قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

"إيلاف" من الرياض: عندما حضر الشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن إلى المشهد الغنائي السعودي كان ذلك المشهد متألقًا وناجحًا، سواء على مستوى المطربين أو الملحنين أو حتى على مستوى شعراء الأغنية، الأمر الذي صعّب مهمة النجاح على أيّ قادم جديد إلى هذا المشهد. لكن البدر سجّل حضوره فيه بتعاونه الناجح مع الفنان طلال مداح بأغنية "عطني المحبة". فقد شعر الجميع بأن هنالك شيئًا ما مختلفًا في هذا النجاح الغنائي، وأن في الأسلوب الشعري الذي يكتبه البدر تفاصيل ورؤية عاطفية غير مطروقة، وأن هنالك نكهة جديدة أُضيفت إلى الأغنية السعودية.
هذه البدايات تجعلنا نقول إن تجربته في الأغنية السعودية كانت تجربة شعرية مستقلة، ناضجة ومختلفة عن السائد محليًا؛ لأن الكلمة المغنّاة في الأغنية السعودية حينها، كانت ذات صورة شعرية بسيطة تتوافق مع ذائقة تلك المرحلة. وبقدوم البدر اختلفت الصورة الشعرية، حيث جعل العاشق في أغنية "عطني المحبة" متطلباً مستجديًا بهذه الصورة "عطني في ليل اليأس شمعة، سمعني كلمة فيها حنانك، تفرش دروبي فرحة عشانك".
وهذه الحالة الجديدة من الخيال الشعري الشاسع قابلها خيال موسيقي يتماهى معها. فأصبح بين المطربين والملحنين والبدر ذلك التناغم والانسجام الإبداعي الذي أثرى المشهد الغنائي. ولم يكتف البدر بتلك البدايات بل رفع سقف الخيال الشعري في الأغنية حتى وصل إلى خلق صور شعرية جديدة، من مثل: "قمرا ورا الليل الضرير، يدخل قمر أحبابنا مدري أنا من وين، البارحة على وجهك سريت، يوم مد لها يده، كانت الرجفة لقا، ودعت فيها الشقا وتركت بين الأصابع عطرها".

خيال البدر، المتقدم مسافات:
"ليلة تمرين عطرك السافر فضح ورد البساتين"، "حبيبي لو أيادي الصمت خذتني لو ملتني ليل، من عيوني أجيب الليل أجيبه من عيوني، قبل ميعاده، من عيوني، أنا والشوق وطيفك نرسم أبعاده"، "وجت تاخذ رسايلها... وخصلة من جدايلها وتديني جواباتي بقايا عمر بسماتي وقالت لي... فـ أمــان الله". من هذه الصور الشعرية الحالمة نجد أن البدر كان متقدمًا في لحظته الشعرية، فمن يكتب مثل هذه الصور الرهيفة في ذلك الزمن؟

لقد أسس البدر برؤيته الشعرية لمناخ عاطفي مغاير بين العشاق. "وإن ضايقك إني على بابك أمر في ليلة ألم. تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك". ومع أن قصائد البدر لا تقدم الجانب المنطقي أو الكلاسيكي في العلاقات العاطفية بل تقدم صورًا شعرية فاتنة، فنكهة الحب المبثوثة في قصائده تمثّل عالمًا مخترعًا، فيه رؤية عاطفية مبتكرة بحسب متطلب نصه الشعري. ومع كل هذه الصور الشعرية المتخيلة إلا أنه استطاع جذب العشاق الرومانسيين بكل أطيافهم. وربما من أسباب ذلك الانجذاب قصائده التي لا تقدم الحالات المتطرفة من الحب، فلسنا نلمس أثرًا للعاشق المازوشي ولا نجد حضورًا للاستبداد العاطفي من أحد طرفي العلاقة، بل إن البدر عندما يريد أن يرسم انهيار العاشق يرسمه بهذه الصورة الشعرية "لا عوّد العاشق حزين، يمشي على...". أو بقوله في أغنية تخيل: "تركتني لبرد الطريق وأنا على بابك". هذه الحالة الوسطية من المشاعر كان لها سحرها في انجذاب المتلقي إلى تلك الكلمات التي أصبحت عند العشاق مصدرًا رئيسًا للاقتباس.

