في رأيي إن الدافع الحقيقي لمؤامرة إياگو هو محور مسرحية "عطيل" بأكملها، وكثير من النقاد المعروفون أمثال كولردج وهازلت وسوينبيرن وبرادلي ناقشوا هذا الدافع وماهيته، وحاولوا أن يصلوا للدافع أو الدوافع الحقيقية لنذالة إياگو وشروره. ورغم ذلك فقد ظلت المسألة معلقة وموضع جدل حتى الآن، بل حتى أن كل قارئ صار يخترع دوافعه الخاصة به. وفي رأيي أن الجواب لهذه المسألة يكمن في المسرحية نفسها ولا حاجة لأي آراء غريبة أو تفسيرات مقحمة على النص كما فعل بعض النقاد.
نرى خلال المسرحية كل من عطيل وكاسيو ودزديمونة يدعون إياگو بالرجل الشريف في حين أنه بخلاف ذلك، أعتقد أن الدافع الأول لمؤامرة إياگو هو الشر الكامن فيه، فمنذ الفصل الأول حتى الأخير نراه يستعمل رودريكو لمنافعه الخاصة، وهذا الشر ليس مطلقاً كما ادعى بعض النقاد. فمثلاً يقول كولردج مفسراً شخصية إياگو بأنه "خبث لا دافع له" ويصف برادلي في محاضراته عن عطيل – في كتابه المشهور "التراجيديات الشكبيرية" عبارة كولردج بأنها مضللة ويفندها، فالشيء المهم الملاحظ أن الشر النابع من شخصية إياگو يزداد حين يرقى عطيل كاسيو، فالشر نسبي عند إياگو وليس مطلق.
الدافع الثاني هو ترقية عطيل لكاسيو بدلاً من إياگو وأستغرب أن كثير من النقاد أهملوا مسألة ترقية كاسيو كسبب لمؤامرة إياگو. ففي اعتقادي أن أي شخص كان له منصب إياگو سيكره عطيل وكاسيو وسيفكر – ولو بشكل لا واعي – لينتقم منهما. حين يسأل رودريكو إياگو (بشأن عطيل):-
قلت لي أنك تكرهه
يقول له:-
احتقرني إن لم أكن أكرههز
كما يقول إياگو عن كاسيو:-
غلام تكاد الزوجة الحسناء تكون وبالاً عليه
لم ينزل يوماً فصيلاً في ميدان
ولا يعرف من تنظيم الفرق في المعركة
أكثر مما تعرف إمرأة عانس، فيما عدا حذلقة النظريات
التي بوسع المستشارين أن يتحدثوا فيها، وهم في أرديتهم
ببراعة مثله، ثرثرة محض، دونما خبرة.
أما الدافع الثالث فهو العلاقة الجنسية المزعومة بين زوجته وبين كلاً من عطيل وكاسيو. وموقف إياگو تجاه المرأة عموماً مسألة مهمة هنا وتتحدى الآراء التي ترفض هذا العامل فإياگو يكره كل النساء، يقول إياگو:-
هيا، هيا: إنكن خارج بيوتكن طيور
أما داخل حجراتكن فأجراس، وفي مطابخكن قطط وحشية.
في أذاكن أنتن قديسات، وإذا استأتن فشيطانات
في أشغالكن المنزلية عابثات، أما في الفراش فسليطات
إن موقف إياگو تجاه دزديمونة يؤكد أيضاً نظريته عن المرأة. إنه يعتقد فعلاً أنها عاهرة ويحاول أن يثبت ذلك خلال المسرحية كلها حتى قبل بداية مؤامرته. وبالتالي فليس غريباً في أن يشكّ حقاً في زوجته إميليا.
يقسم برادلي التفسيرات حول شخصية إياگو – بعد أن يغفل جانب الحماقات العادية – لمجموعتين ويقول عن الأولى "المجموعة الأولى تحوي آراء تجعل من شكسبير كاتباً عادياً جداً، فهي تحول إياگو – بطرق مختلفة ودرجات متقاربة – إلى نذل عادي، إنها ترى أن إياگو ليس: إلا رجلاً أهين فانتقم لنفسه أو زوجاً حسب أنه أسيء إلى شرفه، فأرغم عدوه على معاناة غيرة أسوأ من غيرته". باعتقادي أن الدافعين هنا صحيحان كما فسرت أنفاً لكن ذلك لا يحط من شأن عبقرية شكسبير، ولا ينزله عن عرشه في مملكة الأدب ويجعل منه أديب عادي، أو حتى يجعل من إياگو مجرد شرير عادي. إن شكسبير صور شخصية إياگو ببراعة منقطعة النظير وبشكل مكتمل. والدوافع التي ذكرناها لا تقلل من براعة شكسبير في تصوير هذه الشخصية، بل وأرفض اعتبار برادلي لهم بأنهم دوافع غير قوية لأننا إذا أخذنا برأي برادلي حينها سيتقلص عدد الكتاب العظام وشخصياتهم الرائعة، ويتحولوا لكتاب عاديين وشخصياتهم تصبح غير ذات أهمية. فالغيرة والخيانة عناصر موجودة في كل القصص المشهورة العظيمة سواء لمسرحيات أو روايات ولكن هذا لم يحط من شأنها.
وباختصار فإن مسألة إياگو في مسرحية "عطيل" جوابها بسيط – رغم براعة تصويرها – فإياگو شرير عادي تحول لشرير كبير لظروف معينة واجهته ودوافع قوية، هذه الدوافع هي تقرية زميله كاسيو وشكه في زوجته مما عزز الشر بداخله وقاده لأن يتحول لشيطان يحيك مؤامرة قادت لحتفه.

مراجع :
-عطيل، وليام شكسبير، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا
- A.C. Bradley "Shakespearean Tragedy"