تواجه الولايات المتحدة الأميركية مشكلة فيروس الإنفلونزا المكسيكيّة مع بروز نقص في اللقاحات المتوافرة، وأصبحت الحكومة الأميركية مضطرة مطلع الشهر الجاري للإعلان عن أن ما يقارب من 28 مليون جرعة ستتوافر بحلول هذا الشهر، أي أقل بنسبة 30 % تقريبًا عن الـ 40 مليون جرعة التي سبق وتكهنت بها.وتلك الكمية لن تكفي لتهدئة المواطنين المذعورين الذين يصطفون للحصول على اللقاح في كل أنحاء البلاد، أو يجرون اتصالات هاتفية يائسة بأطبائهم أو بإدارات الصحة العامة.
أشرف أبوجلالة من القاهرة: حولَ حالة الذعر الممتزجة بالقلق المتنامي من خطر مواجهة فيروس A/H1N1، المعروف بمرض الإنفلونزا المكسيكيّة في الولايات المتحدة في ظل النقص الواضح بالكميات المتاحة من اللقاحات المُعالجة، تفرد صحيفة النيويورك تايمز تقريرًا تكشف من خلاله عن أسباب وملابسات تلك المشكلة التي بدأت في الظهور مع أوائل شهر سبتمبر / أيلول الماضي، عندما قال دكتور أنطوني فوسي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية :quot; نحن بانتظار مشكلة أكبر مما كنَّا نخشاها في ما يتعلق بالإمدادات الخاصة باللقاحاتquot;.
وتلفت الصحيفة في السياق ذاته إلى أن الحكومة كانت مضطرة مطلع الشهر الجاري للإعلان عن أن ما يقرب من 28 مليون جرعة ستتوافر بحلول هذا الشهر، أي أقل بنسبة 30 % تقريبًا عن الـ 40 مليون جرعة التي سبق وأن تكهنت بها. وترى الصحيفة أن تلك الكمية لن تكفي لتهدئة المواطنين المذعورين الذين يصطفون للحصول على اللقاح بجميع أنحاء البلاد، أو يجرون اتصالات هاتفية يائسة بأطبائهم أو بإدارات الصحة العامة. ومع هذا، تؤكد الصحيفة على أن حالة النقص في اللقاحات التي شهدها شهر أكتوبر/تشرين الأوللم تكن الأولى من نوعها. فمنذ اندلاع المرض في أبريل / نيسان الماضي، ظلت التقديرات الحكومية للاحتمالات المستقبلية مفرطة في التفاؤل بشكل مستمر وعلى نحو عشوائي، كما تم تضخيمها في العديد من المرات. وفي نهاية شهر يوليو / تموز الماضي، تنبأت الحكومة بتوفير 160 مليون جرعة بحلول هذا الشهر.
في حين ترى الصحيفة أن التقديرات المنحسرة بدأت مع الحقيقة التي أظهرت عدم نمو إنفلونزا المكسيك بالسرعة المتوقعة في البيض الذي يستخدم في إنتاج اللقاح. كما أشار مسؤولون من الحكومة الاتحادية إلى أن بعضًا من الشركات المُصنِّعة لم تكن على دراية حتى بالمقدار الضئيل الذي تنتجه إلى أن توافر اختبار خاص بقياس فعالية اللقاح في أغسطس / آب الماضي. وبالتزامن مع قيام بعض الشركات بوضع اللقاح في قوارير وحُقن، أقدمت شركة استرالية تدعى CSL ltd. على تغطية احتياجات بلادها أولاً. وفي غضون ذلك، أكد مسؤولون اتحاديون، واتفق معهم بعض الخبراء الخارجيين، على أن الحكومة أبلت بلاءً حسنًا في تعبئة موردي اللقاح بصورة سريعة لمواجهة وباء الإنفلونزا. وقد تم إعطاء أولى الجرعات للمرضى في وقت مبكر من هذا الشهر، بصورة أسرع من أي دولة أخرى باستثناء الصين واستراليا. ولم تبدأ اللقاحات إلا بعد اندلاع مرض AH1N1 في المكسيك بخمسة أشهر، وهو أسرع من تلك المدة التي استغرقت في تجهيز العقار المعالج للإنفلونزا الموسمية.
