تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث
"إيلاف" تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات (14)

سمير خفاجي يعاني أزمة مالية بعد تنحية "مدبولي"

قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إيلاف" من القاهرة: يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته للنجوم ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي أصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داوود.
وتواصل "إيلاف" سرد الحكايات كما رواها في مذكراته عبر عدة أجزاء، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري، ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً الوقائع بأسماء أصحابها.

 

الحلقات السابقة من سلسلة مذكرات المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضيالحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب
الحلقة السابعة: تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجيالحلقة الثامنة: سمير خفاجي: فؤاد المهندس وُلِدَ مجدداً على مسرح "ساعة لقلبك"
الحلقة التاسعة: "خفاجي" يوثّق أزمات المسرح مع انطلاقة التلفزيون المصريالحلقة العاشرة: سمير خفاجي يؤسس فرقته وينطلق إذاعياً
الحلقة 11: سمير خفاجي يوثّق اللقاء الأول بين فؤاد المهندس وشويكارالحلقة 12: سمير خفاجي يستذكر انطلاقة عادل إمام السينمائية
الحلقة 13: "خفاجي" يستعرض مسارح التلفزيون وانطلاقة أمين الهنيدي


ملكة الإغراء.. 
ويستمر بسرده: بدات انا ومحمد دوارة كتابة مسرحية جديدة بعنوان (ملكة الاغراء) وقد شهدت الظهور الأول والأخير للفنانة ماري منيب خارج فرقة الريحاني وكانت تقوم في المسرحية بدور نجمة سينمائية وكان البطل هو الفنان محمد رضا ومعه سهير الباروني وابراهيم سعفان والدكتور شديد.
كانت ماري منيب قد اختلفت مع فرقة الريحاني فوافقت علي العمل معنا والرواية كانت جيدة. وهي أرادت أن تنجح خارج فرقة الريحاني. فبدأت البروفات لمدة ولكنها لم تكن تحفظ دورها بسرعة. وكان مفروضاً بعد انتهاء البروفات حضور لجنة برئاسة السيد أمين حماد مدير الاذاعة والتفلزيون في ذاك الوقت للموافقة علي عرض المسرحية. واتت اللجنة ورأت أن السيدة ماري منيب لا تحفظ دورها جيداً. فاضطرت اللجنةإلى تأجيل العرض لعمل المزيد من التمرينات. حتى تتمكن من حفظ دورها وبالتالي اتقانه. وهي كانت تصبر وتتحمل وفي اليوم المحدد حضرت اللجنة مجدداً لمشاهدة المسرحية التي لم تكن أحسن من سابقاتها كثيراً وتم تاجيل المسرحية للمرةِ الثالثة. ولكني أخبرتهم أن السيدة ماري منيب بطبيعتها لن تحفظ المسرحية جيداً إلا من خلال عرضها على الجمهور. فاضطرت اللجنة على الموافقة وتحدد تاريخ عرض المسرحية. 
 

وفي اليوم المحدد للعرض توجهت إلى المسرح ليلا فوفجئت من أول دخولي بكمياتٍ من الورود كثيرة جداً على باب المسرح والسلالم وطرقات المسرح حتى حجرة السيدة ماري منيب من المعجبين بفنها وفي اثناء العرض شعرت بالوجوم على وجوه الحاضرين، لم تكن السيدة ماري حافظة لدورها لكن هذا الوجوم لا يمكن ان يكون بسبب عدم الحفظ فقد شعرت بعدم الإرتياح من الجمهور لما يقدّم. وعندما أسدِلَ الستار كانت التحية فاترة عكس ما كان عندما فتح الستار. وهذا آخر ما كنت اتوقعه. فكل أعضاء لجنة القراءة أشادوا بالمسرحية، وأنا كنت أشعر أنها من المسرحيات القوية التي سيستمر عرضها لمدةٍ طويلة. فسألت نفسي: أين الخطأ وأين الصواب؟ 

