الإيروسي الذي يخلق طقسا إشباعيا للتحرر من سطوة الهامش وقمعه لجسدها. وعلى نفس المنوال أي الصورة الإقصائية للجسد في قصة " أضغاث عاشق ورقي"، وهو في نظري المجال الأرحب لتمثل للحب الذي لا يعيشه الهامش إلا من خلال بنية استيطانية إقصائية. نقرأ في الصفحات 33 و43 : " أتيت من هناك، من بين العشب والقطرة، من القطرة الألف في سحابات السماء السابعة، من الظلال التي بلا لون ولا نور، عند أسفل المغارة البعيدة، قلت: في عينيه ولع جهنمي،

فتاي الأدمي، وربما يموت كمدا ولن يرى قمرة القرنفل والندى، كنت وددت أن التقي به في كل الأيام بلا تاريخ مسبق ولا معتمد، نعيش سويا تحليق الأقواس القزحية من فوق الجماجم والآهات. ربما ينطفئ ولن يرى رقصة البهاء الفريدة.. فقد جعلتني حوريات المغارة البعيدة أقضم تاج النسيان الناري طيلة زمن لا أدريه. لكن القلب رفض الآن.. سيقبل ملزما فيما بعد، أما الآن لما الكأس، لما كأس عشقك الجارف تكون انهرقت في الجوف، يا عشيقي الأوحد، فأنا أبوح لك والغصة في الحلقوم ضارية.. أنا حورية، ورئيس المغارة ذو العين الواحدة في الجبين يغط في سبات أيامه المحكومة.. لذا أتيتك محملة ومجذوبة بالصراخ الذي كنت تنوء بحمله منذ الليلة الأولى.. لكني أعرف أني حورية أنا، والمغارة لا ترحم الهاربين منها.. لا ترحم.. لا ترحم..". هنا تصل البنية الاستيهامية الإقصائية نحو تخوم الاستعارة الأسطورية.

ناقد أدبي