البدر والأغنية الوطنية:
منذ أن قدم بدر بن عبد المحسن أغنيته الوطنية الأولى "سيوف العز" والتي لم تكن مجرد أغنية وطنية، وإنما أغنية تحمل الوعي بالحالة التي كانت عليها البلاد في تلك اللحظة، استطاع أن يقرأ المشهد في الداخل وأن يقدم الموقف الرسمي والشعبي في تلك الأغنية الوطنية وباحترافية شعرية تمزج بين رثاء الملك فيصل بن عبد العزيز، وبين الترحيب بالعهد الجديد الذي يمثله الملك خالد بن عبد العزيز، فقد كانت للأغنية الوطنية السعودية التي كتبها بدر بن عبد المحسن خصوصية ملموسة في خطابه الشعري الذي يحافظ على الثوابت الوطنية، فالمملكة هي بلاد الحرمين الشريفين، بلاد التوحيد والسُنّة النبوية ومهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم، ومحط أنظار العالم، وهو كثيرًا ما يستحضر هذا الجانب في قصائده، وهو ما أضفى على تلك الأغاني طابعًا خاصًا فنجد حضورًا للرمز الديني في أغنية "يا رافع الجبهة":
"أنتم أحفاد الصحابة وأنتم جنود الإمام كلكم عزم وصلابة دون هالبيت الحرام".
وللملك الراحل عبد العزيز، حضور مهم في الأغنية الوطنية السعودية عامّةً وفي قصائد البدر خاصةً، حيث تأخذ صورته شكل الرمز الوطني: "يا هل التوحيد والدين العزيز حدثونا... ووصفوا عبد العزيز حدثونا عن أبو تركي العظيم... حدثينا عن أبونا الفارس الشهم الكريم".
ويتماهى الخطاب الشعري في الأغنية الوطنية مع الخطاب الرسمي، لذا نجد في كثير من قصائد البدر المعاني التي تعزّز الثوابت الوطنية وتؤكد على الدفاع عن العقيدة الإسلامية:
"في يدنا كتاب الله، وفي يدنا الحسام، إخوان من طاع الله في حرب، وسلام الله معك يا بلادي". وقد تعاطى بدر بن عبد المحسن في نصه الغنائي الوطني بذكاء مع الإعلام الخارجي الذي كان يحاول استغلال بعض التفاصيل الحياتية ليرسم صورة مزيفة عن الوطن والمواطن السعودي؛ فتناول الشاعر التفاصيل نفسها باعتزاز وفخر:
"من على الرمضا مشى حافي القدم يستاهلك، ومن سقى غرسك عرق دمع ودم يستاهلك، ومن رعى صحرا الضما إبل وغنم يستاهلك".
والمفردات مثل الرمضا/ حافي القدم/ صحرا/ الظما/ إبل... تمنح الأغنية السعودية لونها المحلي الذي يكرسه الشاعر بدر بن عبد المحسن في نصه بكل اعتزاز، فيسلِّط الضوء على ثقافة المكان بكل مكوناته، فهذا الإنسان الذي عاش الحياة بصعوباتها، هو الإنسان الذي يشعر بأن هذا الوطن فوق هام السحب. إن للبدر في كتابته للقصيدة الوطنية حكايات، فهو يكتبها مرة بإحساس الشاعر فنجد الجماليات حاضرة (فوق هام السحب) حدثينا يا روابي نجد، وأحيانًا يمزج إحساس الشاعر مع الإنسان الذي يقرأ المشهد بوعي كقصيدة سيوف العز، وعندما تتطلب اللحظة الوضوح الشعري والوطني في المواقف نجده يكتب قصيدته (عوافي) حيث انتصر للوضوح في الشعر وفي لغة الخطاب وفي الموقف.