والأيام التالية للعرض لم تكن أحسن حالاً من حفل الافتتاح ورغم ذلك استمر عرض المسرحية والجمهور يقبل عليها وجميع الحفلات كاملة العدد، اذ ان السيدة ماري منيب لها جمهور عريض ورصيد كبير لديهم والغريب في الأمر، أنه رغم شعور الجميع بالإحباط، إلا أن السيدة ماري لم تكن تشتكي ولم تطالب بإيقاف العرض، بل كانت تبذل كل ليلة مجهوداً كبيراً حتى تستطيع المسرحية أن تقف على قدميها، ولكن المسرحية بقيت على حالها. 
وفي اعتقادي أن احد أهم الأسباب لعدم نجاح المسرحية أن مجموعة من الممثلين المشاركين في العرض لم يكن بينهم وبين السيدة ماري التفاهم المفروض أن يكون موجوداً. فكل منهم، كان يحاول أن يظهر ولو على حساب بطلة العرض. فقد كانوا متعجلين النجاح ووجود جمهور السيدة ماري منيب، كان بالنسبة إليهم فرصة لإثبات وجودهم، حتى لو كان على حساب العرض. وهو ما يقلل من شأن السيدة ماري منيب التي أمضت الجزء الأكبر من عمرها في مسرح الريحاني حيث كان الجميع يعمل لها حساباً كبيراً. ولم يجرؤ أحد أن يتخطى حدوده معها أو يحاول إثبات وجوده على حسابها. ورغم هذا كانت السيدة ماري صامدة لا تشتكي. تأتي إلى المسرح قبل الجميع وتحترم الكل، ولم تحاول الإعتذار عن أي عرض من العروض فقد قدمت المسرحية لعدة أسابيع في القاهرة وانتقلت إلى الاسكندرية وعرضت على مسرح سيد درويش.

بعد ذلك بدأت المسرحية تُعرَض في أحياء القاهرة على المسرح المتنقل الذي أنشأه الاستاذ سيد بدير وكانت الفرق تعرض عليه في دور سينما الاحياء بالعباسية والسيدة زينب ومصر الجديدة. عرضت المسرحية في هذه الاحياء. وفي يومٍ من الأيام عُرضَت في دار سينما بحي شبرا وحضرت العرض وبينما انا في الكواليس بعد نهاية الفصل الثاني فوجئنا باحد المتفرجين في الصالة يرفع الستارة من أسفل ويطل برأسه ويقول ايه التهريج اللي بتعملوه ده يا ولاد ال***، بكيت وغادرت المسرح في حالة نفسية بمنتهى السوء. وذهبت إلى الاوتيل وكنت قد انتقلت إلى لوكاندة ايفرست بميدان باب الحديد، وجلست في حجرتي لا أريد مغادرتها، ولا الإتصال بأحد. ولا رؤية أحد. فلم أشعر بالفشل الذريع إلا في هذه المسرحية التي فشلت فشلاً رهيباً. ولم أكن أعلم أسباب هذا الإخفاق. ربما لأن ماري منيب قدمت دور الفيلن (الشرير) الذي لم يعتاده جمهورها قبل ذلك منها وربما لأسباب أخرى لم أكن أعلمها. 
كنت أتحاشى الذهاب إلى المسرح كي لا أشعر بنظرات العطف من الأصدقاء ونظرات الشماتة من الأعداء. فكنت أمضي وقتي بين حجرتي في اللوكاندة وأذهب في المساء إلى بار وديع وأقابل أصدقائي صلاح منصور وحامد مرسي لكن كنت انسانا اخر غير الانسان المتفائل المقبل على الحياة الواثق الذي لم يفارقه الامل للحظة، كنت ساهما لا اشارك الاصدقاء لهوهم وضحكهم. 

 

 

في لوكاندة الفردوس.. 
في يوم بلغني ان المسرح سيقدم مسرحيتي الأخرى بعنوان "لوكاندة الفردوس" وأنه قد تم اختيار مخرج السينما الكبير حسن الإمام الملقب بـ"مخرج الروائع". فاضطررت للذهاب إلى المسرح لاعرف ما يدور، لأجد على باب المسرح إعلانا عن قرب افتتاح المسرحية وكان كل ما هو مكتوب على الاعلان، "لوكاندة الفردوس من اخراج حسن الامام". واسم حسن الامام مكتوباً بطريقة الإمضاء التي يكتب بها اسمه في جميع أفلامه.

