قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن مصر تطمح لأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة شرق المتوسط، باستيراد الغاز من قبرص ولبنان وإسرائيل ثم إعادة تصدير كميات منه، بعد استهلاك قسم منه. لكن، هل تحتاج مصر فعليًا إلى الغاز الإسرائيلي؟

نهاد إسماعيل من لندن: في بداية عام 2019، أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتز أن إسرائيل ستبدأ بتصدير الغاز إلى مصر خلال أشهر قليلة، في خطوة رئيسية ضمن خطط إسرائيل الرامية لبيع إنتاجها المتزايد من الغاز في الخارج، وتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع دول الجوار، بحسب وكالات الأنباء.

قال شتاينتز إن من المتوقع أن تصل صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر إلى سبعة مليارات متر مكعب سنويًا على مدى عشر سنوات، مضيفًا أنه من المنتظر استخدام نصف الصادرات تقريبًا في السوق المحلية المصرية، على أن يتم تسييل النصف الآخر لإعادة تصديره، وهذا هو الموقف المصري الرسمي. مؤيدو الاتفاق يقولون إن ذلك سيقوي السلام وروح التعاون بين البلدين.

ما الفائدة؟

الخطة المصرية تتضمن استيراد الغاز الطبيعي الاسرائيلي الذي سيمر بمراحل التسييل ثم تصديره لدول أخرى. نظريًا يبدو الأمر سهلًا. لكن السؤال السريع الذي يتبادر للذهن: ما الفائدة من هذه الخطوة بعد اكتشاف حقل غاز ظهر العملاق في المياه الإقليمية المصرية، ويحتوي على 30 ترليون قدم مكعب من الغاز، وسينتج ما يكفي لتغطية احتياجات مصر من الغاز؟

أُبرم الاتفاق بين شركة دولفينوس هولدينغ (شركة مصرية خاصة) وشركتي ديليك دريلينغ ونوبل إينيرجي الإسرائيليتين، في فبراير الماضي، بحيث يصدر الغاز الإسرائيلي من حقلي تامار ولفياثان البحريين بقيمة 15 مليار دولار.

وبموجب الاتفاق، تصدر إسرائيل لمصر كمية إجمالية قدرها 64 مليار متر مكعب من الغاز على مدى عشر سنوات.

لماذا تحتاج مصر إلى الغاز الاسرائيلي في الوقت الذي تنتج فيه ما يكفي حاجتها؟ قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن مصر تطمح لأن تصبح مركزًا إقليميًا للطاقة شرق المتوسط.

تشمل الخطة المصرية استيراد الغاز من قبرص ولبنان وإسرائيل ثم إعادة تصدير كميات واستغلال كميات أخرى في الصناعات المصرية.

وكانت مصر تبيع الغاز لإسرائيل بأسعار أقل من السعر العالمي قبل أن تتوقف عملية التصدير في عام 2012 بسبب أعمال إرهابية وتخريبية في شبه جزيرة سيناء.

وتقوم شركة خاصة دولفينوس المصرية بإعادة تأهيل أنابيب الغاز بين إسرائيل. ويُرجح أن تتم عملية تسييل الغاز الإسرائيلي في مصنعي تسييل في مدينتي إدكو ودمياط شمال مصر، وهما المنشأتان الوحيدتان من هذا النوع في شرق البحر المتوسط.

أثارت جدلًا

الجدير بالذكر أن إسرائيل اكتشفت مخزونات كبيرة من الغاز منذ أوائل الألفية الثالثة، ووقعت صفقات لتصديره إلى مصر والأردن. ومن المتوقع أن يزيد إنتاجها، الذي يبلغ حاليًا نحو 10.5 مليارات متر مكعب، إلى 27 مليار متر مكعب في عام 2021.

أضاف وزير الطاقة الاسرائيلي آنذاك أن إسرائيل تأمل في توقيع اتفاق لبناء خط أنابيب شرق المتوسط خلال أسابيع قليلة. ويبلغ طول خط الأنابيب 2000 كيلومتر وسيمتد من إسرائيل وقبرص إلى اليونان وإيطاليا.

وقال شتاينتز: "تصدير إسرائيل للغاز الطبيعي إلى العالم العربي وكذلك إلى أوروبا أمر كان يبدو حلمًا منذ 10أو 15 عامًا".

في سبتمبر 2018 اشترت شركات إسرائيلية ومصرية 39 بالمئة من خط أنابيب شرق المتوسط، لتمهد الطريق أمام بدء تنفيذ الصفقة.

وقال الشركاء في حقلي تمار وليفياثان إنهم سيوردون نحو 64 مليار متر مكعب من الغاز إلى شركة دولفينوس القابضة المصرية الخاصة على مدى عشر سنوات في إطار الصفقة التي أثارت جدلا في مصر، التي كانت تصدر الغاز لإسرائيل حتى سنوات قليلة مضت.
وتأمل مصر بالاستفادة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين آسيا وأفريقيا وبنيتها التحتية المطورة بشكل جيد لتصبح مركزًا لتجارة وتوزيع الغاز في المنطقة وخارجها.

اكتفاء ذاتي

كشفت تقارير إسرائيلية في أوائل يونيو الحالي عن بدء الضخ التجريبي للغاز الطبيعي إلى مصر. بدأ حقل تمار الاسرائيلي إنتاج الغاز في 2013، ومن المتوقع أن يدخل لفياثان حيز التشغيل بحلول نهاية 2019.