الحداثة الشعرية المألوفة:
إن هذه التجربة العميقة برغم انحيازها إلى الحداثة الشعرية، إلا أنها لم تخلق حالة من الرفض ولم يتوجس منها المتلقي، وذلك لأنها مثّلت نموذجًا للقصيدة المدهشة، فهو يكتب الشعر بأشكال شعرية مختلفة، ولكن تتجلى الأسئلة في طبيعة تلك النصوص فهل لعامل الشكل أثر في مضامين القصائد؟ وهل يبدو كلاسيكيًا وهو يكتب القصيدة النبطية؟ أم إن حداثته تظل حاضرة في تلك القصائد؟ هذه التساؤلات تقودنا إلى الاعتقاد بأنه ينتصر لروح المغامرة ولكتابة المعنى وللصورة الشعرية المبتكرة دون أن تكون له طريقته النمطية في الكتابة، لذا نجد تجريبه هو ما يحسم الأمر،
ففي أغنية "قصت ضفايرها" بدأ القصيدة بهذه الواقعية عن الحبيبة المتخيلة بذكر التفاصيل بدقة، فهي قصت "ضفايرها" وتلبس خاتمَ عقيقٍ، وتقرأ لها كتابًا يظنّ أنه كتاب شعر. "قصت ضفايرها .. ودريت/ البارحة... جاني خبر... أدري لبست خاتم عقيق... وتقرا لها كتابٍ عتيق". وفي أغنية أخرى نجده يلعب دور السارد "آخر لقانا في الخريف/ تذكري الثوب الخفيف/ والبرد... يوم خفتي علي من البرد/ وأمطار الخريف...".
إن هذه التجارب الشعرية وجدت صداها عند المتلقي عمومًا وعند صناع الأغنية على وجه الخصوص، فتفاعل معها الملحّنون والمطربون، وترجموا تلك القصائد إلى أغانٍ رائعة استقبلها الجمهور وتآلف معها.
لقد أسّست تلك القصائد لتيار شعري تأثر به كثير من الشعراء وكتبوا قصائدهم على غراره، وهو تيار اتّسم بحالة الاستمرارية الطويلة المفعمة بالإبداع المتواصل والمتألق، فأغلب القصائد التي غنّيت من مطربين مختلفين، استطاع فيها البدر الحفاظ على نكهة نصه ولم يستسلم لإغواء الأغنية في كتابة النص الغنائي، وحاول في بعض الأغاني التجريب، فذهب إلى كتابة قصيدة التفاصيل اليومية مثل: "في الشارع، عتمة ونور، زحمة، وإشارات المرور". ولكنّ تلك التجربة وإن كانت محدودة إلّا أنها أغرت الجيل الشاب من الملحنين، فنجد الملحن عزوف يخوض مغامرة موسيقية في تلحين أغنية "أعلق الدنيا" والتي تغنت بها الفنانة أصالة كما أن عبادي الجوهر كان أول من غامر في تلحين النص الغنائي المشبع بالرموز وذلك في أغنية "على الميهاف" والتجريب كان حاضرا كذلك في أغنية "أرفض المسافة". وعند طلال مداح نجد أغنية "الاختيار" وأغنية "ليلكم شمس".

البدر، ورفقاء المشوار الغنائي:
"يا عازف الأوتار، داوينا بالأشعار." عندما نتأمل هذا الشطر الذي كتبه بدر بن عبد المحسن وتغنى به طلال مداح في أغنية ( لك الله يا العاشق المحروم) نفهم أنه يبجل العلاقة ما بين الشعر والغناء. وأن ما بينهما من حتمية إبداعية تتجلى في الصورة الشعرية المدهشة والغناء الجميل، بهذه القناعة استمرت علاقة البدر مع الأغنية كل هذا الزمن الطويل. فتغنّى بقصائده العشرات من المطربين ومنهم؛ طلال مداح، محمد عبده، عبادي الجوهر، عبد الكريم عبد القادر، محمد عمر، علي عبد الكريم، عبد المجيد عبد الله، راشد الماجد، خالد عبد الرحمن، سارة قزاز، صالح السيد، عودة العودة، سعد إبراهيم، ابتسام لطفي، عتاب، أحلام، عمر الطيب، محمد السراج وغيرهم الكثير، ولحن كلماته أهم الملحّنين ومنهم؛ سراج عمر، سامي إحسان، الموسيقار طلال، عبد الرب إدريس، عبد الله محمد، فوزي محسون، طاهر حسين، محمد شفيق، غازي علي، عدنان خوج، صالح الشهري، وغيرهم الكثير. وغناء هذا العدد الكبير من المطربين لقصائد البدر يمنحنا تصورًا بأنه كان على مسافة واحدة من الجميع، وأنه أيضًا كان يدعم بنصوصه مطربين من الجيل الشاب كانوا في أول مشوارهم الفني. ربما كان شعار البدر في الوسط الفني الحياد فهو على مسافة واحدة من الجميع.