كانت هذه المسرحية تمثل بالنسبة لي مسألة حياة أو موت بعد الفشل الذي لم أعتد عليه في "ملكة الإغراء". وشعرت أنه في حال لم تنجح هذه المسرحية سأكون قد فشلت للأبد. وذهبت إلى الاستاذ حسن الامام وقد استبد بي القلق استقبلني الأستاذ حسن الإمام بمنزله بالزمالك. وأخذ يحدثني عن حبه للمسرح، وأنه تربى في كواليس مسرح "رمسيس". وأن هذه المسرحية لها ذكريات فنية معه، والمسرحية تُعد من أنجح المسرحيات في تاريخ المؤلف الفرنسي الشهير جورج فيدو، وكان قد قدمها للمسرح في فترة الثلاثينات الأستاذ الكبير عزيز عيد. 
ولم أكن أتصور أن يقوم بدور عبد المتجلي سليط سوى أمين الهنيدي والمسرحية من نوع الفارس الذي يعتمد على المواقف والذي يحتاج إلى إيقاع سريع فيما عدا دور عبدالمتجلي سليط فكانت طبيعة الدور بطيئة لان به عيب خلقي في نطقه. وهو محور الكوميديا في المسرحية. وفي مخيلتي أن يقوم بهذا الدور أمين الهنيدي، فكنت أتصوره في كل مشاهد المسرحية، كما أني كنت أريد استغلال نجاحه الكبير في المسرحتيين السابقتين الذي شارك في بطولتهما. ولكن لما عرضت هذا الإقتراح على الأستاذ حسن الإمام رفضه.
ولما سألته عن وجهة نظره لمن يضطلع بأدوار البطولة، وجدت تصوراً أبعد ما يكون عن خيالي. فقد كانت وجهة نظره ان يقوم بالبطولة الاستاذ صلاح ذو الفقار والسيدة ليلى فوزي وان يقوم بدور عبدالمتجلي سليط الاستاذ عبدالمنعم مدبولي. قلت له أن الاستاذ مدبولي أراه يقوم بدور الزوج الذي اقترح هو ان يقوم به الاستاذ صلاح ذو الفقار كما ان السيدة ليلى فوزي لم تكن قد عملت بالمسرح قبل ذلك، وإني أخاف على ايقاع المسرحية. فوجدته يقول أن ليلى فوزي سوف ترتدي في المسرحية آخر صيحات الموضة من بيوت الأزياء العالمية وأن هذا سيعجب الجمهور وهذا سيكون أحد اسباب نجاح المسرحية.
وفوجئت في الأيام التالية قبل إجراء التدريبات للمسرحية بالاستاذ حسن يكلف كاتب أغاني وملحن يعمل ألحان للمسرحية. فسألت أي ألحان؟ المسرحية ليست استعراضية، ولا تتحمل أي أغاني! ولكنه أصرّ على رأيه وسجّل فعلاً ثلاثة استعراضات للثلاثي المرح. وكان قد تزوج إحدى أفراد هذا الثلاثي. 

 



راجعت المسرحية وحاولت تصوّر هذه الاستعراضات في المسرحية فوجدت نسيج المسرحية يرفض هذا وان هذه الالحان ستقطع سياق المسرحية وتفقدها ايقاعها فحاولت ان اقنعه بوجهة نظري ولكنه لم يقتنع. فما كان مني إلا أن أرسلت إلى الاستاذ بدير تلغرافات أطلب منه إيقاف عرض المسرحية. طلبني الاستاذ سيد وطلب مني تفسيراً لهذا التلغراف، فشرحت له الموقف وأيدني فيه وحاول هو الآخر إقناع الإستاذ حسن الإمام. ولكنه تمسك بموقفه، مؤكداً على رؤيته للمسرحية ولا يجب أن يتدخل فيها أحد.

وبنتيجة ذلك أسنِدَ إخراج المسرحية للاستاذ عبد المنعم مدبولي وقام ببطولتها مع أمين الهنيدي والسيدة نجوى سالم في الدور الذي كانت مرشحة له السيدة ليلى فوزي وكذلك السيدة ثريا حلمي وصلاح السعدني الذي كان أول ظهور له في مسرحية "من أجل ولدي" إخراج نور الدمرداش. ولكن الجمهور عرفه من خلال "لوكاندة الفردوس" بفضل نجاحها الكبير مع وجود نجوم كبار في المسرحية التي قام التلفزيون بتصويرها. 
عرضت المسرحية على مسرح الهوسابير ولاقت نجاحاً كبيراً. وتالق الأستاذ أمين الهنيدي في دور عبدالمتجلي سليط وكان أبرز أدواره التي تُحسَب له. 

