*التخطيط التعليمي والبطالة
كتبد.الطيب عبدالوهاب: إن العالم اليوم يشهد تطورات وتغيرات مستمرة في كل الميادين ومع هذه التطورات أصبحت التنمية البشرية تمثل أزمة وثقلا يقع على كاهل المؤسسات التعليمية التي صار لزاما عليها أن تطور من أدائها وأن تحسن من كفاياتها للإسهام بشكل فاعل في بناء الإنسان وإعداده ليتعامل مع المتغيرات والتحديات التي لا تسكن أبدا . البحث في ميدان إصلاح التنمية البشرية يتطلب استثمار الحقائق والمعلومات المتوافرة من أجل تسليط الضوء على قضايا الإصلاح التي تستهدف تجديد وتطوير نظام التعليم ودور التخطيط التعليمي فيه فالتخطيط عنصر أساسي لنجاح أي فرد أو مؤسسة, لأن الحظ أو الصدفة قد تلعب دوراً في حياة الأفراد أو المنظمات , لكن نادراً ما يكون النجاح دائماً راجعاً إلى الحظ الخالص .
لذا نجد أن الخطط تلعب دائماً دوراً كبيراً في أي شيء ينجزه الفرد أو الهيئة . كما أن التخطيط ضرورة لازمة للإدارة الناجحة لان التخطيط العلمي يحدد ما يجب عمله في ضوء الأهداف المراد تحقيقها كما يبين كيفية العمل ومن يقوم به في مدى زمني محدد. تتطلب التنمية البشرية تخطيطا علميا، في وقت صار فيه تخطيط الموارد البشرية وسيلة لهذه التنمية، وبحيث لم يعد هذا التخطيط مجرد أداة للتنمية الاقتصادية، أو هدفا في ذاته. إن أكثر المشكلات التي تعاني منها نظم التعليم في العالم تتعلق بعدم قدرتها علي إعداد الإنسان لمواجهة احتياجات سوق العمل، ومسايرة التبدلات الدائمة في هذه الاحتياجات . دول كثيرة ما زالت تعاني مشكلة البطالة بين المتعلمين نتيجة الزيادة العالية في أعداد الطلاب وما يترتب علي ذلك من توسع في التعليم وتضخم في مخرجاته .(يعقوب أحمد الشراح2002م ص332) المجتمعات التي تواجه مشكلات البطالة بين المتعلمين تدرك خسارتها الفادحة في فقدان القوي العاملة المعدة والمدربة علي مهن رفيعة قد تتسابق دول أخري عليها للاستفادة منها .
فالمشكلة في هذه الحالة ليست في ارتفاع المستويات العلمية والمهنية للقوي العاملة، إنما الأمر يتعلق في أنها تمثل فائضاً أو تضخماً تعليمياً لأنها فوق قدرة الاقتصاد علي استيعاب كل الخريجين فعندما يقوم مهندس بعمل كتابي أو أداري فإنه لا يساهم في زيادة الإنتاج بشكل مطلق، بل علي العكس، فإن هذه الظاهرة لها نتائج اجتماعية ضارة قد تتمثل في عدم الرضي والإحباط واللامبالاة والصراع الاجتماعي . لذلك لابد من التمييز بين رغبات الناس في اختيارهم للتخصصات التي قد لا يتوافر لها مجالات للعمل مستقبلاً وبين ما هو ممكن مهنياً واقتصادياً . بمعني أن الرغبة الاجتماعية للوظائف يجب أن تتمشي مع الإمكانات الاقتصادية المتاحة للدول، ولطبيعة أوضاع سوق العمل .
فالرغبة الاجتماعية في دراسة الهندسة أو الطب أو الطيران مثلاً أو غير ذلك يجب أن تتوافق مع الإمكانية الاقتصادية . فما الفائدة من مخرجات تعليمية تتمثل في القانونيين والمهندسين والمحاسبين والتربويين لكنها تعمل بعد تخرجها كتبة وحراس وسائقي تاكسي فالبطالة شكل من أشكال الهدر في الموارد البشرية تتصدر مسؤوليته نظم التعليم، لكن التعليم بطبيعة الحال يتأثر بجملة من العوامل الخارجة عن نطاقه وسيطرته كالتغيير المفاجئ في السياسات السكانية والاقتصادية، والتبدلات الدولية في ميادين التجارة والسياسة والعلاقات الدولية وغيرها. وفي مجتمعات كثيرة تتأثر أنظمة التعليم بضعف الربط بينها وبين أجهزة التخطيط العام، بخاصة في ميدان تخطيط القوى البشرية حيث لا يتوفر للتعليم المعلومات اللازمة عن الناس والدولة . وما لم توجد هذه الرابطة فان من المتعذر على جهاز التخطيط التعليمي أن يضع الخطط للقوى العاملة التي بها يمكن أن يشغل الفرد دورا وظيفياً منتجا بعد أن ينال مستوى معين من التعليم. الاقتصاد لا ينمو إلا بربطه بالوظائف الفنية والمهنية و الصناعية، وهذا يتطلب التنسيق والتكامل مع نظام التعليم من أجل بناء المعارف والمهارات والمهن التي يحتاجها سوق العمل . فالدراسة للقوي العاملة علي خط التخطيط التعليمي ليس بمعتذر لتجنب العجز في القوي العاملة المطلوبة، وحتى في معالجة مشكلة الفائض في العمالة الذي يؤدي إلي البطالة بين المتعلمين أو هجرة العقول للخارج . .(مرجع سابق ص334) قضية توجيه التعليم لغرض الإنتاج وتحسين الأداء والاقتصاد ليست كما يتصورها البعض مجرد علاقة رياضية بين المنتج وسوق العمل أو من الوظائف التي تستدعي بناء برامج تعليم جديدة، أو حجم ونوع المنشآت التعليمية المطلوبة، أو التوسع في التعليم المهني والفني، إنما المسألة تنحصر أساسا في صياغة فلسفة وأهداف تربوية تلبي الحاجات المستقبلية .