الحب في قصائد البدر:
البدر الذي يقول في أحد نصوصه الغنائية "المرايا" والتي تغنى بها الفنان عبادي الجوهر "كلنا عشاق لكن، كل واحد له حكاية". نجده يوثق هذه الرؤية في قصيدته العاطفية، وهي قصيدة لا تصنف في كل الأوقات قصيدة عاطفية خالصة؛ ففيها يتجلّى همه النفسي ليجاور همه العاطفي، وقلقه الفكري يتجاوز قلقه العاطفي. هذه الرؤية العاطفية خلقت مزيجًا من الحالات الملتبسة والمحرضة لصناع الأغنية ليرسموا بخيالهم الموسيقي أبعادَ ملامح العاشق في قصائد البدر. لهذا نجد في رسم صورة العاشق ثوابت عاطفية مشتركة في جميع قصائده ولا تتغير، ومنها اللغة السامية والتبجيل والرزانة بين طرفي العلاقة، لذا عندما يريد أن يستخدم صيغة الأمر فهو يستخدمها بهذه الطريقة الرقيقة في أغنية لين العود للفنان محمد عمر "يا قمر والقمر غصب يبين... أنجز الوعد لو ما هوب ودك". أو عندما يقدم الأمر بنكهة الغيرة "عيونك لا توريها".
وعندما يريد أن يطرح السؤال فإنه يطرحه بمثل هذا التهيب في أغنية "ليل التجافي" لخالد عبد الرحمن "هو صحيح إنك حبيبي اللي دله واستوى عندك فراقي والوصال؟". قد نعتقد أن هذا السؤال يحمل البساطة إلا أن البدر كان ينظر إليه بمهابة عاطفية، إذ جعل له مقدمات قبل أن يطرحه على المحبوب: "بسألك باللي خذى منك الوله". ثم بعد ذلك واصفًا صعوبة السؤال "آه أنا بموت من ذل السؤال".