كان نجاح المسرحية بالنسبة لي انقاذاً من الحالةِ النفسية التي كنت أمر بها وعادت لي ثقتي بنفسي. كان النجاح الأسطوري لأمين الهنيدي في دور عبدالمتجلي سليط جلعه أحد فراودة المسرح الكوميدي وأصبح منافساً خطيراً لفؤاد المهندس ومحمد عوض وأصبحت المسرحيات التي يشترك فيها تحقق إيرادات عالية. وبدأت هذه المسرحيات تُعاد كثيراً وتنتقل بين المحافظات وبنتيجة لذلك أصبح الهنيدي شديد الثقة بنفسه أكثر من ذي قبل. وبدأ يعترض على الأدوار التي تشاركه في المسرحيات التالية. اذ لابد أن يكون هو مبنع الكوميديا الوحيد ويغار غيرة قاتلة إذا استطاع أحد المشاركين في هذه العروض أن يضحك الجمهور. 

ومن المواقف الطريفة لامين الهنيدي معي عندما فكرت في اقتباس مسرحية السيد بونتيلا وتابعه تأليف الكاتب الألماني بريخت وشخصية السيد بونتيلا في العرض جادة جداً وصارم جدا ولا يضحك إلا عندما يسكر. اما شخصية تابعه ماتي فقد كان يضحك طوال الوقت فقلت لامين تحب تعمل اي شخصية وبعد تفكير عميق ومقارنة بين الشخصيتين، قال اعمل الدورين! فقلت له ازاي هتعمل الدورين والاتنين مع بعض على المسرح على طول؟ فقال مش شغلي دي شغلتك كمؤلف! وطبعا لم أستطع تقديمها. وهذه المسرحية قدمها فيما بعد الأستاذ الكاتب ألفريد فرج باسم على جناح التبريزي وتابعه قفة وقام بالادوار ابو بكر عزت وعبدالمنعم ابراهيم، وكانت من إخراج الأستاذ عبدالرحيم الزرقاني.

مدبولي مديرا للمسرح الكوميدي..
عين عبدالمنعم مدبولي مديراً للمسرح الكوميدي ما أثار ضغينة الكثيرين الذين يحلمون بالمناصب وهؤلاء كثيرون في كل وقت وكل زمن في هذه الفترة كنت أكتب مسرحية بوليسي كوميدي مع الأستاذ حسين عبدالنبي ولم يكن هم حسين عبدالنبي الكتابة أو التأليف، بل كان هدفه الأول التمثيل. ورغم أنه من جيل فؤاد المهندس، بل إن فؤاد المهندس قد قام بتمثيل أهم مسرحية مثلها حسين عبدالنبي أيام الهواية في الجامعة وهي "مراتي صناعة مصرية". ما رسب في نفسه مرارة لا حدود لها. فقد كانت كل أمنياته أن يعتلي خشبة المسرح وأن يحقق شيئاً من النجاح للذين سبقوه. حيث أنه كان في فترة أحد نجوم الجامعة، ولم يكونوا هم معروفين. وبالرغم من النجاح الوظيفي الذي حققه، فقد كان يشغل إحدى ادارات شركة مصر للتأمين وكان موظفا مرموقاً، إلا أن هذا لم يكن طموحه. فقد كان مستعداً لعمل أي شي في سبيل أن يظهر على المسرح. ولم يكن طموحه أن يظهر على المسرح في دورٍ صغير، بل كان طموحه أكبر من ذلك بكثير. فهو يريد أن يكون بطل العرض المسرحي وكان يظن ان الفرصة إذا أتته سيصبح بطلاً جماهيرياً وأن نجوميته ستغطي على نجومية فؤاد المهندس ومحمد عوض. لذلك حينما انتهينا من كتابة المسرحية وجدت ان المسرحية مكتوبة باسمي واسم الأستاذ مدبولي وسيقوم حسين عبدالنبي ببطولتها مع خيرية أحمد وسمير صبري وحسن مصطفي وكان يقوم بأحد أدوارها محمد يوسف " فتوة ساعة لقلبك" وكانت المسرحية تدعى "بص شو فمين".