ويأتي بدء الضخ التجريبي للغاز الإسرائيلي إلى مصر بعد نحو 6 أسابيع من تصريحات شتاينتز، الذي قال إنه قد تجري تسوية دعوى تحكيم مع مصر بشأن توقف ضخ الغاز المصري إلى إسرائيل، مضيفًا لوكالة رويترز آنذاك أن "ثمة تفاهمًا نهائيًا بالفعل".

وفي عام 2015، أمرت غرفة التجارة الدولية مصر بسداد تعويض قدره 1.8 مليار دولار لشركة كهرباء إسرائيل المملوكة للدولة بعد توقف التصدير المصري. وطعنت مصر على القرار ولم يجرِ التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، لكن شركة كهرباء إسرائيل قالت إنها اقتربت من التوصل إلى اتفاق تُسدد بموجبه مصر 500 مليون دولار على مدى ثمانية أعوام ونصف العام.

قال مسؤولون مصريون آنذاك إن التحكيم قد يعطّل اتفاقات تجارية، في إشارة إلى استيراد الغاز من إسرائيل، وذلك على الرغم من إعلان الحكومة المصرية بشكل متكرر أن القطاع الخاص هو من يقوم بالاستيراد وليست الحكومة، فيما ترى اسرائيل أن مصر سوق مهمة لتصدير الغاز الذي اكتشفته حديثًا.

ويأتي استيراد مصر للغاز من إسرائيل على الرغم من التصريحات المصرية بشأن زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبدء التصدير فعليًا خلال العام الجاري.

وعرضت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" في مايو الماضي 13 شحنة من الغاز الطبيعي المسال للتحميل من ميناء إدكو خلال يونيو ويوليو، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر في صناعة الغاز.

وأعلن وزير البترول طارق الملا في يناير الماضي تحقيق مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز بفضل الاكتشافات الجديدة، التي كان أبرزها حقل "ظهر" في البحر المتوسط المستهدف أن تصل معدلات إنتاجه بنهاية العام الحالي إلى أكثر من 3 مليارات قدم مكعبة، ويتوقع أن يوفر نحو 40 في المئة من إنتاج مصر من الغاز.

ويبلغ إجمالي الإنتاج الحالي من الغاز الطبيعي أكثر من 6.6 مليارات قدم مكعبة يوميًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 6.8 مليارات قدم مكعبة بنهاية 2019، وفق وزارة النفط المصرية.

مركز توزيع وإعادة تصدير

الاضطرابات السياسية والأمنية التي عصفت بمصر في عام 2011 تركت أثرًا سلبيًا على الوضع الاقتصادي. حيث بحلول عام 2013 عجزت الدولة عن تسديد بين 6 و7 مليارات دولار من الديون المستحقة لشركات النفط والغاز الأجنبية.

وتراجع الانتاج ولم يكن كافيًا لتلبية الحاجة المحلية وبدأت مصر باستيراد الغاز بدل تصديره. في عام 2014 أنتجت مصر 48.7 مليار متر مكعب واستهلكت 48 مليارا. وفي عام 2015 بدأت تستورد الغاز الطبيعي المسال لتلبية الحاجة المحلية. وباتت أولويات القاهرة رفع الإنتاج وتم تحقيق بعض التقدم حيث ارتفع الإنتاج في عام 2017 أول مرة منذ سنوات. وكان مشروع شركة بريتيش بتروليوم شمال الإسكندرية الفضل في رفع الانتاج بواقع 700 ألف قدم مكعب يوميًا اعتبارًا من عام 2016، لكن هذا لم يكن كافيًا لتغطية العجز في الغاز واستمر الاستيراد لتفادي انقطاع الكهرباء.

هناك خطط لاستغلال آبار أخرى مثل حقل نوروس الذي تديره شركة إيني الإيطالية. بالاجمال، ارتفع الإنتاج المصري بواقع 50 في المئة في عام 2018 و100 في المئة في عام 2019.

وهل تستطيع مصر أن تصبح مركز توزيع هاما؟ تم توقيع اتفاقيات مبدئية مع قبرص لضخ الغاز من حقل افرودايتي لمصر ومن إسرائيل. فمصر تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي مهم، وكانت لعشر سنوات مضت تزود الدول المجاورة بالغاز.

فحقل ظهر قلب المعادلة لصالح مصر، لكن لتصبح مركز توزيع عالميا، هناك قواعد وشروط يجب التزامها، مثل تبني مبادئ الشفافية والكفاءة والتجارة الحرة وتنظيمات قوية للأسواق وبنية تحتية قوية وتحرير السوق من القيود.

التحدي الكبير لتحقيق هذا الهدف هو عدم تواجد كميات كبيرة فائضة عن الحاجة. وبحسب مصادر أسواق الطاقة العالمية، يذهب 30 مليار متر مكعب من الغاز الذي تستهلكه مصر سنويًا لتوليد الكهرباء، ومن غير المتوقع أن يتغير هذا الرقم في السنوات العشر المقبلة، وستواصل مصر اعتمادها على الغاز الطبيعي في المستقبل المنظور لتوليد الطاقة وتلبية الاستهلاك المحلي.