كان بودي لو أن أحدا من رجال الدين المعاصرين، أبدى رأيا في مقالة (آية السيف تصنع التاريخ وتنشر الإسلام). إما نفيا، أو تأكيدا للقول أن تلك الآية قد نسخت فعلا كل آيات الرحمة والمجادلة بالحسنى والإعراض عن الكفار والمشركين، كما ذكرت الأكثرية الساحقة من جمهرة الأئمة وعلماء المسلمين، وأجاب على الأسئلة المطروحة في نهاية المقالة، لكن أحدا للأسف لم يفعل. وقد تكون لهم أعذارهم، فإن هم أكدوا النسخ فقد يغضبون دولهم، وربما يتهمون بدعم الإرهابيين، أو على الأقل لناحية تأكيد السند الشرعي لأفعالهم. فالجهاد فريضة لا يستطيع أحد منهم نكرانها، ولذلك فضلوا الصمت والسكوت، والمثل الشعبي يقول: السكوت علامة الرضا.
ولقد تطوع مشكورا الأستاذ فائز البرازي بالتعقيب بكل كياسة ولباقة على المقال في نشرة (كلنا شركاء) التي تصدر في سوريا، لكنه تجنب الخوض في لب الموضوع، متحدثا عن مواضيع أخرى، وبضع آيات من أصل مائة وأربعا وعشرين آية لا يشكل نسخها أو عدم نسخها بآية السيف أهمية قصوى بالنسبة للموضوع الرئيس، وهو قتل الكفار أينما وجدوا، والمشركين (أهل الكتاب) حتى يدفعوا الجزية أذلاء صاغرين. ولقد أثار الأستاذ فائز البرازي في تعقيبه عدة أمور أرجو أن يسمح لي بالرد عليها.


1
يقول الأستاذ البرازي في نهاية تعقيبه:
(آية السيف .. لم تصنع التاريخ وتنشر الإسلام . بل الحرية والعدل والمساواة والتسامح ، هم من صنعوا التاريخ الإسلامي ونشروا ديننا الحنيف). انتهى.
معترضا بذلك على مقولة نشر الإسلام بحد السيف.
وأنا أرى أن أبلغ رد على الأستاذ البرازي لا بد أن يكون من واحد من أكبر وأشهر القادة الإسلاميين هو محمد عبد السلام فرج في كتابه (الجهاد الفريضة الغائبة).
يقول المذكور تحت عنوان: الرد على من يقول أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط:
(ويجدر بنا في هذا الصدد الرد على من قال إن الجهاد في الإسلام للدفاع وإن الإسلام لم ينتشر بالسيف وهذا قول باطل ردده عدد كبير ممن يبرز في مجال الدعوة الإسلامية والصواب يجيب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل ( أي الجهاد في سبيل الله ) قال: ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) . هذا الحديث في الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن أبي موسى، فالقتال في الإسلام هو لرفع كلمة الله في الأرض سواء هجوماً أو دفاعاً، والإسلام انتشر بالسيف ولكن في وجه أئمة الكفر الذين حجبوه عن البشر). انتهى قول محمد عبد السلام فرج.
وإن كان هذا الرد لا يقنع الأستاذ البرازي، فليتفضل مشكورا ويخبرنا كيف دخل الإسلام إلى مكة والطائف والجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا وبلاد فارس والأندلس. وكيف انتشر فيها؟ هل بالبعثات التبشيرية! وبالتي هي أحسن! أم بحد السيف؟


2

وما دام الأستاذ البرازي يرى أن آية السيف- كما قال- قد نشرت قيم الحرية والعدل والمساواة والتسامح بين الناس كافة، فلا بأس أن نرى شيئا من هذه الحرية والمساواة، وهذا العدل والتسامح الذي نشرته آية السيف خصوصا، وسورة التوبة عموما، في البلدان (المفتوحة). وخاصة مع أهل الكتاب الذين يستطيعون- خلافا للكفار- افتداء أرواحهم بالمال.