في حين يرى هؤلاء الخبراء أن إنجازات الحكومة، وكذلك صدقيتها، قد تم تقويضهم بسبب التقديرات المستقبلية ذات التوقعات الإيجابية الزائدة التي لم تأخذ بعين الاعتبار التقلبات التي تشهدها عملية إنتاج اللقاح. وفي هذا السياق، يقول مايكل أوسترهولم، مدير مركز بحوث وسياسات الأمراض المعدية في مينيسوتا :quot; أعتقد أن الآمال كنت زائدة بالنسبة لما كان سيبنى على تجربتنا التاريخية الخاصة بلقاحات الإنفلونزا. فعندما تقوم بزراعة الذرة في مايو / أيار بولاية أيوا، لا يكون لديك فكرة عن شكل المحصول الذي ستجنيه في أكتوبر / تشرين الأول. حيث يتعين عليك مراعاة عدة عوامل من بينها عواصف البرد والفيضانات وغيرهما. وهكذا يجب التعامل أيضًا مع التقديرات الخاصة بإنتاجية اللقاحات، فلا يجب التسرع في الإعلان عن أرقام بعينها حفاظًا على الصدقيةquot;. ويشير مسؤولون اتحاديون إلى أنهم قاموا بتحليل مثل هذه الصعوبات إلى التقديرات المستقبلية الخاصة بهم، وقالوا إنهم كانوا يتعرضون لضغوطات كي تقوم الدولة والمسؤولين المحليين عن قطاع الصحة وكذلك وسائل الإعلام بعمل التقديرات.
وهنا، تقول دكتور نيكول لوري، الأمين العام المساعد في قسم التأهب والاستجابة في دائرة الصحة والخدمات البشرية :quot; اعتقد انه من الإنصاف القول إن البعض كان مفرطًا في التفاؤل، معتقدا ً أن الإصلاح كان قاب قوسين أو أدنى. وقد أخطرت بعض الشركات المصنعة للدواء الحكومة بما عانته أخيرًا من نقص، عند عطلة يوم كولومبوس في وقت سابق من هذا الشهرquot;. كما قالت بعض الشركات الأخرى إنها تبقى على اتصال دائم بالحكومة. وهنا، يقول دكتور أندرين أوسوالد، رئيس أعمال اللقاحات في شركة نوفارتيس :quot; جميع البيانات شفافة تمامًا بالنسبة للحكومةquot;. بينما تقول الصحيفة إنه وفي الوقت الذي تأمل فيه الشركة إنتاج 90 مليون جرعة بحلول نهاية شهر نوفمبر / تشرين الثاني المقبل، فإنها تهرول الآن لانجاز ذلك قبل نهاية العام.
إلى هنا، تذكر الصحيفة بما توقعه أحد المسؤولين في هيئة التنمية وبحوث الطب الحيوي المتقدمة quot;بارداquot;، عندما راهن على إمكانية توفير ما يقرب من 600 مليون جرعة بحلول يناير المقبل، إن سارت الأمور على ما يرام. وتشير الصحيفة في السياق ذاته إلى أن الوكالة قامت في الفترة ما بين شهري مايو وسبتمبر الماضيين بالتوقيع على اتفاقات تقدر قيمتها بـ 1.5 مليار دولار لإنتاج ما يقرب من 250 مليون جرعة من اللقاح مع خمس شركات. وتنقل الصحيفة هنا عن دكتور توماس فريدين، مدير مراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها، قوله :quot; اعتقدنا في حقيقة الأمر أن تعاقدنا مع خمسة شركات مختلفة سيؤمن لنا احتياجاتنا، ما لم تواجه جميعها مشاكلquot;.
