باريس:&اضيف ملف مصرف بي ان بي باريبا الى طاولة المباحثات الدبلوماسية مساء الخميس بين الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ونظيره الاميركي باراك اوباما، فيما تسعى باريس للحد من العقوبات التي قد يفرضها القضاء الاميركي على المصرف.وبعد عدة اسابيع من المباحثات خلف الكواليس، اعلن الرئيس الفرنسي الاربعاء ان "واجبه" هو الاشارة الى "مخاطر العقوبات غير المتكافئة وغير العادلة" التي تهدد أكبر مصارف البلاد.ومن المفترض ان يقدم الرئيس الفرنسي حججه لاوباما خلال جلسة عشاء اساسها البحث في الازمة الاوكرانية وذلك عشية احتفالات الذكرى السبعين لانزال النورماندي.

وقال خلال مؤتمر صحافي في بروكسل في ختام اليوم الاول من اجتماعات مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى "احترم القضاء الاميركي ولكن في الوقت نفسه (...) لا يجوز ان يؤثر اي شيء على الشراكة بين فرنسا والولايات المتحدة لاننا ملتزمون في مناقشات اخرى وننتظر المعاملة بالمثل".ويشتبه القضاء الاميركي في ان المصرف انجز عمليات مع دول تخضع للحظر، مثل السودان وايران، بين العامين 2002 و2009. ويواجه ايضا احتمال تعليق انشطته في الولايات المتحدة موقتا مما سيجعل من المستحيل عليه القيام بعمليات مصرفية بالدولار. وبحسب الاعلام الاميركي فان مصرف بي ان بي باريبا قد يواجه غرامة بقيمة 10 مليارات دولار.

وتخشى السلطات الفرنسية من ان تؤثر العقوبات على قدرة المصرف على توزيع الائتمانات، كما تتخوف من ان يفتح هذا الملف الطريق امام قضايا مصارف اخرى في اوروبا، لينتهي الامر بزعزعة منطقة اليورو.وحذرت الحكومة الفرنسية من تاثير شبيه باحجار الدومينو حيث قالت انه اذا تعثر مصرف بي ان بي باريبا، فستكون لذلك تداعيات على كل القطاع المالي وبالتالي في الاقتصاد الحقيقي.وفي مقابلة مع صحيفة لو موند الخميس قال وزير المالية الفرنسي ميشال سابان ان هذه القضية قد تثير ملفات اخرى "لدول مصارفها الكبرى عرضة لان تكون هي الاخرى معنية بالاجراءات الاميركية".والامر لا يقتصر على مصرف بي ان بي باريبا اذ ان مصارف اخرى ايضا تقع في مرأى السلطات الاميركية، وهي الائتمان الزراعي وسوسييته جنرال الفرنسيان ودوتشيه بنك الالماني بالاضافة الى الايطالي يوني كريديت.

وان كان هامش التحرك الفرنسي محدودا في مواجهة العدالة الاميركية التي تدافع عن استقلاليتها، فان السلطات الفرنسية حذرت من تأثير القضية على المباحثات الجارية حول اتفاق التجارة الحرة بين الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة.وفي هذا الصدد قال سابان ان "علينا جميعا ان نحترم تماما استقلالية القضاء. ولكننا ايضا شركاء ثقة ولا يجدر لهذه الثقة ان تهتز، ان ذلك قد يؤثر على المباحثات الجارية حول اتفاقية التجارة الحرة".

والاربعاء اكد وزير الخارجية الاميركي جون كيري ان الهدف هو حل عادل وملائم لما حصل.وقال محللون ان هناك خشية على سمعة المصرف الذي طالما بقي خارج الفضائح المالية، ولكن عليه الآن ان يستوعب اصلاحات واسعة.واوضح سابان ان "المصرف اتخذ قرارات قاسية في الداخل من اجل التكيف مع تلك الاجراءات"، مشيرا الى انه تم تسريح عدد من الموظفين المعنيين بالقضية في ظروف واضحة وصريحة.وكتبت صحيفة وول ستريت جورنال ان جدالا يدور في المجموعة المصرفية لمعرفة ما ان كانت اقالة المسؤولين ومن بينهم رئيس المصرف بودوين برو سترضي السلطات الاميركية.وقال مصدر مطلع على الملف لوكالة فرانس برس ان "اقالة برو ليست جزءا من المباحثات".وشغل برو منصب المدير العام للمصرف بين العامين 2003 و2011 قبل ان يصل الى الرئاسة، ما يعني انه معني بالتحقيقات الاميركية المتعلقة بالفترة بين 2002 و2009.