قال ابن كثير في تفسير الآية (29) من سورة التوبة:
(جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه "
ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال:
كتبت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى من أهل الشام:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا:
أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب.
ولا نجدد ما خرب منها.
ولا نحيي منها ما كان خططا للمسلمين.
وأن لا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل. وأن ننزل من رأينا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم ولا نأوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسا.
ولا نكتم غشا للمسلمين.
ولا نعلم أولادنا القرآن.
ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه أحدا.
ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه.
وأن نوقر المسلمين وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس.
ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر.
ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم.
ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا.
ولا ننقش خواتيمنا بالعربية ولا نبيع الخمور.
وأن نجز مقاديم رءوسنا.
وأن نلزم زينا حيثما كنا.
وأن نشد الزنانير على أوساطنا.
وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا.
وأن لا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم.
ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا.
وأن لا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء في حضرة المسلمين.
ولا نخرج شعانين ولا بعوثا.
ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم.
ولا نجاورهم بموتانا.
ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين.
وأن نرشد المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.
قال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه ولا نضرب أحدا من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان.
فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم ووظفنا على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق). انتهى.
لقد احتقر المسلون أهل الكتاب لدرجة أنهم حملوهم كل ذنوب المسلمين، ما تقدم منها وما تأخر. فالمسلم مهما ارتكب من ذنوب، ومهما كانت ذنوبه كبيرة، فإن الله يرفعها عنه ويضعها على أهل الكتاب من اليهود والنصارى!! نعم هكذا .!
جاء في صحيح مسلم – التوبة – قبول توبة القاتل وإن كثر قتله:
(‏حدثنا ‏ ‏محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏حرمي بن عمارة ‏ ‏حدثنا ‏ ‏شداد أبو طلحة الراسبي ‏عن ‏ ‏غيلان بن جرير ‏ ‏عن ‏ ‏أبي بردة ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: ‏
"‏يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على ‏ ‏اليهود ‏ ‏والنصارى"). انتهى.
ولعل الأستاذ البرازي الذي يتحدث عن المساواة لا يجهل أن الشرع الإسلامي، يؤكد:
أن لا يؤخذ مؤمن بكافر، ولا يؤخذ رجل بامرأة. وإن دية المرأة المسلمة تساوي نصف دية الرجل المسلم. وإذا كان الأمر هكذا، كيف سيكون حال المساواة بين الرجل (الكتابي- المشرك) أو المرأة الكتابية المشركة، مقارنة بالمرأة المسلمة أو الرجل المسلم؟
وأن نظام الرق الذي كان معمولا به حتى وقت قريب في الدول الإسلامية، لم يلغه الإسلام، وإن حض على العتق، إنما ألغته ومنعت العمل به منظمات الأمم المتحدة، علما أنه ما زال ساري المفعول سرا في بعض المناطق الإسلامية.
أما إن كان الأستاذ البرازي يقصد العدل والمساواة بين المسلمين أنفسهم، لا بين المسلمين والآخرين، فهذا صحيح، ولا خلاف.


3
أما الجزية التي لا يرغب الأستاذ البرازي الخوض في موضوعها، ويرى أنها موضوع آخر، كما يقول:
(وأقول : الجزية موضوع آخر ليس مكانه هنا ، لكن بإختصار : الزكاة من المسلمين والجزية على الآخرين في الدولة . الجزية ترد لبيت مال المسلمين للمساهمة بالمشاريع وللحماية والتطوير). انتهى.
أي أنه يرى في الجزية كما يرى آخرون مثله أنها ضريبة مثل أية ضريبة أخرى يدفعها المواطن للدولة الإسلامية مقابل حماية (الكتابي المشرك) وإعفاءه من حمل السلاح والذود عن حياض الدولة الإسلامية.