قد يبدو العاشق في قصائد البدر حاضرًا مستأثرًا بالقصيدة، وتظل الحبيبة في الظل محجوبة أو لنقل في العتمة الشعرية، وهذا ما نجده في أغانٍ مثل أرفض المسافة ولك الله يا العاشق المحروم، وابعتذر. كما أنه قد يقدم العاشق في فجيعته العاطفية بهذه الأناقة الشعرية "مدري أنا أبكي عليك من العذاب أو أبتسم". ويطرق البدر مفردة السفر كثيرًا، لذا نجده يصف العاشق في نصه الغنائي مع راشد الماجد "المسافر راح" ... وفي أغنية "جمر غضى" يقول: "أبي سفر لليل". وفي أغنية "المزهرية"، يقول: "كنت أحلم لما ناديتك بسافر".
ونجده قدم تلك المجاهرة الشعرية التي تسكن ذاكرة الجميع عندما قال: أرفض المسافة، ومع عبادي الجوهر في أغنية "أنا أحبك" يقدم هذه التصور الفلسفي للمسافة فيقول "أملى يدك رمل وترى هذي القاع...ومدي النظر تدرين وش هي المسافة". إن السفر عند البدر لا يعني فقط الارتحال المكاني ولكنّ أبعاده أكثر من ذلك... لذا نجده مصرًا على تقديم السفر في قصائده بنكهة سينمائية.
وحتى في تقديمه للعاشق "طالبًا" نجده يقدمه في صورة شعرية خلاقة وأطياف مختلفة، إذ يقول: "عطني من أيامك نهار وباقي العمر للّي تبي، عطني في ليل اليأس شمعة، وبسمة نهار، عطني في ضياع العمر دمعة، وسكة ودار، عطني المحبة كل المحبة عطني الحياة، عطني فـهواك الصبر لا صرت قاسي، عطيني عيونك الليلة، وباكر يا عساه صدود". والعاشق عنده يطلب الأمل أيضًا، كما في أغنية "عندك أمل" التي تغنّى بها طلال مداح، فهو يقدم مواصفات محددة لهذا الأمل: "طاغي الخطا، دافي العيون، يضوي نجومي في السما، يروي بساتين الظما".
وفي قصائد البدر أحيانًا نصادف هذا الحكيم العاطفي الذي سجّل حضوره مبكراً في قصائده فهو يقول في أغنية "يا صاحبي" لطلال مداح "مسكين من قال الهوى جنه يومين ويخيّب هواه ظنه" وفي أغنية قلت المطر هذه الحكمة العاطفية: "ما للرجا في بعض الأحـوال قيمة، وما للعمى صبح ٍ ولو بات سهران". وفي قصيدة يا حابس النور يقول: "إن شلت حِملك على كتوفك بتموت محدٍ ترى يمّك".
وللبدر حكايات طربية مع السلام مع محمد عبده في يا حابس النور "سلم عسى ينجلي همك"، و مع عبدالمجيد عبدالله "سلم أبرّد السلام" ومع علي عبدالكريم "سلام يا رمش كسى باهي الخد/سلام يا ذبح القلوب الخليه/ انعم من النسمة على خدة الورد/ وأغلى سلام لو ترده عليه". ولكن ربما أرق هذه التحايا هي التي قدمها في أغنية "حبيبتي...ردي سلامي للهوى .. عذب السلام". كذلك نجده يقدم مفاهيم عاطفية في الاحتياج يقدمها بحالة تفتن المتلقي "مثل البكاء حبيبتي تحتاجني تحت الظلام ومثل الفرح حبيبتي أحتاجها وسط الزّحام".
إن كان البدر يقدم ثيمات عاطفية متعددة إلّا أن ثيمة الفراق تبقى الأعلى حضورًا في نصه العاطفي. ونلاحظ في أغلب قصائده انحيازه إلى النهايات في الحب وليس إلى البدايات، كما أنه ينحاز إلى ديمقراطية النهايات: "كان الفراق اللي تبين، الله معك". ولهذا نجده يرسم الفراق في كل مرة بصور شعرية متجددة منها تلك الصور في أغنية الرسايل "وليلة كانت الفرقا". وفي أغنية "أبعتذر" يقول: "إن الفراق جزا الفراق". وأحيانًا ينحاز إلى مزايا الحياد العاطفي وهو يقول: "أنا ما أشير بالفرقا، ولا أحدك على المقعاد". وفي أغنية "مرتني الدنيا" يرسم الفراق بهذه البساطة الموجعة "عشاق ليلة تفارقوا، وصاروا بعيد".
لقد اختزل البدر كل تداعيات الفراق في هذه الجملة "وصاروا بعيد" وفي أغنية "يا حمام ناح" نجده يرسم الفراق بطريقة مغايرة "آه، يا ويل المفارق، ضاع في ليل المفارق، والذي صبره قليل لا يفارق". والثيمات في قصائد البدر لا حد لها وليست هذه إلا نماذج لثيمات أكثر.

صورة المرأة في قصائد البدر:
من أهم ملامح التجربة الشعرية لبدر بن عبد المحسن أنها نتاج حالة من التأمل العميق في الحياة والناس وفيما هو أبعد من ذلك. هذا التأمل قاده إلى كتابة الحب بطريقة مغايرة عن السائد، جعلته يقدم صورة مختلفة للعاشق. التميز يمتد في تجربة البدر إلى صورة المرأة التي يخاطبها، منذ السبعينات، فهو يقول بكل رهافة "حبيبتي ردي سلامي للهوى". ثم تتدرج الصورة حتى تصبح في قصائده بمقام الحلم "حبيبتي يا حلم، وجه، تصوره الحروف وأتخيله، شيء أحس إنه قريب وما أوصله". وربما يكون هذا هو ما يفسر غياب الحالة الحسية تمامًا في قصائده، حيث لا يقترب من الوصف الجسدي للمرأة وأكثر ما نجده لديه في هذا الجانب إنما تعبيرات من نوع "ريانة العود، لين العود". وربما هناك استحضار محدود لشعر المرأة "هلي الجدايل".
كن في المقابل نجد استحضارًا مكثفًا للعين وتحديدًا العيون السود التي تستحوذ على هذا الجانب، وهو لا يصف ولا يمتدح جمال العين بقدر ما يرسم صورًا شعرية مبتكرة، حيث ارتباط العين بالليل "عيون الَّليل، أنا بالحيل أحب أسهر لياليها، حبيبتي يا حلوها عيونك وراء هالليل". وفي أغنية أخرى "حق العيون السود السمع والطاعة" وفي أغنية الرسايل "دمعة العين الكحيلة". وفي أغنية "انتي عيونك هالعتيم" نجد صور شعرية مبتكرة تحتاج التأمل الطويل.