 

 

استبعاد محمد يوسف
بدأت البروفات وما هي إلا أيام قليلة حتى استدعاني الأستاذ سيد بدير انا وعبدالمنعم مدبولي ليقول لنا يجب استبعاد محمد يوسف من تمثيل المسرحية. حاولنا الإعتراض. فقال الاستاذ سيد هذا قرار نهائي بناء على طلب السيد الوزير وانه يجب استبعاده دون ان يعرف السبب والا يذكر اسم السيد الوزير او اسم الاستاذ سيد وأن يظهر أن ليس لهما اي علاقة بهذا الاستبعاد كيف نستطيع مواجهة هذا الموقف ومحمد يوسف صديق قديم لكلينا، ونحن نعلم ما سيصيبه من هذا الإجراء فمعنى استبعاده من المسرحية هو إبعاده عن التمثيل عموماً. فلن يستطيع أن يعمل بالإذاعة أو التلفزيون أو السينما. ففي تلك الفترة كان الإنتاج السينمائي خاضعاً للقطاع العام الذي يتبع الوزارة. ظللنا فترة أسبوع لا نستطيع مواجهة الموقف، ومحمد يوسف يستمر في التمرينات. والاستاذ سيد بدير استدعاني أكثر من مرة لمعرفة ما تم. فحاولت التنصل من الموضوع، وأنا ألقي العبء على مدبولي. فهو مخرج العرض وسيتحمله لأنني أقرب لمحمد يوسف. واخيرا استقر رأينا على مقابلة الوزير نناشده الرجوع في هذا القرار الظالم أو حتى معرفة الأسباب لهذا الإبعاد، حتى نستطيع ان نركن إليه. وذهبنا فعلاً. وما أن جلسنا أمامه حتى قال أنه يعرف سبب زيارتنا. فقال أود أن تعرفوا ان هذه وزارة إرشاد وثقافة وليست وزارة للشؤون الإجتماعية لذا فالطلب الذي جئتم من أجله مرفوض. ارتبكنا وتلعثمنا وحاولنا أن نعرف منه أسبابا ولكن دون جدوى. فاضطررنا في النهاية لمصارحة محمد يوسف، لكن طبعا بعد ان شرحنا له الموقف على حقيقته مخالفين بذلك طلب الاستاذ بدير.

استبعد محمد يوسف وظل 18 شهراً لا يعمل في أي مكان عانى خلالها الكثير. وبعد ذلك عاد إلى العمل في أجهزة الإعلام المختلفة. وكما لم نعلم أسباب خروجه لم نعلم أسباب عودته، وعُرضت المسرحية على مسرح الهوسايبر ورغم حبكتها الشديدة ومواقفها المثيرة إلا أنها لم تلاقِ النجاح المشهود.

 

عمتي إكرام وأختها إنعام..
بعد ذلك كتب حسين عبدالنبي مسرحية (عمتي إكرام وأختها إنعام) وهي مقتبسة عن إحدى المسرحيات التي تعد درسا بليغاً لكيفية الكتابة المسرحية (سم ودانتيلا قديمة) التي سبق للمسرح القومي أن قدمها باسم (سم وزهور)؟ ولكن عندما قدمت المسرحية كتب اسم مدبولي ويوسف عوف اصحاب العمل وقام ببطولتها حسين عبدالنبي ايضاً. وبعد التدريبات النهائية حضرت اللجنة برئاسة الاستاذ أمين حماد لمشاهدة البروفة النهائية لاقرار ما اذا كان العمل يصلح للعرض أم لا. وكانت المسرحية من اخراج الاستاذ مدبولي أيضاً. ولكن اللجنة بعد المشاهدة رأت أن العمل مازال يحتاج إلى جهد. فتأجل عرض المسرحية وجاءت اللجنة لمشاهدته مجدداً. ولم تقرر العرض. وفي المرة الثالثة رات ايقاف عرض المسرحية.

ولم تظهر المسرحية إلى النور وما هي إلا أيام وصدر قراراً بتنحية الأستاذ مدبولي عن إدارة المسرح الكوميدي. ولكن القرار الغريب هو منعي من العمل مع اني لست موظفاً بالمسرح. وصلتي لا تتعدى أني أكتب مسرحية وأتقاضي عنها أجراً. وهو في الحقيقة لا استطيع أن أسميه أجرا لكونه أقل من القليل. لماذا أُمنَع من العمل بعدما قدمت كل هذه النجاحات؟! لقد كان كل ذنبي أن اغلب مسرحياتي أخرجها عبدالمنعم مدبولي. والغريب في الأمر أن الاستاذ مدبولي حينما نحي عن العمل كان مشتركاً في عدد من العروض والمسرحيات. فاستعانوا به كممثل ولم يمنعوه من العمل.
وحدث ما كنت أتوقعه وهو أنني مُنعت من العمل بالإذاعة والتلفزيون. وهو قرار غير مكتوب ولكنه منفذ بكل دقة. فأصبحت بلا مورد ولم ألجأ إلى أحد المسؤولين بعد أن شاهدت على الطبيعة ما حدث لمحمد يوسف ولم تجدي معه واسطة ولا شفاعة وسلمت أمري لله.

