الصورة: الوهم- فلاح الجواهري 2003


كان رصيف رسو ( ميستراديـس ) مزدحما بعربات باعة الاطعمة ونوتية المراكب والحمالين واكداس البالات والبراميل والاكياس المعدة للشحن وذلك اللغط الكبير بمختلف اللهجات المحلية والاجنبية يلتف حول كل شيء فيزيد الفوضى الغريبة باجواء غير مفهومة غامضة لكنها لا تخلو من سحر البهجة والغموض ومداخل الاكتشاف الجديد.
ساعات الرسو غير قليلة ، تستغرق النهار كله ، ولكن الخوف من العوائق غير المحسوبة في ازقة وشوارع المدينة الكبيرة تقضي على روح المتعة عند الشاب- الصبي ، ذو البدلة الانيقة والرباط الحريري ، في استكشاف المدينة الشهيرة .. انها الاسكندرية لاغير .

" المهمة الاساسية : اولا البحث عن قنينة حبر .. المدينة ثانيا.. " ..

الشوارع المحاذية للميناء تكثر فيه المطاعم وحوانيت التحف المصرية المقـلدة وباعة الملابس البلدية المحلية التقليدية واكشاك للصحف والمجلات بينها ابنية فنادق متقادمة وبنسيونات .. لامحل لبيع القرطاسية على مسار طويل قرب الميناء ..
_ يا معلم !! تسمح تدلني من فضلك على محل لبيع القرطاسية ؟
سألتُ اول عابر سبيل ، رجل اسمر ضخم بقفطان وجلابية غامقتين وطرحة وطاقية مزركشة .. شارباه الكثان يغطيان كامل شفته العليا وجزءا من السفلى
_ كرادسية ايه يا افندم .. كرداسيه يعني ايه بالمصري ؟
_ يعني يا عم ، بتاع ورق واإلام ودفاتر ..ده انا عايز إزازة حبر !
نظر من عل من بين شاربيه الكثين الى الصبي الانيق ادناه ، وتردد برهة قبل أن يسأل :
_ دانته نازل دالوكيت من بواخر المينا ؟
_ ايوه ياعم .
_ وعلى فين الكصد انشا الله ؟
_ لندن ..للدراسة .
_ ورايح لبلاد الخواجات وحديك ؟
_ ايوه ياعم .
تمهل قليلا قبل ان ينظر بامعان الى الشاب – الصبي المهندم ..ثم التفت ونظر حواليه وكأنه يحاذر شيئا ..ابتسم وقال :

_ آه .. مفهوم يا افندم .. بس هنا ما فيش كراديس في الشارع ده .. وَرايَهَ وانا حا دلك .
بعد بضع خطوات في الشارع الذي كنا نسير فيه ، انعطف بخطوات كبيرة الى زقاق غير وسيع .. اشار اليّ بأن اتبعه ..
.. قطع مسافة غير قليلة قبل أن ينعطف الى زقاق اضيق ..ثم الى زقاق آخر اكثر ضيقا ببيوت متداعية تبدو وكأنها مهجورة ..
..بين الحين والآخر كان يدير رأسهو ينظر الى الخلف ليتأكد اني اسير خلفه ويكرر اشارته لي بالمتابعة ..
خلال فترة اكثر من عشرة الدقائق التي قطعناها ، كان يسير بخطى كبيرة عجلى وكانه يقطع الازقة وحده، وان الشخص الآخر الذي يسير خلفه لا علاقة له به .