لكننا نرى أن الآية (29) من سورة التوبة تقول غير ما ذهبوا إليه: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
إن لفظ الجزية مشتق من الجزاء- العقاب. فهي ليست لحماية أهل الكتاب أو مقابل إعفائهم من حمل السلاح، والذود عن حياض الإسلام. لأن الوثيقة العمرية اشترطت عليهم عدم ركوب السروج وعدم حمل السلاح. بل هي (الجزية) عقاب لأهل الكتاب الذين يتمسكون بدينهم، ولا يقبلون الانخراط في دين الإسلام. أو فدية يدفعونها مقابل ذلك، جزاء ما اقترفت عقولهم أو عواطفهم أو آرائهم أو قناعاتهم، أو ما يرون أنه حق من حقوقهم. ولا أدل على ذلك، أنه يتوجب عليهم دفعها أذلاء صاغرين.
يقول القرطبي في تفسير الآية (29) التوبة، تأكيدا لهذا العقاب:
(قال ابن العربي : سمعت أبا الوفاء علي بن عقيل في مجلس النظر يتلوها ويحتج بها . فقال:
" قاتلوا " وذلك أمر بالعقوبة . ثم قال : " الذين لا يؤمنون " وذلك بيان للذنب الذي أوجب العقوبة . وقوله : " ولا باليوم الآخر " تأكيد للذنب في جانب الاعتقاد . ثم قال : " ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله " زيادة للذنب في مخالفة الأعمال . ثم قال : " ولا يدينون دين الحق " إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام . ثم قال : " من الذين أوتوا الكتاب " تأكيد للحجة , لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل . ثم قال : " حتى يعطوا الجزية عن يد " فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة وعين البدل الذي ترتفع به).
ويتابع القرطبي شرح الآية:
(قوله تعالى : " عن يد " قال ابن عباس : يدفعها بنفسه غير مستنيب فيها أحدا روى أبو البختري عن سلمان قال : مذمومين . وروى معمر عن قتادة قال : عن قهر وقيل : " عن يد " عن إنعام منكم عليهم , لأنهم إذا أخذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك . عكرمة : يدفعها وهو قائم والآخذ جالس وقاله سعيد بن جبير). انتهى.
أي إن القصد هو الإهانة والإذلال. بغض النظر عن رأي المسلمين الذين يرون أن قبولهم الجزية من أهل الكتاب هو نوع من أنواع النعم التي يغدقونها وينعمون بها عليهم.
أما الطبري فيشرح معنى (صاغرون) في الآية، كما يلي:
(وأما قوله : { وهم صاغرون } فإن معناه : وهم أذلاء مقهورون , يقال للذليل الحقير : صاغرا.... واختلف أهل التأويل في معنى الصغار الذي عناه الله في هذا الموضع , فقال بعضهم : أن يعطيها وهو قائم والآخذ جالس.... وقال آخرون : معنى قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها وهم كارهون). انتهى.
أما ابن كثير فيشرح معنى الجزية في معرض شرحه للآية التي شرّعت هذه القانون، على الشكل التالي:
(وقوله " حتى يعطوا الجزية " أي إن لم يسلموا " عن يد " أي عن قهر لهم وغلبة " وهم صاغرون " أي ذليلون حقيرون مهانون فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين بل هم أذلاء صغرة أشقياء كما جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري)


4
يقول الأستاذ البرزاي:
(إذا كان ما ذكره الأستاذ سعد الله عن نسخ ( مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة ) بآية السيف ، صحيحا ، فهذا يستدعي التفكير في سبب نزول تلك الآيات الكريمة وهي من " أساسيات الدين الإسلامي ومضمونه " طالما أن تلك الآية – آية السيف – ستنزل بعلم الله كآخر آية في القرآن وتنسخ ما قبلها ؟
ثم أن هذه الآية – بالشكل الذي تم ذكره لها – قد أوجدت ( دينا جديدا ) . لأن " مضمون الدين الإسلامي " في كليات القرآن الكريم وفي حتى تلك الآيات التي يقال أنها نسخت، يختلف جذريا عن (مضمون الدين ) الذي تحدد بعد نسخ تلك الآيات وذلك بآية واحدة . وهنا أتساءل : هل أتت تلك الآية " بدين جديد " يجب ما قبله ؟؟) . انتهى كلام الأستاذ البرازي.