من جانبه، قال واين بيسانو ، رئيس شركة سانوفي باستور المُصنِّعة للقاح إن شركته كانت تحصل في البداية على 1.5 جرعة من لقاح إنفلونزا المكسيك من كل بيضة، مقارنة ً بـ 3 أو 4 جرعات عادة ً ما تحصل عليها من سلالات AH1N1 الموسمية. ومنذ ذلك الحين، نجحت الشركة في تحسين نتاجها إلى ثلاث جرعات لكل بيضة. ومع هذا، واجهت الشركة بعض التأخير في وضع اللقاح بداخل قوارير وحقن. كما واجهت بعض المشاكل المتعلقة بالإنتاجية بالنسبة للقاح المعالج للإنفلونزا الموسمية. ويتابع بيسانو حديثه هنا بالقول :quot; نعمل بشكل أساسي على تحقيق التوازن بين إكمال الإنتاج الموسمي وفيروس AH1N1quot;. ويشير بيسانو إلى أنه وفي الوقت الذي كانت تهدف فيه الشركة إلى تسليم 20 مليون جرعة بحلول منتصف أكتوبر الجاري، فمن المحتمل أن تقوم بتسليم ما يقرب من 16 مليون جرعة بحلول نهاية الشهر.
ثم تلفت الصحيفة لمأزق آخر ربما كان سببًا في حدوث أزمة نقص اللقاحات، وهو ذلك المتعلق بتطوير اختبار الفعالية للكشف عن عدد الجرعات التي يتم إنتاجها في كل بيضة. وعن عملية التطوير التي تجريها معامل حكومية وأخرى خاصة، فتتطلب إنماء اللقاح داخل البيض، ومن ثم تطعيم الأغنام لتجميع أجسادهم المضادة. وتقول دكتور لوري إنه وبمجرد أن يتم إجراء اختبار الفعالية، تجد بعض الشركات أن لديها كميات أقل من اللقاح عما كانت تعتقد.
وتقول الصحيفة إن الشركة التي لم تصادفها أية مشكلات كانت شركة quot;ميدإيميونquot;، وقد قامت بإنتاج لقاح الرذاذ الأنفي المحتوي على الفيروس الحي، وقام باستغلال سلالة بذور فريدة من نوعها، في الوقت الذي أوضحت فيه الصحيفة أن الشركة أمدت الحكومة بـ 40 مليون جرعة. وتشير كذلك إلى أن شركة جلاكسو سميث كلاين لم تحصل بعد على مصادقة وكالة الغذاء والأدوية الخاصة بإنتاج لقاحها. في حين حصلت باقي الشركات الأربع على مثل هذه المصادقة في منتصف سبتمبر/ أيلول، في الوقت الذي لم تكن تقدمت فيه جلاكسو بطلب للحصول على تلك المصادقة حتى وقت مبكر من الشهر الجاري، لكن عقدها يدعوها إلى توفير 7.6 مليون جرعة فقط.
ويرى بعض المنتقدين أنه وفي حالة ارتكاب الحكومة لأي خطأ، فإنها لم تستثمر مبكرًا بشكل كبير في التقنيات الجديدة التي قد تنتج اللقاح بشكل أسرع في البيض. وهنا، يعاود دكتور فوسي ليقول:quot; ليس أمامنا من خيار إلا أن نتوجه إلى التكنولوجيا الجديرة بالثقة والهشة القائمة على البيضquot;. في حين يعترف أطباء من مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في النهاية بأنهم يواجهون ثمة صعوبة بالنسبة إلى التقديرات المستقبلية التي يواجهونها حتى الآن، على الرغم من تأكيدهم على أن المزيد من اللقاحات ستتوافر خلال الأسابيع المقبلة.






التعليقات