قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حوار مع الشاعر غيلان (2/2):
أليس من الأفضل أن يكون العرب رواداً في إقرار حق الكرد في تقرير مصيرهم
بدلاً من أن يأتي بلفور جديد ليملي عليهم هذا الحق؟؟

أجرى الحوار علي عبد المنعم : نتابع الحلقة الثانية من حوارنا مع الشاعر المعروف غيلان، وفيها نتعرض للراهن العراقي بتفاصيله، القضية الكردية، وموقف المثقف العراقي. حيث يطرح الشاعر غيلان في هذه الحلقة مقترح مبادرة عربية لحل القضية الكردية، كما يتعرض في هذا اللقاء إلى التكوين السياسي في العراق ومركزية التحكم الأمريكي فيه، فضلاً عن قراءته لخطورة النعرات المذهبية على مستقبل العراق والمنطقة بكاملها. وفيما يلي نص الحوار... * الأستاذ غيلان، نتابع حوارنا الذي بدأناه بالأمس حول الراهن العراقي ودلالاته الثقافية. واليوم اسمح لي أن أسألكم عن توصيفكم للراهن العراقي بكل صخبه وزحمته ولافتاته فضلاً عن دمائه النازفة هنا وهناك.
- يتسم هذا الراهن بالنسبة للمواطن العراقي بالفوضى، أما بالنسبة للمراقب فإنه يسير وفقاً للخطاب الأمريكي وبانتظام دقيق. وأرى أن الفوضى التي أعقبت سقوط النظام كانت مرسومة بأذهان الاستراتيجيين الأمريكيين الذين رسموا quot; فعل القوة quot;والتفاصيل التي تأتي في سياقه، وهنا نعثر على مبررات غياب برنامج لما بعد صدام. ومن هذه التفاصيل quot; الغالبية quot;و quot;الأحزاب quot;و quot;القوى المنسجمة /الطائعة quot;للخطاب والطائفة، وظهورها على شكل شعارين أحدهما تحمله الغالبية الشيعية وتنوء بتفاصيله وترتبك في معالجة الخطاب الأمريكي مكونة جزءاً حيوياً نافعاً لاستمراريته. وتتم معالجة هذه الغالبية وفقاً لتياراتها ( الصدرية -الحكيمية ndash; السيستانية) ومستوى تجاذبها النفعي مع الوجود الأمريكي؛ إضافة إلى استثمارها كورقة في الحوار السري مع طهران.
والشعارالثاني سيكون سني الطائفة، عربي الشكل، كثير منه إسلامي مزاح عن الجوهر. أيضا، يعامل الخطاب الأمريكي هذا الفرع وفقاً توجهات منها التهديد به بحرب أهلية في تقسم العراق ndash; ابتزاز المحيط العربي وإيران ndash; الإبقاء على برنامج quot;إعادة إعمار العراقquot; غامضاً، وكذلك مستوى تصدير النفط وعائداته- رهن العراق بديون باهظة جراء كلفة الجيوش وقوات المرتزقة لحفظ الأمن ndash; وضع الدين الإسلامي كواجهة ثقافية وفحصها مختبرياً ndash; أن تكون الحاجة العراقية إلى الأمريكيين حاجة عضوية ndash; أن يحس الرأي العام الأمريكي بأن إدارته قد نجحت في نقل الحرب على الإرهاب (المزعوم) تم نقلها من المدن الأمريكية إلى العراق.
وقد رسمت خارطة التعامل الأمريكي مع هذه الطائفة تلك التفاصيل المتعلقة بالإبادات الجماعية في الفلوجة والرمادي وغيرهما. كذلك استبسلت القوى المزاحة عن الجوهر الإسلامي في ارتكاب مجازر التفجيرات التي لا تطال الأمريكيين، بل تستهدف بكل صفاقة العراقيين، كذلك تمت إعادة إنتاج أسامة بن لادن جديد، وهذه المرة باسم quot;الزرقاويquot; ليكون واجهة لكل معترض على الوجود الأمريكي في العراق. وعلى الصعيد السياسي لهذه الطائفة، فقد أصبح لها الآن تمثيل في مركب الدولة quot;الغرائبيةquot; الجديدة.
وعلى صعيد القوى السياسية، وفي مقدمتها القوى الكردية التي أخذت حصتها عملياً في نفوذها في الواقع العراقي الجديد، نجدها وقد عولجت أمريكيا، وبدقة. فقد سمحت لهم أمريكا بثنائية المركزين الكرديين ( الحزب الديمقراطي الكردستاني ndash; مسعود البارزاني و الاتحاد الوطني الكردستاني -جلال الطالباني) كما سمحت لهما بالاستمرار في إدراتيهما المستقلتين عن بعضهما في السليمانية وفي أربيل. وتم إرضاؤهما بتوزيعين جديدين؛ فالسيد مام جلال صار رئيساً لجمهورية العراق، والسيد مسعود البارزاني رئيساً لإقليم كردستان. كما يتربع ممثلو هذه القوى على وزارات حيوية كالخارجية، ويتقاسمون رئاسة البرلمان ورئاسةالوزراء.
وفي تفاصيل التعامل الأمريكي مع القوى الكردية يعثر المراقب على مستويين. المستوى الأول هو تطمين هذه القوى حول مشروعها القومي (وهو المستوى العصي على التصديق)، والمستوى الثاني هو إبقاؤها في حدودquot; المقبول quot;عراقياً. مثال على ذلك، يستقبل الرئيس الأمريكي السيد مسعود البارزاني ويدغدغه لغوياً، حين يخاطبه بالرئيس، فيؤكد له السيد مسعود بقاء الكرد عراقيين كثمن لهذه المخاطبة، وليس كحقيقة في السياسة العراقية.
وعلى صعيد القوى الأخرى كالوفاق، وهو تجمع للبعثيين برئاسة السيد إياد علاوي (القريب جداً من الأجهزة الأمريكية) والذي في توليه منصب أول رئيس للوزراء في العراق الجديد تلك الإهانة البالغة الدلالة للذاكرة العراقية، والمتمثلة في إعادة إنتاج البعث والعدول عن اجتثاثه.
أما على صعيد الجلبي، فهذا الرجل الذي يبدو مثقفا لكن من دون أرضية سياسة تستند إلى تاريخ، تحيطه هالة من الشبهات البنكية. وليس غرابة أن يتولى حقيبة وزارة النفط، وهو الذي صار دليلاً للرموز الشيعية في بحثها عن حضور في المؤسسات الأمريكية. الأمريكيون يعاملون هذه القوى بطراوة، وفي مجال مبرمج لا يؤثر سلباً على الهدف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في السيطرة على منابع النفط العالمية.