&تتدخل فرنسا على اعلى مستويات الدولة في سعي الى تخفيض الغرامة القياسية التي قد تفرض على بنك بي ان بي باريبا. لكن هامش مناورتها ضئيل امام القضاء الاميركي الذي يدافع بشراسة عن استقلاليته.وصرح المسؤول السابق في وزارة العدل الاميركية ديفيد اولمان لوكالة فرانس برس انه "ليس مرجحا ان يكون لتدخل الرئيس الفرنسي اي اثر على نتيجة تحقيق جزائي في الولايات المتحدة"."ففي الولايات المتحدة يعتبر تدخل القادة السياسيين في القضاء في غير محله"، بحسب الاستاذ في جامعة مشيغن.

واتخذ الرئيس الفرنسي موقفا حازما حيال المسألة الاربعاء مؤكدا انه سيتحادث مباشرة مع نظيره الاميركي باراك اوباما بهذا الخصوص مساء الخميس في عشاء في مطعم باريسي.ووصلت القضية القضائية البحتة الى المجال الدبلوماسي، حيث يهدد القضاء الاميركي البنك الفرنسي القوي بغرامة قياسية بسبب تجاوزه الحظر الاميركي المفروض على السودان وايران وكوبا.وفي حال تاكدت قيمة الغرامة التي افادت الصحف انها تبلغ عشرة مليارات دولار، فستكون "ذات طابع غير متناسق" بحسب الرئيس الفرنسي. واكد وزير خارجيته لوران فابيوس ان بلاده ستدافع بكل ما اوتيت من قوة عن مصرفها الاكبر على صعيد الرسملة، متحدثا حتى عن اتفاق للتبادل الحر عبر الاطلسي يجري التفاوض عليه.وعلق المدعي العام الفدرالي السابق صامويل بيويل بالقول ان "الوضع غير معهود بالكامل...من النادر جدا رؤية حكومة تنتقد حكومة اخرى على تحرك قضائي ضد شركة".وتابع الاستاذ في جامعة ديوك انه "من سخرية القدر" ان الفرنسيين كانوا اول "من انتقد الحكومة الاميركية على عدم قسوتها ازاء المصارف الاميركية" بعد الازمة المالية.

وفيما حكم على بنك كريديه سويس في اواخر ايار/مايو بتسديد غرامة بقيمة 2,6 مليارات دولار في قضية تهرب ضريبي اكد وزير العدل الاميركي اريك هولدر ان لا مصرف "فوق القوانين" مهما كان حجمه، مرحبا "باقرار اضخم مصرف بذنبه في غضون 20 عاما".هذا التصريح يحمل وزير العدل على انتزاع اقرار بالذنب من باريبا بحسب كورنيليوس هورلي استاذ القانون في جامعة بوسطن.والتحقيق الذي فتحته وكالة الضبط المصرفي في نيويورك بات بين يدي المدعي الفدرالي في نيويورك سايروس فانس الذي كان المسؤول كذلك في قضية دومينيك ستروس كان.وصرح هورلي ان "ادارة اوباما في وضع صعب ان بدلت موقفها (لصالح باريبا) فستوحي بانها تتراجع".

واضاف ان "وزير العدل يفي بوعوده مع مصارف اجنبية وليس مع مصارف اميركية"، مضيفا ان "الرئيس هولاند لن يفوت فرصة طرح السؤال المشروع على اوباما، ومفاده ان كانت بلاده تكيل بمكيالين"."عندما تكون للملاحقات القضائية تبعات جيوسياسية واقتصادية، من المبرر تماما ان يتدخل رئيس دولة" بحسب المحامي جيكوب فرنكل. وتابع "اذا كانت الحكومة الفرنسية بصدد تفكيك مؤسسة اميركية مهمة فيمكنكم التاكد من ان الحكومة الاميركية ستتدخل".وتابع المسؤول السابق في وزارة العدل الاميركية "هناك الكثير من الضغينة حول العالم ازاء الولايات المتحدة التي تنصب نفسها مامور شرطة دوليا".واضاف ان "فرض غرامة بمليارات ومليارات الدولارات من مؤسسة مالية كبرى يوجه رسالة فظيعة الى العالم حول كيف اصبحت مؤسسات الضبط الاميركية عدائية وغير مرحبة".

منذ حوالى 20 عاما انتهت اغلبية الملاحقات الجزائية التي استهدفت مؤسسات او مصارف باتفاق حبي نتج عن مفاوضات شاقة احيانا. لكن "السياسة لم تكن حيزا من الالية" بحسب المان.واضاف هورلي "اننا فخورون من استقلالية مؤسساتنا للضبط المصرفي ومدعينا العامين... وسيكون امرا صادما وغير معتاد على الاطلاق ان يرفع الرئيس اوباما سماعته ليحاول التاثير على اريك هولدر".وفيما لا يزال هولاند ينفي انه سيتدخل في العملية القضائية، طلب وزير الخارجية الاميركي جون كيري الاربعاء حلا "عادلا" و"مناسبا".في حال فشل المفاوضات فستجري المحاكمة، "ومعها تبعات كارثية هائلة& على صيت" بي ان بي باريبا، بحسب هورلي.