بدر بن عبد المحسن لم يكن منحازًا للعيون فحسب، بل للبسمة أيضًا، فهو يفضّلها على الضحكة، فنجده في النص الأصلي من أغنية "صوتك يناديني" يقول "يا الضحكة العذبة" لكنها صارت فيما بعد "يا البسمة العذبة" وهكذا غنّيت، وقد تكررت مفردة البسمة في أغانٍ أخرى "يا ساحر البسمة، أنا حبيبي بسمته تخجل الضي، وافترقنا بلا بسمة بلا دمعة، مدري أنا أبكي عليك من العذاب أو أبتسم، وجهٍ أحبه وابتسم". ولا أدري هل هذا الانحياز للبسمة عفويٌ أم أن له دلالته الشعرية، فمن يتصور أن أغنية "الرسايل"، التي تحمل أزمة النهايات العاطفية سواء في الكلمات أو اللحن أو حتى في الأداء، تكررت فيها مفردة البسمة أربع مرات "بقايا عمر بسماتي، عرفتك بسمتي وفجري، ويا ليت البسمة ما كانت، بسمتِك عِند الرحيل".

ومن مزايا البدر أنه يكتب عن التفاصيل الأنثوية برؤيته الخاصة، فمثلًا عندما كتب عن غرور المرأة استثمر الغرور الأنثوي بجمالية شعرية "واللحظة اللي كلها صد وغرور، أشوف قبري بين عينك، وقلبك". وفي أغانٍ أخرى حضور لمفردة الغرور "كفاك غرور، يا حبي المغرور، واللحظة اللي كلها صد وغرور".

لا يحمل البدر في قصائده إدانة مباشرة للغرور، لكنه يلاطفه وقد يبجله أحيانًا أخرى. وفي المقابل نجده يعول كثيرًا على الحنان بل وينحاز له: "يا اللي حنانك نظرة بين الأهداب". وفي شطر آخر يجسده بطريقة مدهشة: "وأشرب حنانك، آه يا حنانك". والبدر أحيانًا يغامر فيخرج عن السياق النمطي الذي يقدمه الشعراء عن المرأة فيقول: "يا طفلة تحت المطر... تركض وأتبعها بنظر/ تركض تبي الباب البعيد/ تضحك على الثوب الجديد/ ابتل وابتل الشعر". وفي صورة شعرية نجده يقدم المرأة المزهوة بالنرجسية "انتي لا ما انتي معايا، لما تجمعنا الأماكن، تاخذك مني المرايا، انتي مشغولة بروحك، ما ملك عقلك وروحك، لا أنا ولا سوايا، أعطي ظهرك للمرايا وشوفي غيرك، اظهري من ليل كحلك ومن أساورك وحريرك". ولعلّ صورة المرأة القارئة لم تحضر في الأغاني العربية كما حضرت عنده "وتقرا لها كتاب عتيق، كتاب وأظنه شعر".