 

 

أزمة مالية بلا عمل
وفي بداية الصيف كان الاستاذ عبدالمنعم مدبولي يقدم الحفلة الأخيرة لمسرحية (جنان وسلك ودكتور) على مسرح 26 يوليو وكان مسافراً في اليوم التالي إلى الاسكندرية لافتتاح الموسم الصيفي حيث كان سيقدِّم مسرحية "أصل وصورة". في هذه الليلة ذهبت إلى المسرح لرؤية الزملاء وأين أذهب؟ إلى أي مسرح؟ وقد أصبحت بلا عمل.
دخلت حجرة الأستاذ مدبولي في المسرح فوجدت الاستاذ علاء الديب الصحفي بدار روز اليوسف وكان قد جاء لمعرفة أسباب الإستغناء عن الأستاذ مدبولي في إدارة المسرح الكوميدي وطلب تحديد الموعد معه في اليوم التالي لعمل تحقيق صحفي عن هذا الموضوع. ولما كان الأستاذ مدبولي سيسافر في صباح اليوم التالي إلى الاسكندرية لتقديم مسرحية "أصل وصورة"، فقد اعتذر، وطلب مني الاستاذ علاء الديب أن أقابله في اليوم التالي كي يعرف مني الظروف والملابسات التي أحاطت بهذا الموضوع باعتباري أحد الطرفين المضاربين بل أنا الذي المتضرر الأكبر، اتفقنا على ان نلتقي عصر اليوم التالي في الساعة الخامسة في جروبي سليمان باشا.
استيقظت في اليوم التالي لاكتشف ان في جيبي قرش صاغ واحد ماذا أصنع به وكنت متوجهاً لمقابلة الرجل لابد أن يكون معي على الأقل خمسون قرشاً كي أستطيع أن أطلب له فنجان قهوة بقلب جامد. فسألت نفسي: هل أعتذر هاتفياً؟ هل أدعي اني نسيت؟ ولكن، كيف أترك فرصةً كهذه كي أشرح الظلم الذي لحق بي دون أي ذنب، وكيف أضحي بما حققته من نجاحات؟ بعد أن تم منعي من العمل والإبداع الذي أعشقه؟ ليس بجرة قلم ولكن بقرار غير مكتوب أصبح أنا مركوناً على الرف ولن تمضي غير مدة قصيرة وتنسي الناس مشكلتي بل سينسون إسمي أصلاً.

 



