عصام الجردي
فرنسا نيكولا ساركوزي، تبدي هي الأخرى تحفظاً على السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، في ما يتصل بارتفاع سعر صرف اليورو على الدولار الأمريكي. سلف ساركوزي الرئيس السابق جاك شيراك، كان انتقد ضمناً أكثر من مرة السياسة النقدية للمركزي الأوروبي. هذه المرة يطالب ساركوزي علناً من خلال رئيس الوزراء فرانسوا فيون، باجتماع القادة السياسيين في منطقة اليورو، لمناقشة السياسة النقدية، على وقع الضرر الذي بات يخلفه ارتفاع اليورو على صادرات فرنسا. وتالياً، على معدلات النمو في منطقة اليورو.

لم تنتظر المستشارة الألمانية انجيلا ميركل طويلاً. فأعلنت رفضها لمبدأ الاجتماع السياسي لمناقشة السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، وشددت على تمسكها بقوة باستقلالية قرار البنك عن القرار السياسي.

ldquo;الجميع يتحدث عن مساوئ ارتفاع سعر صرف اليورو، لكن لا أحد يتحدث عن محاسن قوة العملة التي ستعزز مكانة أوروبا الاقتصاديةrdquo;. قالت ميركل. قبل نحو عام كتبنا في هذه الزاوية ان ldquo;البنك المركزي الأوروبي سيكسب الرهانrdquo; حصل ذلك واقعاً في عام ،2007 انما المعطليات مختلفة نسبياً مع مطلع عام 2008 خصوصاً في ما يتعلق بتباطؤ اقتصاد منطقة اليورو. لا يعني ذلك قطعاً، ان التباطؤ الاقتصادي، وهو نسبي في أي حال، سيمس استقلالية البنك المركزي الأوروبي. أو سيحد من حريته في قرارات السياسة النقدية، ومعدلات الفائدة خصوصاً. فالأمران مختلفان كلياً، انما لا يمكن ان يستمر ارتفاع سعر الصرف اليورو وتراجع سعر صرف الدولار الأمريكي بلا حدود، ويبقى البنك المركزي الأوروبي بلا حراك، ذلك ان السياسات النقدية في أي بلد، تبنى بالأولية لخدمة أهداف اقتصادية كلية، من ركنين أساسيين: زيادة النمو وتحفيز الاستثمار من جهة، وصيانة دخول الأفراد والمدخرات الوطنية بالحفاظ على قوتي النقد الشرائية والتحويلية من جهة ثانية. أشد الحالات حرجاً لقرارات السياسة النقدية للمصارف المركزية، تأتي في زمن المفاضلة بين أهداف السياسة تلك، أو الجمع بين الركنين المذكورين في وقت واحد، الأمر الذي يستدعي توازناً بميزان الذهب. أما أسوأ ما في تلك الحالات، فهو تداخل السياسة السياسية في السياسة النقدية، وتوسل الثانية لخدمة أغراض الأولى. من هنا أهمية استغلال السياسات النقدية وقرارات المصارف المركزية عن ترهات السياسة وحساباتها. وأهمية اختيار رؤساء المصارف المركزية ومحافظيها، من بين أهل الكفاية علماً وشفافية وقدرة على اتخاذ القرارات، والدفاع عنها في وجه الساسة والحكومات. انما ودائما في اطار السياسات الاقتصادية الكلية للحكومات، وهياكلها الدستورية، ومناقشة مقرري السياسات النقدية، ومساءلتهم في مجالس النواب ومؤسسات الرقابة وما إليها. أما والموضوع النمو في منطقة اليورو.. والتباين في الموقف من السياسة النقدية بين قطبي المنطقة المقررين ألمانيا وفرنسا، فتجدر الاشارة باعجاب إلى هذا المستوى من الرقي في العمل المشترك داخل منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي عموماً. إذ ان رئيس البنك المركزي الأوروبي الفرنسي جان كلود تريشيه، لا يحابي في قراراته حكومة موطنه الأصلي. وحيث يبدو موقفه أميل إلى المستشارة الألمانية في موضوع قوة اليورو وسعر الفائدة الأوروبية، من دون أن يتقصد ذلك، فلكي يحتفظ بحقه في استقلالية قراره حين يكون في الاتجاه المعاكس. مرة ثانية يقصف كلود تريشيه هذا الموقف، الذي يحصن العمل الأوروبي المشترك، وخليق باقتفاء أثره في العمل العربي المشترك، ومشاريعه ومؤسساته. وكانت المفوضية الأوروبية خفضت أخيراً توقعات النمو في منطقة اليورو إلى 2،2 في المائة في عام 2007 من 2،6 في المائة، وبدا ان الاقتصاد الألماني، الذي تباطأ نسبياً هو الآخر، قد يحتفظ بنحو 2،5 في المائة نمواً في عام 2007. لكن معدل البطالة في ألمانيا تراجع في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2007 إلى 8،1 في المائة لقاء 9،6 في المائة في الفترة نفسها في عام 2006. وإذا كانت الصادرات الألمانية قد تجاهلت ارتفاع سعر اليورو في عام ،2007 بدليل انها بلغت حتى نوفمبر/ تشرين الثاني منه تريليوناً و300 مليار دولار أمريكي، بيد ان المؤشرات الاقتصادية الألمانية نفسها تنبئ بتعديل مسار الاقتصاد في حال استمر اليور في الارتفاع، ودخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة الركود أو التباطؤ الكبير. فقد أظهر مؤشر معهد البحوث الاقتصادية الألماني المعروف اختصاراً ب ldquo;زد. اي. دبليوrdquo; تراجعاً حاداً في ثقة المستهلك الألماني في يناير/ كانون الثاني الماضي إلى ناقص 41،6 نقطة لقاء ناقص 37،2 نقطة في ديسمبر/ كانون الأول عام 2007. في حين ان فرنسا تشكو منذ فترة تراجعاً ملحوظاً في صادراتها الصناعية وترد السبب إلى قوة اليورو.

ما تكابر حياله دول منطقة اليورو، وقد أصبحت خمس عشرة دولة بدءاً من عام ،2008 بعد انضمام قبرص ومالطا، ان تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي، قد خفض حجم الفاتورة النفطية المقومة بالعملة المذكورة. إلا ان هذا العامل على أهميته قد يكون غير كاف، وايجابياته أقل من سلبياته في حال عاد الدولار الأمريكي من جديد إلى ملامسة مستوى 1،5 على اليورو. وهو ما حصل في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2007. والأرجح انه فاعل. في حينه، قد تغدو اعادة النظر في سعر الفائدة الأوروبية مسألة واردة جداً، بعدما بدأت مصارف منطقة اليورو سلسلة قيود على تسليفاتها للاقتصاد اجتنابا لخسائر، قبل معرفة المحطة التي سترسو عليها أزمة القروض السكنية الأمريكية. وما إذا كانت مفاعيلها الأوروبية قد توقفت عند الحدود التي بلغتها في الأشهر الأربعة الأخيرة.

صحافي وكاتب لبناني