أولا: لست أنا من قال إن آية السيف قد نسخت مائة وأربعة عشر أو مائة وأربعا وعشرين آية، بل هم علماء الدين والمفسرون. وفي هذا شبه إجماع، وقد ذكرت في مقالتي عددا من أسماء كبار العلماء الذين قالوا بذلك.
ثانيا: أنا لم أقل أن آية السيف هي آخر آية نزلت في القرآن. بل قلت سورة التوبة هي آخر سورة نزلت في القرآن، نقلا عن الأئمة والعلماء.
ثالثا: إن آية السيف لم تأت بدين جديد ولم تلغ مضمون الدين الإسلامي، لأن الأستاذ البرازي نفسه قد قسم تاريخ الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام إلى ثلاث مراحل. وأظنه استند في ذلك إلى سير الأحداث والوقائع التاريخية. يقول الأستاذ البرازي:
(إن ذكر تلك الآية ، يدفع الذهن إلى التفكير بمراحل ثلاث مر بها الإسلام في علاقته وتصرفاته ومواقفه من الآخرين.

آ – مرحلة الوعظ والإعراض بالتي هي أسلم ، وبالقول الحسن .
ب- مرحلة التصدي للعدوان – فقط – والعفو والصفح والمجادلة بالتي هي أحسن .
ج - مرحلة – ما أتت به هذه الآية – القتال والجهاد والقتل والغزو وإشفاء الغل ، لتشر الرسالــــة الإسلامية على الناس كافة وبجميع الوسائل .
أي : مرحلة الضعف – مرحلة التصدي – مرحلة القوة المطلقة ، التي تمكّن من العدوان حتى إن كان سببه نشر الدين .
وهنا أتساءل : هل هذا ( هدف ومضمون الدين الإسلامي ) الذي أراده الله عز وجل ، أن يكون دين سلام ومحبة وإعمار للكون ؟؟ . أولا يتناقض ذلك مع الهدف الأسمى الذي خلق آدم لأجله ؟). انتهى.
وسؤالي للأستاذ البرازي: لماذا تجد تعارضا بين آية السيف ومضمون الدين الإسلامي؟ أليس الجهاد في سبيل الله، فريضة في الإسلام، بغض النظر إن كان فرض عين أم فرض كفاية؟ ألا يعني الجهاد في سبيل الله‘ نشر الدين الإسلامي؟ وهل يحتمل معنى آخر؟ ألا يدعو الدين الإسلامي للقتال مرضاة لله؟ وهل يرضى الله إلا بنشر دينه؟
وفي كل الأحوال فإن تساؤل الأستاذ البرازي (هل هذا هدف ومضمون الدين الإسلامي؟) تساؤل طيب، عميق المضمون، ومشروع. حبذا لو تولى رجال الدين، والضالعون في العلم الإجابة عليه، وتبيان الرأي فيه.
على كل حال فإن في الإسلام، كما في باقي الأديان وجهات نظر عديدة ومتعارضة، وإلا لما كانت تلك المدارس والمذاهب التي تحول كل مذهب فيها إلى دين يكفر غيره من المذاهب والأديان. وفي الإسلام عدد من المذاهب التي تعارض- إن لم نقل تكفر وتتهم- بعضها بعضا. (الأحمدية، الصوفية، الوهابية، الشيعة، وما يطلق عليهم البعض، الخوارج أو الرافضة. ثم.. الإسماعيلية...، الدروز...، الأباضية... الخ) حتى إن الرسول (ص) يقول في حديث شريف ما معناه إن أمة الإسلام ستكون ثلاثة وسبعين فرقة، واحدة من هذه الفرق هي الناجية. (الفرقة الناجية).