البدر والمفردات المفضلة:
في أحد الحوارات التلفزيونية كان بدر بن عبد المحسن يقول: "المفردة ليست مهمة ولكن من الجميل أن تجد المفردة الجميلة وتوظفها التوظيف الأجمل، وأنت مثلًا عندما تجد معنى جديدًا في الليل اكتبه، اكتبه ألف مرة، خمسة آلاف مرة ولكن بشرط أنك تطرح معنى جديدًا في كل مرة تكتب الليل". هذه الرؤية الفنية التي تمثل قناعته في كتابة المفردة الشعرية عندما نتأملها ونتأمل خصوصيتها الإبداعية وكيف لها أن تسجل حضورًا في قصائده، لتحقّق التّناغم بين رؤيته وجانب تصديقه الشعري، تجعلنا نرصد النماذج التي تمثل هذا الرأي، لنجد العديد من تلك المفردات التي تدعم هذا التصور الذي يؤمن به البدر في التعاطي مع المفردة الشعرية:
مفردة الهوى من المفردات المفضلة والحاضرة عند أغلب الشعراء ولكن كيف يكتبها بدر بن عبد المحسن؟ في أغنية "من زعلك" والتي تغنّى بها عبد المجيد عبد الله وهي من ألحان صالح الشهري سنجد هذا التعبير المتوجس "هذا الهوى الله يكفيني شره". أما أغنية "أبعتذر" والتي تغنّى بها محمد عبده ولحنها عبد الرب إدريس فتعكس التمني المبتكر "ليت الهوى وانتي، كذب".
وكان في بداياته مع طلال مداح قد كرّس هذه القناعة في مفردة الهوى "من قال الهوى جنة، يومين، ويغير هواه ظنه". وفي أغنية "صابني" أيضًا التي غناها طلال مداح نجده بهذه الكلاسيكية يستحضر مفردة الهوى "صابني بالهوى سهم العيون". وفي أغنية "عز الكلام" سنجده يقدم هذا الوصف الجميل "وعز الهوى حتى على أهل الهوى". أما مع راشد الماجد في أغنية "أنفاس" فقد كان للهوى هذا الحضور"لأجل الهوى عذبونا الناس".

وإذا كانت مفردة "الهوى" مفردة يشيع حضورها في القصائد والأغاني فإن مفردة ”الكذب“ مفردة يتحاشاها أغلب الشعراء، وعندما تحضر عندهم فهي تحضر في حالتها الهجائية، لكن البدر يحاول دومًا تلطيف معناها، وتخفيف دلالتها لتأتي في حالة شعرية فقط، وإن بصيغٍ كثيرة، ففي أغنية "أبعتذر" يقول في لطافة العاشق الواهم الذي يريد للأشياء التي كانت ألّا تكون:

ليت الهوى وانتي كذب". وفي أغنية "خواف" والتي لحنها محمد شفيق يعيد طرق هذا الجانب ولكن بصياغة شعرية مختلفة "تكذب علي وأكذب عليك". أما عندما يتحدث عن الفراق وعندما يصبح أمره سهلًا فهو يستحضر هذه المفردة بهذه الصورة "أسهل من الكذبة على شفة طفل". أما في صوتك فهو يمنح المفردة حالتها الاعتذارية "عنك الصبر كِذبه، وفيك العمر موعود". وفي أغنية "لا تقول ودعتني"، والتي تغنى بها كل من محمد عبده وعبادي الجوهر بلحنين مختلفين فهو يتعاطى مع قلب العاشق بهذا اللوم الشفاف "أو خان بي قلبي الكذاب". ومع عبد المجيد عبد الله في أغنية "لا تعلمني" كان استحضار مفردة الكذب في شكلها الصريح "لا تــعـلــمنـي ولا تــكـذب عـليّ". وبدر بن عبد المحسن قد يمضي شعريًا في استثمار مفردة ما، فمثلًا مفردة "جيتك" يستحضرها في كل مرة بشكل مختلف، ففي أغنية "جمرة غضى" لمحمد عبده نجد "جيتك من الإعصار، جفني المطر والنار". وفي أغنية "تخيل" والتي تغنى بها عبد المجيد عبد الله "جيتك من الأرض البعيدة في قلبي شجن، في دمعي قصيدة". أما في أغنية "صوتك يناديني" فيقول: "جيتي من النَّسيان ومن كلّ الزّمان اللّي مضى، واللّي تغيّر". نلاحظ في الحالتين الأولى والثانية أن استحضار مفردة جيتك كان مقرونًا بأشياء محسوسة، الإعصار في الأولى وفي الثانية الأرض البعيدة، أما عندما استحضر ذات المفردة على لسان الحبيبة فقد أصبح التعبير أكثر كثافة، لذا نجده يقرنها بشيء لا محسوس هو النسيان "جيتي من النسيان". وكذلك في أغنية "ما تمنيتك" منح تلك المفردة حالة الشروق "جيتني مثل الشروق، اللي محى عتم الليالي". وإذا ما انتقلنا إلى مفردة أخرى هي مفردة الطريق نلاحظ أن البدر يوظفها بابتكار في أغنية قصت ضفايرها "أحفظ أنا حجار الطريق، اللي يودي لبيتها". ولكن في أغنية "صدقيني" التي غناها عبد الله الرويشد ينقض الحالة السابقة بحسب متطلب النص فيقول: "كلّ ما في الدنيا أعرفه إلا بيتـي والطريق". ومع طلال مداح في أغنية "عندك أمل" يمنح الحب هذا التصور الحميمي ويجعل من الطريق دلالة على المسار الذي سيأخذ هذا الحب زمنًا طويلًا "أنت حبيبي، والهوى صحبة وطريق". ولكن في أغنية "قادر الله"، التي غناها طلال مداح نجد مفردة الطريق تلعب دورًا تصالحيًا في الالتقاء، ولا ندري هنا هل مفردة الطريق تأخذ معناها المكاني أم هي تعبير مجازي عن الحلول الوسط التي تجعل الطرفين على حالة من التفهم: "قادر الله يا الغضى نلتقي في وسط الطريق". وإذا كانت مفردة الطريق في الأغاني السابقة تحضر في حالة تفاؤلية فإنها في أغنية "أبعتذر" تصبح ذات شكل حزين يشير إلى النهايات "أبوعدك، كان الطريق بيبعدك، بامشي الطريق".

