أحمدعبدالمنعم:مسكين هو قاطن المدينة .. يستيقظ من نومه على ضجيج يملأ الشارع .. تمتزج فيه صيحات المارة بـquot;كلاكس quot; السيارات . يداهمه الوقت واقتراب موعد العمل فيتناول افطاره بسرعة تجعل من الصعب عليه تذوق ما يأكل . يصارع زملاء العمل من أجل البقاء ويتملق رؤسائه سعيا لمكافأة تعينه على حياة قاسية البقاء فيها للأقوى .ويعود الى منزله في نهاية يومه ليجد quot;كومةquot; من الالتزامات المادية تكون كفيلة بنفاذ ما تبقى من صبره .
يسترخي على أريكة صغيرة ويغمض عينيه هربا من كل من يحيط به ليستيقظ مجددا في الصباح الباكر على السيناريو نفسه . هو ماكينة تعمل بلا توقف او راحة لا بل هو مجرد quot;ترسquot; في ماكينة كبيرة لا يعرف دوره لكنه يدرك جيدا أنه لا يملك بديلا .. تمضي الأيام وتمر السنين دون أن يكتشف قاطن المدينة تلك الحقيقة المرة الى أن يقوده حظه السعيد أو ndash;التعيس- الى رحلة سفاري خارج أسوار المدينة . حينها فقط
ستقفز تلك الفاجعة أمام وجهه وتلطمه مرارا وتكررا لتعكر صفو حياته فترة ليست بالقصيرة .
صدفة قادتني لقضاء بضعة أيام فى واحة سيوه . هناك في قلب الصحراء حيث تتراقص الكثبان الرملية المتشكلة والمصفرة بأنغام الصحراء كلما داعبتها الرياح، حيث تمتد على مرمى البصر حدائق النخيل والزيتون وتتلألأ فى قلبها البحيرات الصافية المتنوعة الملوحة لتعكس صفحتها الساكنة ذهب الأصيل في النهار ووجه القمر في الليل.الواحة تقدم كل ما يداعب مخيلة الانسان : اشجار النخيل المتعانقة حول بحيرات الماء العذبة والمالحة، كثيبات رملية عملاقة، واطلال المدن الطينية المتبقية التي تشهد على شهرة سيوة وعلو شأنها في العصور الاغريقية - الرومانية، حتى ان البعض يؤمن بوجود قبر الاسكندر الاكبر فيها.


واسم سيوه في اللغة الفرعونية laquo;شاليraquo; ويوجد بها عدة معالم أثرية يرجع تاريخها الى العصر الفرعوني والروماني ومناخها قاري شديد البرودة شتاءا وشديد الحرارة صيفا ومعتدل في الربيع والخريف ومن أهم معالمها السياحية والأثرية معبد آمون شرق مدينة سيوه وجبل الموتى الذي يضم مقابر فرعونية ترجع الى الأسرة 26 كذلك القاعدة التي توج فيها الإسكندر الأكبر وتمتاز الواحة برمالها البيضاء والتي تصلح لعمل حمامات رملية لمرضى الروماتيزم ، أما أهم العيون والآبار في سيوه : حمام كليوباترا، عين العرايس، فنطاس، ملول، والحموات. فهي ومن دون منازع من أهم واحات الاستشفاء في مصر. وكل هذا لا يمكنك الظفر به سوى في ضربة حظ ما تقودك الى هناك . فمالك عادة ما يجد سبيله الى خزنات الدولة وما يتبقى منه بالكاد يكفيك لنهاية الشهر.فعالج مرضك بنفسك ان استطعت وان لم تستطع..فتابع حياتك مريضا.

ويعتبر جبل الموتى من أهم المعالم السياحية فى سيوة ويقع على بعد كيلومتر تقريبا من البلدة وهو عبارة عن تل مخروطي الشكل يبلغ ارتفاعه نحو 50 مترا، وهو ذو تربة جيرية، ومن اسفله الى اعلاه مقابر للموتى على شكل خلية نحل منحوتة في الحجر على شكل صفوف منتظمة وطبقات متتالية. المقبرة عبارة عن دهليز مستطيل ينتهي الى فناء متسع مربع الشكل تتفرع منه فتحات لوضع الموتى، وينزل اليه بسلم بدرجة او اثنتين.وهناك أيضا مقبرة الكروكودايل، ومقبرة مسو ـ ايزيس، ومقبرة سي آمون وقد نبشت (ونهبت) هذه المقابر ، بشكل يدل على الوحشية، إما من قبل الاهالي او من قبل علماء الاثار المحليين والزوار. والفضل في اكتشاف المقابر الثلاث يعود الى ما بعد الحرب العالمية الثانية (اكتوبر ـ نوفمبر عام 1944) حين لجأ اهل quot;سيوةquot; الى جبل الموتى للاختباء فاكتشفوا المقابر الجديدة صدفة.
تاريخ قد تتعلمه في الكتب او قد تقرأ عنه بمبادرة شخصيا خجلا من جهل لتاريخ بلدك اما المعرفة عن كثب فهي منوطة بعمل مضاعف..عمل يمكنك من الذهاب مرة لا تكرار لها. هناك قد تلتقي بسائح ما يعرف عن اثار بلدك اكثر مما تعرفه بأشواط.
هو يعرف عن كثب اما انت فتدفن في مدينتك.
مسكين ذلك الشخص الذى لم يكتب له الظفر برحلة سفاري يهرب فيها الى الطبيعة حتى وان تسببت في اكتشافه حقيقة أنه مجرد ترس فى ماكينة صماء !