5
يردُّ الأستاذ البرازي السبب في عدم وجود "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول سورة التوبة، إلى خطأ بشري ارتكبه عثمان بن عفان إذ أنه ظن- كما يقول- أن سورة التوبة من أصل آيات الأنفال فضمها إليها.
يقول الأستاذ البرازي:
(أما في سبب عدم وجود سطر " بسم الله الرحمن الرحيم " فليس لأن الرسول لم يأمر بذلك – تفسير الجلالين - ، بل لخطأ من سيدنا عثمان بن عفان حيث إلتبس عليه الأمر وحسب ( براءة / التوبة ) من أصل آيات (الأنفال) فضمها إليها). انتهى.
علما أن سورة الأنفال من أوائل ما نزل، وسورة التوبة من أواخر ما نزل. ولا أظن الأستاذ البرازي يجهل ذلك. فكيف إذن يمكن لواحد في مقام وقدر وعلم ذي النورين عثمان بن عفان أن يخلط بينهما؟
ألا يتعارض هذا القول مع قول الأكثرية الساحقة من علماء المسلمين التي تؤكد أن الله الذي أنزل القرآن، حافظ له من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.- الحجر/آية9). أي أنه لا يمكن، ولا يستطيع خطأ بشري مهما عظم، ولا بشكل من الأشكال، أن يزيد أو ينقص حرفا واحدا من القرآن لأنه في لوح محفوظ عند الله: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ . – البروج/ الآيتان 21و22).
(بل هو قرآن مجيد عظيم "في لوح" هو في الهواء فوق السماء السابعة "محفوظ" من الشياطين، ومن تغيير شيء منه، طوله ما بين السموات والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وهو درة بيضاء. قاله ابن عباس رضي الله عنهما - تفسير الجلالين).
لقد أورد بعض العلماء أقوالا مثل هذه الأقوال عن الأخطاء البشرية التي ذهبت ببعض آيات القرآن، ولم يعد لها ذكر فيه.
يقول القرطبي في تعليقه على سبب عدم ذكر ( بسم الله الرحمن الرحيم) في أول سورة التوبة.
(روي عن عثمان أيضا . وقال مالك فيما رواه ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم : إنه لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه . وروي ذلك عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة [ براءة ] كانت تعدل البقرة أو قربها فذهب منها فلذلك لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم . وقال سعيد بن جبير : كانت مثل سورة البقرة). انتهى.
وهذا القول يعني أن أول سورة التوبة قد سقطت - ولم يذكر عدد تلك الآيات - فسقطت معها البسملة.
كما نقلت أحاديث عن عائشة رضي الله عنها نحت هذا المنحى أيضا.
جاء في سنن ابن ماجة عن عائشة:
(‏حدثنا ‏ ‏أبو سلمة يحيى بن خلف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏عبد الأعلى ‏ ‏عن ‏ ‏محمد بن إسحق ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن أبي بكر ‏ ‏عن ‏‏عمرة ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏و عن ‏ ‏عبد الرحمن بن القاسم ‏ ‏عن ‏ ‏أبيه ‏ ‏عن ‏ ‏عائشة ‏ ‏قالت: ‏
‏لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏وتشاغلنا بموته دخل ‏ ‏داجن ‏ ‏فأكلها). انتهى. (داجن اسم فاعل مشتق من الدواجن).
وفي مثل هذا الاتجاه سار صاحب تفسير الجلالين، جلال الدين السيوطي الشافعي في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) باب ناسخه ومنسوخه حيث قال ما يلي:
((قال أبو عبيدة حدثنا اسمعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله. قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن ليقل أخذت منه ما ظهر. وقال: حدثنا ابن أبي مريم عن ابن لهيعة عن ابن الأسود عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبي(ص) مائتي آية فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن.وقال: حدثنا اسمعيل بن جعفر عن.. وعن.. قال لي أبي بن كعب : كأين تعد سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية أو ثلاثة وسبعين آية. قال أن كانت لتعدل سورة البقرة، وأن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت وما آية الرجم؟ قال: gt;gt;إذا زنا الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيمlt;lt;.