..كانت الازقة الضيقة الاخيرة خالية من اي بشر او اي معلم للحياة ، وكلما انعطفنا الى زقاق جديد ، ازداد اقفارالمكان ووحشته ..لم نقابل جنس مخلوق واحد في العشر دقائق الاخيرة من الازقة الاخيرة والتي تبدو وكأن آهلوها هجروها على عجل بعد طاعون مفاجيء مرعب مميتْ ..
" اين أنا ؟! ..اي مخزن للقرطاسية في هذه المفازة القفراء الموحشة ؟!! ..اهي وراء هذه الابواب المكسرة في البيوت الخربة !، أم في عتمة هذا الدهليز المليء بالنفايات ..أم خلف هذه الجدران المقشرة احجار قواعدها باحماض البول التي مسحتْ بعضا من الخط البدائي ( البول هنا للحمير ) " .. ..ازدادت رائحة البول العطنة .
..تباطئتْ خطواتي وازدات دقات قلبي وتسارعتْ واخذتُ اسمع ضجيجها في اذنيّ و تكاثفت غيمة الخوف الغريزية المجهولة ..
.. " اي محل قرطاسية في هذا المواات الموحش !؟ "
..تباطئتُُ اكثر ، ثم اكثر ، لتصبح المسافة بيني وبين هذا ( الطنطل ) الصعيدي المرعب اكبر فاكبر ..
ما ان إنعطفَ في الزقاق التالي ، حتى استدرت وركضت عائدا بين متاهة الازقة الخالية وكأن الجن تطاردني ضاجة صاخبة..
..لم اعد اسمع الا صخبا لا اعرف مصدره..
.. تضببتْ عيناي حتى اضحت غشاوة سرابية لا أميز من خلالها الا مصدر الضياء ..
..اركض مشدوها سعيا وراء فسحة ضياء اكبر لزقاق اكبر ..لزقاق يقود الى الشارع ..
..اصبح الشارع الذي كنت اسعى الى ايجاده هدفا بعيد المنال ..هدف نجاة..هدف حياة..قمة امنية لا اعذب منها في الكون..
.. علي ان اتشبث بكل ما لدي من عزم الخوف والهرب للوصول اليه ..الشارع هو الضوء ، الشارع هو الناس ، الشارع هو الامل ، الشارع هو الحياة .. ..لاشيء آخر اريد في هذه الدنيا الا الشارع ..
.." أُركضْ ..لا تلتفتْ ! " ..
.." أركضْ وإن انقطع النَـفَـس ! "..
..ا" ُركضْ الى اية فسحة أكبر للنور ! . ".
.." نور أكبر ، زقاق اكبر .. نور اكبر ، أمل اكبر !! "
.. "اُركضْ اشد واسرع !! " ..

..ها هي فتحة ضياء تلوح من بعيد عند آخر الزقاق الوسيع تطل من خلالها عمارات الشارع ..
..هنالك فرد .. هنالك فرد آخر المحه يسير من بعيد على الرصيف ..
..اريد ان اصرخ مستنجدا وانا اركض طائرا فيختنق صوتي .
..أصل الشارع أخيرا .
..استند بذراعيّ على جدار مبنى في ركن الزقاق من الشارع ..بصعوبة بالغة استطيع اخيرا من أن اسحب نَـَـفـَسأً عميقا احسه يحرق زوري وصدري ..أظل زمنا مستندا على الجدار .. اجلس على عتبة بناية مجاورة ، استعيد بصري وأنفاسي .
..أنظر الى روعة ما حولي ..
.. الشارع الضيق بابنيته العتيقة مهترئة الصباغ..
..اكشاك خشبية تبيع قلائد زجاجية ومسابح رخيصة ومناديل ملونة..
حوانيت صغيرة بعضها استـُبدل زجاج نوافذها المهشمة بصور أم كلثوم وهند رستم ..
مطاعم بلدية تفوح منها عطور عذبة شهية.. رائحة فول وطعمية وكُشري ..
.. اكوام قمامة صغيرة ملونة متناثرة هنا وهناك تنكش فيها النوارس البيضاء المتلامعة بنشاط وعبث مرح ..
.. بين السابلة تسرح بعض الكلاب السائبة تتقافز على بعضها لاعبة بين الحين والآخر بنباحات مرحة او كزكزات غضب مفتعل..
..افراد قلائل يمشون مسرعين اومتراخين بكسل على الارصفة ..
.. آخرون يعبرون الشارع من هذا الجاني للآخر بفوضى بديعة تمتزج متناغمة بتعرجات الحافلات المارة بينهم..
.. موسيقى ابواق السيارات المتعالية تتسابق في العزف ..
يا لمتعة الامان بين الصخب ..بين حشد الناس ..بين الفوضى ..بين عبث عناصر الحياة الحلوة..
اقف بهدوء مواجها أحد المارة الافندية
_ يا فندم !! تسمح تدلني من فضلك ..
أتذكّـرُ وابتسم ..أعيد السؤال :
_ تسمح تدلني من فضلك على الشارع اللي بيوصَّـل للمينا