* فيما يخص الموضوع الكردي، تحدثتم عن quot; القوى الكردية quot;ولم تتحدثوا عن quot;القضية الكردية quot;، ما هو تصوركم كمثقف عراقي عن راهن هذه القضية ومستقبلها؟
- يمثل الشعب العراقي خير ظهير لتطلعات الكرد القومية. ويشهد التاريخ العراقي، بما فيه تاريخ الكرد، على تلك العلاقة الحيوية بين المثقفين العراقيين والقضية الكردية. وتجسدت تلك العلاقة بتفاصيل عدة منها انخراط الكثير من العراقيين كمقاتلين في قوات البشمركة. وثانياً الفتوى الدينية التي أصدرها السيد محسن الحكيم (رحمه الله) بتحريم قتل الكرد. وثالثاً الدور الذي لعبه الشيوعيون العراقيون في تعبئة الشعب العراقي لمناصرة القضية الكردية. وأخيراً نصرة المثقف العراقي كاتباً وشاعراً وأستاذاً جامعياً للشعب الكردي.
في حقيقة الأمر هذه التفاصيل وغيرها هي التي ساهمت بتحقيق الكرد في كردستان العراق هذا الخطاب ذا الطابع الحيوي الذي يفتقر إليه أشقاؤهم في بقية أجزاء كردستان. وقد سبق لي في العام 1991، وبعد فشل الانتفاضة، أن كتبت دراسة لمام جلال تعالج الوضع العراقي، وتشير إلى إمكانية الكرد أن يلعبوا دوراً قيادياً في تغيير النظام عبر جمع شمل قوى المعارضة العراقية. وكانت الدراسة بعنوان quot; نحن والوقت المُراقـَـَب quot;. وفي مجال تناول القضية الكردية هناك كثير من quot;اللَّغطquot; الثقافي. فتارة يعالجها المثقف عبر فصلها عن طموحها، كأن يبقيها داخل المفردات الوطنية العراقية مع إنه يوقّّع يومياً على حرية تقرير المصير للشعب
الكردي. وحتى لا أطيل عليك يا صاحبي سأعرض تصوراً عملياً لحل القضية الكردية تقف في أول تفاصيله توحيد الإدارتين الكرديتين توحيداً حقيقياً وبإشراف المثقفين الكرد المستقلين وغيرهم ممن يناصرون قضية الشعب الكردي. وتصوري يبدأ quot;ًعربياquot;، كأن يُصار إلى دعوة ممثلي الدول العربية في الجامعة العربية لمناقشة قضية quot;الشعب الكردي الشقيق وتطلعاته، وأن يُصار إلى صياغة quot; مبادرة عربية quot;بهذا الشأن تتلخص quot; بأن العرب ينظرون بعين الاعتبار إلى قضية الشعب الكردي الشقيق وحقه في تحقيق مصيره وإقامة دولته المستقلة أسوة ببقية شعوب المنطقة. كما تناشد الدول العربية دول الجوار ذات الصلة بالقضية الكردية تفهم هذا المطلب العادل quot;.
أليس من الأفضل أن يكون العرب رواداً في تجسيد هذا الحق بدلاً أن يأتي بلفور جديد ليملي عليهم هذه الحقيقة؟ وقد سبق للجامعة العربية أن أقرت حق الكويت المجتزاً من العراق بقرار بريطاني وكان عدد نفوسه لا يتجاوز المئتين وخمسين ألفاً. وأقرت لقطر ودول الاتحاد الإماراتي سابقاً. والشعب الكردي تقارب نفوسه الخمسين مليوناً، والأرض التي يقيمون عليها واضحة، وسبل الحوار التاريخي حول هذه الأرض متوفرة لدى شعوب المنطقة، فما الذي يعيق العرب وجامعتهم عن اتخاذ مثل هذه المبادرة الرائدة.