وقال:عن.. وعن: قرأ عن أبي وهو ابن ثمانين سنة في مصحف عائشة: gt;gt;إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون الصفوف الأولىlt;lt; قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف.
وقال حدثنا عبد الله بن صالح عن وعن.. وعن: قال: كان رسول الله (ص) إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا بما أوحى إليه. قال: فجئت ذات يوم فقال: إن الله يقول إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولو أن لابن آدم واديا لأحب أن يكون إليه الثاني ولو كان إليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب.
وأخرج الحاكم في المستدرك عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله (ص) أن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن. فقرأ: gt;gt; لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين... ومن بقيتها.. لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأل ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأل ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب وان ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن بعمل خيرا فلن يكفره lt;lt; وقال أبو عبيدة حدثنا حجاج عن.. عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها gt;gt;إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تابlt;lt; وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسيناها غير اني حفظت منها gt;gt;يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامةlt;lt;
وقال أبو عبيدة: حدثنا حجاج عن ..وعن.. قال عمر: كنا نقرأ: gt;gt;لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكمlt;lt; ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك؟ قال نعم.
قال: قال عمر لعبد الرحمن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا gt;gt;أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرةlt;lt; فإنا لا نجدها. قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن.
وقال: حدثنا ابن أبي مريم عن.. وعن.. أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك فقال ابن مسلمة: gt;gt; إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملونlt;lt; )). انتهى.
فهل يُعقل أن يكون الأمر كذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا أقام الوهابيون الدنيا ولم يقعدوها على رأس الشيخ أحمد زكي اليماني وزير النفط السعودي السابق وأحد مؤسسي أوبك. حين قال في مقال نشره في صحيفة "المدينة" السعودية عن زيارته لمكتبة الفاتيكان:
(ومن طريف ما رأيت قطعاً من الجلد كُتبَ عليها آيات من القرآن بحروف غير منقطة وقيل انه أُجريت دراسات علمية لمعرفة عمر الجلد الذي كُتبت عليه الآيات فتجاوز عمره مائتين وخمسين وألف سنة ميلادية وهذا ما قادهم إلى افتراض أن بعض كُتاب الوحي من بني أُمية لم يسلموا ما لديهم أو بعضه من آيات الكتاب الحكيم عندما جُمع المصحف في عهد الصديق رضي الله عنه وأُتلفت جميع الآيات المتفرقة التي نزلت منجمة، وأنه عندما دانت دولة الأمويين في الشام وهرب عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس حيث أقام دولة الأمويين استطاع فيما بعد نقل الذخائر ومنها تلك القطع التي كُتب عليها آيات من القرآن أثناء نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الافتراض مع كل قرائنه يقرب من الصحة). انتهى.
وقد قيلت في حق الشيخ اليماني بسبب مقالته تلك كلمات قاسية جدا، ووجهت له اتهامات كبيرة، أولها أنه يزعم بوجود نقص في القرآن الكريم.
ورد عليه الكاتب عبد الله خياط على صفحات جريدة عكاظ السعودية بالقول:
(أي صحة هذه التي لا صحة لها، وكل كتب الصحاح تؤكد اكتمال القرآن الكريم. يؤيد ذلك ما جاء في محكم التنزيل من قول رب العزة والجلال: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون").
أما السيد حمد القاضي فقال:
(لم أصدق عينيّ وأنا أقرأ فرية السيد أحمد زكي يماني على قرآننا العظيم عندما رماه بالنقص وعدم الاكتمال، تعالى كلام الله عما يقول ويزعمه. ولكن حسبنا أن من نزَّل القرآن هو حافظُه من النقص والعبث والضياع).

شكرا للأستاذ فائز البرازي الذي أتاح لي إضاءة هذه النقاط.
[email protected]