البدر والآخرون:
عندما نقول إن البدر حالة شعرية متفردة وإن له خياله الشعري الخلاق، فلا نقول هذا من باب المحاباة بل لأن الأمثلة والشواهد كثيرة تعزز هذا الرأي، فمثلًا نجد هناك صورة شعرية متشابهة تطرّق لها العديد من الشعراء وهي كتابة الحب أو كتابة اسم الحبيب، فنزار قباني يقول: "أنـا أحبك فوق الغيم أكتبهــا". وفيروز كانت تغني: "كتبت اسم الحبيب: ع الحور العتيق ــ ع الرمل الطريق". أما بدر بن عبد المحسن فكانت له هذه الخيارات المتعددة والمدهشة: "كتبت اسمك على صوتي، كتبته في جدار الوقت، على لون السما الهادي، على الوادي، على موتي وميلادي". وفي حالة أخرى تكتب الأديبة مي زيادة: "القليل من الحب كثير ولكن القليل في الحب لا يرضيني، الجفاف والقحط واللاشيء خير من النزر اليسير". لكن البدر له قناعته ويخالف مي زيادة التي ترضى بهذا القليل من الحب فيقول في هذا الشاهد الشعري: "التفت يمي وهو عجلٍ وقال، لذة الحب في الشي القليل".

البدر.. ذاكرة مجتمع:
كتب بدر بن عبدالمحسن في أحد الأيام هذا البيت الشعري عن قصيدته التي ولدت وراء باب وجدار "يطرب لهــا السـاري ويسـري بها الطار/ وتزهر بهـا عـقب المحول الشـفايف".
لقد تنبأ بثقة الشاعر أن شعره سوف يكون ذاكرة المجتمع، حاضرًا في تفاصيل الحياة، ففي إحدى مباريات الدوري الإسباني، التي جمعت أتلتيكو مدريد بـريال مدريد، كان المطر يهطل، ما مثّل صورة شعرية استشهد فيها المعلق علي الكعبي بمقطع من إحدى قصائد البدر: "يا ماطر الليل، لا تاقف بوسط السماء، إما انهمر فرقا وإلا تقطع وصل". هذا الاستحضار من المعلق المثقف علي الكعبي يخبرنا بأن شعر البدر قريب من الوجدان وقريب من الذاكرة. لذلك في مشهد آخر عندما يأتي موسم الأمطار نجد الأغلبية تستحضر هذا البيت "همس النديم اللي يعاتب نديمه، صوت المطر كنه تعاتيب خلان". بل إن كثيرًا من جمل البدر الشعرية صارت من مفردات الحياة: أبعتذر عن كل شي إلا الهوى، صوتك يناديني، أرفض المسافة، يا جريح البارحة كيف طبت اليوم؟ جمرة غضى أبحترق بدفى... وفي مواقع التواصل الاجتماعي صارت عبارات البدر أيقونات للاقتباس. وهذا يدل على أن شعر البدر قد توغل عميقًا في ذاكرة الفن والناس والمجتمع، وهذا هو مجد الشاعر.