* وبرأيكم، من عليه واجب الدعوة إلى مثل ذلك المؤتمر وحفز تلك المبادرة؟
- وصلت في سؤالك هذا إلى الفصل الحيوي الذي يتمثل، كما أسلفت، بالشعب العراقي الذي أثبت مناصرته لقضية الشعب الكردي، وعليه، تبادر القوى الثقافية والسياسة إلى صياغة هذا الطلب وتقديمه من خلال القنوات الحكومية والبرلمانية ليتم إقراره ورفعه في توصية إلى الجامعة العربية.

* طرحكم يتسم بالجدة والجدية والجرأة، سواء أتفقنا معه أو اختلفنا. نعود إلى حقل حوارنا.. ما هي الحلقة الأخطر في الراهن العراقي؟
- أجيبك ببساطةquot; المذهبية quot;ذلك أنها المستنقع الراكد الذي ما من حياة تمده بالقوة غير حشرات الكراهية التي لا تعرف التسامح وتستبسل في انشطاراتها الأميبية، وربما ظلمت كائن الأميبا في ذلك، رغم أنني أستعير طريقته في التكاثر. وهذا المستنقع يمثل المساحة الأكثر انسجاماً مع المشروع الأمريكي في المنطقة كلها وليس العراق فحسب. ذلك أن خطاب القوة، كما قلت، يمثل بديلاً للغة التي يعتبرها الخطاب قادمة في السياق، وأبرز مفردات هذه اللغة القادمة في السياق هي اللغة المذهبية والطائفية. وغوغاء المذهبية اللغوي سيقود عملية تهميش المثقف، وإسدال الستار على المُنجز الثقافي العراقي، وتتكثف فيه حالة الاغتراب عند الإنسان العراقي نتيجة انفصاله القسري عن تاريخه في صناعة الحضارات وإبداع الكتابة وسن القوانين.