كانت درجة حرارة الجو قد تخطت الأربعين مئوية فنحن في الأول من شهر يوليو والوقت الواحدة ظهراً حينما قررت أن أذهب لصديقي يوسف عوف لاقترض منه الخميس قرشاً وكان يسكن في جاردن سيتي. وبالرغم من أزمتي المالية فقد كنت أليطا لا استعمل من وسائل المواصلات الا التاكسي، وبالطبع لم يكن معي اجرة هذا التاكسي فقررت الاعتماد على قدمي رغم شدة حرارة الشمس والمسافة الطويلة ما بين شارع رمسيس وجاردن سيتي وعاندت نفسي إلى ان وصلت منزل يوسف عوف وكل املي اشرب كوب من الماء واخذ الخمسين قرشا، ضربت الجرس مرات والباب لا يفتح سالت البواب قال لا يوجد احد بالشقة.
ماذا افعل؟ فكرت وقررت المرور على محمد عوض وكان يسكن في اول سليمان باشا بالقرب من ميدان التحرير الاسانسير عطلان ومحمد عوض يسكن الدور الخامس من احد العمارات العتيقة الأدوار فيها مرتفعة جداً. جاهدت حتى وصلت إلى الدور الخامس والعرق يتصبب مني وضغطت على الجرس وفتح الباب وحمدت ربي اني فكرت التفكير السليم سألت الخادمة عن الأستاذ محمد فقالت لي سافر إلى الاسكندرية من نصف ساعة فهو سيعرض في المساء. فقلت بنفسي يا لغبائي! كيف فات علي هذا، ألم يقل مدبولي انه سيسافر إلى الاسكندرية وعوض أحد ابطال العرض. نزلت الأدوار الخمسة وبدأت الرحلة مجدداً إلى شارع رمسيس وفي الطريق قلت لنفسي يا للغباء ان ماجدة الخطيب تسكن في نفس الاوتيل لماذا لم توفر كل هذا الوقت وتقترض منها المبلغ وهي صديقة مخلصة.
استرحت لهذا الحلّ ومشيت المشوار حتى شارع رمسيس وأصبحت في مواجهة العمارة التي بها أوتيل ايفريست. وقفت كي أعبر الشارع منتظراً توقف العربات حتى أستطيع العبور، وفجأة وجدت سيارة أمامي، صاح قائدها ازيك يا سمير؟ انت فين؟ ازيك يا صلاح وصلاح هذا هو شقيق زوج اختي قلتله رايح فين قال رايح اجيب ماما من منشية البكري وبعدها اتجه إلى الاسكندرية بلا تفكير قلت له اجي قال ساهذب لاحضر ماما وامر عليك قلت ساجهز شنطتي في دقائق وانتظرك امام باب العمارة.
اتخذت القرار المفاجئ ونسيت الموعد وعلاء الديب ما هذا القرار المتسرع غير المدروس كيف أذهب إلى الاسكندرية وليس في جيبي سوى هذا القرش المهم صعدت إلى غرفتي في الفندق واعددت حقيبتي ونزلت إلى الشارع حتى مرّ على صلاح وركبت إلى جواره والوالدة في المقعد الخلفي عزم عليا بسيجارة وكنت مدخنا شرها لكن ليس معي اي سجائر فكيف اقبل منه سيجارة وبعد دقائق لابد ان اخرج علبة سجائري الموجودة واعزم عليه بسيجارة أنا ايضا بلا منها السيجارة دي اعتذرت عن قبول السيجارة بحجة اني بطلت التدخين وبدات في شرح مضار السجائر وقلتله ربنا يتوب عليك منها ومضينا في الطريق وكلما اشغل سيجارة تمنيت لو اخذت نفسا واحدا منها.
اقتربنا من الريست هاوس وخشيت ان تتوقف لنستريح في الريست وقطعا لابد ان نشرب او ناكل شيئا فأقع في نفس المشكل الذي حاولت حله طوال النهار فقلت له اعمل معروف يا صلاح بلاش نقف في الريست عشان انا عندي معاد مهم جدا في الاسكندرية اي معاد هذا من ساعة واحدة لم يكن عندي اي فكرة عن السفر إلى الاسكندرية او غيرها المهم انه استجاب لي بل قال انه هو ايضا عنده موعد.
وصلنا الاسكندرية ها هتنزل فين؟ ايوة صحيح هنزل فين لم اكن بعد اتخذت اي قرار عن المكان الذي ساقيم فيه المهم قولت له نزلني عند توني وتوني مقهي ومطعم في كامب شيزار على الكورنيش يقع في مواجهة مسرح الريحاني وصاحبه توني صديق الفنانين جميعا وفيه يلتقون كل ليلة سواء قبل عملهم في المسارح او بعد انتهاء عملهم فالمحل مفتوح حتى الساعات الأولى من الصباح.
ما ان دخلت محل توني حتى وجدت بهجت قمر جالساً مع نبيلة السيد وبهجت قمر اسكندراني اصلا وكان يقيم مع والدته في الاسكندرية شعرت بالجوع فتناولت غذائي على الحساب طبعا، واوصلني بهجت قمر إلى محطة الرمل حيث يوجد هناك اوتيل صغير ونظئف تعود عدد كبير من الفنانين الذين يشتركون في مسارح التلفزيون الاقامة به اثناء تواجدهم في الاسكندرية للعمل فصاحبه رجل ودود بشوش الوجه يشعرك بصداقته من الوهلة الأولى يدعي زكي علام على ما أذكر .ما ان رآني الرجل حتى رحب بي وحجز لي غرفة كبيرة تطل على البحر وهكذا حلت مشكلة الإقامة. 

المزيد في الحلقة المقبلة
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


فيديو

عاصي الحلانيي: إنضمام أولادي لي في عالم الغناء ظاهرة وإنتقادات البعض حسد وغيرة
المزيد..
في ترفيه