* استاذ غيلان، وصّفتم الراهن العراقي وفسرتموه، وتنبأتم بتطوراته، سؤالي هو: ماذا عن دور المثقفين العراقيين إزاء هذا الراهن المتشابك؟
- في البدء كان الاعتراض ثقافياً. وعودة إلى المدونات الثقافية التي توثق لتلك الفترة، سنعثر على الهجرة (هجرة المثقفين)، والهجرة في أهم اوجهها quot;اعتراضquot;. وكان لجيل الهجرة الأولى تدوين تلك الاعتراضات. وللاختصار وللمثال فقط، راجع مجلة quot;فراديسquot; العدد الخاص بالستينات، وهي الأعوام التي جاء فيها البعثيون. واقرأ النداء الذي وجهته المجلة للقوى السياسية العراقية حول مرحلة ما بعد صدام. المهم، ازدادت الهجرة الثقافية وتعددت الوجهات، وظل الهاجس الثقافي هو الذي يميز العراقيين عن بقية المهاجرين. فكانت أوسع وزرارة ثقافة إن صح التعبير في العالم. أنى ذهبت تجد مجلة عراقية ومسرح عراقي وفنون تشكيلية عراقية، عداك عن الاختصاصات العلمية الأخرى في الطب والفيزياء وعلوم الكمبيوتر وغيرها.
هذه الهجرة ومثقفوها أسسوا التفاصيل التعارض مع النظام والتي على أساسها اللغوي نشأت المعارضة السياسية بعد أن التحقت بالموقف الثقافي. في مراقبتنا للراهن، نكتشف خطورة التهميش. ألم يكن بامكان هؤلاء المثقفين اللذين أسسوا أكبر وزارة ثقافة في العالم أن يرسموا صورة حضارية للعراق القادم؟ نعم، كان بامكانهم لولا الأمّية والتبعية التي تغلف الساسة. فالأمية السياسية منعتهم من المشاركة في إنقاذ الراهن العراقي، مرة بسبب حساسيتها إزاء الثقافي، ومرة بسبب تقاطع الثقافي العراقي مع الاستراتيجية الأمريكية التي هي الأخرى مولعة بتهميش الثقافي.
تسألني عن دورهم، أعتقد أن دور المثقف الحيوي في هذا الراهن هو quot;الوضوحquot; في توصيف الواقع العراقي وإعلان موقفه منه، والعمل على فتح باب الحوار الثقافي بجبهتيه (داخل العراق وخارجه) من أجل عقد مؤتمر ثقافي عراقي. وحين أقول مؤتمراً ثقافياً، لا أعني الشعراء والكتاب فقط، بل أعني كافة الاختصاصات ذات الشأن الحضاري. مهمة هذا المؤتمر هي quot;صياغة خطاب يرسم ماذا نريدquot;.
وفي هذا المضمار، بودي أن أشير إلى أن الخراب السائد الآن جاء لنا بنوع جديد من quot;المستثقفينquot; الذين يمتلكون مواقع على الإنترنت ولديهم مصادرهم المعلوماتية وطرق اتصالهم، وهؤلاء غير مقصودين بالمؤتمر الذي أشرت إليه. فإذا ابتليت الثقافة العراقية بداء فهو داء quot;أنصاف المثقفينquot; الذين يصدرون جرائد الأحزاب ويحررون نشراتهم المسموعة والمرئية، هذا النوع هو الذي يتصوره السياسي الأميّ ممثلاً للثقافة

علي عبد المنعم، محاضر مصري بالجامعة الإسلامية الإندونيسية بكليتي التربية والآداب
. [email protected]

الحلقة الأولى من الحوار