فالمحتويات التعليمية والأساليب يجب أن يلبيا فلسفة البعد الكيفي للتعليم . فالتعليم لن ينجح إذا لم يكن وظيفياً، والطلاب يجب أن تنمي لديهم طريقة التفكير العلمي، واكتساب المهارات، وإدراك قيمة العمل . والتعليم الموجه نحو العمل المنتج يحتاج إلي امكانات مادية وبشرية تعينه علي السير في تنفيذ خطط إعداد القوي العاملة . وهذا يستدعي التنسيق مع القطاعين الاجتماعي والاقتصادي من منظور التوافق مع الفلسفة والأهداف التربوية . كما أن تبادل المعلومات بين التربية وسائر القطاعات المجتمعية من خلال بناء نظام فاعل للمعلومات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لاشك يعطي صورة واضحة عن الأوضاع الاقتصادية، وبنية العمالة، ومشاكل سوق العمل، وأوضاع التعليم، وكل ما له علاقة بأهداف التنمية . الكثير من مشاكل القوي العاملة يمكن معالجتها عن طريق التعليم . فالتخطيط التعليمي قبل كل شيء يتحتم عليه أن يرتب أوضاعه الداخلية، ويرفع من كفاءته، ويعيد النظر في برامجه وتنظيماته ونظم القبول للتخصصات المختلفة، ولابد أن يكون التعليم تعليماً مهنياً ومنتجاً وليس لمجرد الحصول علي الثقافة العامة، أو تخريج مثقفين كما تهدف إلي ذلك بعض مؤسسات التعليم العالي في الوطن العربي .وتدل الإحصائيات لمخرجات التعليم وعلاقتها بسوق العمل في الدول النامية أنها مخرجات غير منتجة، ولا تتناسب مع الأهداف الاقتصادية . فالتعليم الثانوي أصبح مثالاً واضحاً في هذه الدول كجسر عبور للجامعة، بينما دول متقدمة تعتبر التعليم الثانوي ميداناً مناسباً لسوق العمل والإنتاج. ونتيجة لتكاثر الخريجين الجامعيين في ميادين لا يحتاجها السوق مقابل تضاءل فرص العمل أمامهم فان الوضع ينذر مستقبلاً بمخاطر اجتماعية وسياسية وفكرية وأمنية .
ان التحدي الكبير الذي يواجه كل نظام تربوي هو في كيفية إيجاد توازنات بين الطلب الاجتماعي علي التعليم والاحتياجات الفعلية لسوق العمل .وقضية كهذه ليس من اليسير تحقيقها ما لم تتضافر جهود المجتمع علي المستويين الحكومي والشعبي . فالنظام التعليمي في كثير من الدول إذا نظر إليه في سياق أهدافه نحو إعداد القوي العاملة فإن هناك ثلاثة عوامل عامة مرتبطة بمشكلة هذه القوي العاملة وهي : النمو في الطلب الاجتماعي علي التعليم، والمعدلات المرتفعة للنمو السكاني، وضعف أو انكماش في النشاط الاقتصادي .وأمام هذا المثلث المؤثر علي برنامج إعداد القوي العاملة نجد اختلالات خطط التعليم وضعفها في إمكاناتها وقدرتها الذاتية، فضلاً عن الخلل المقاس في التنسيق بين التعليم وجهاز التخطيط القومي في الدولة . لاشك أن أزمة العلاقة بين التعليم والعمل في الدول العربية أزمة طاحنة تستحق الكثير من الالتفات والعناية لما لها من آثار سيئة علي التنمية . فالعاملون، يختلفون حسب الأعمار والمستوي التعليمي والمهن التي يمارسونها .وأخطر الأوضاع المهنية هي التي لها علاقة بالعمال الأميين والقوي العاملة من الأطفال المحرومين من التعليم والمتعلم العاطل، وحرمان المرأة من التعليم، وهجرة الكفاءات العربية . إن قضية محو الأمية في الدول العربية علي الرغم من الجهود المبذولة فهي مازالت متعثرة فليست هناك سياسات واضحة نحو محو الأمية الوظيفية بين الكبار، وخصوصاً أن الفئة العمرية للشباب بين سن (15-20) سنة التي لها وزن في حجم العمالة لا تلقي الاهتمام الكافي والجهود المضاعفة كما أن برامج محو أمية الكبار، والتعليمية والتدريبية، لا تتناسب مع الحاجات الوظيفية للكبار ولا تلبي رغباتهم . (مرجع سابق ص340-341) ونتيجة لظاهرة البطالة المرتفعة بين المتعلمين في الدول العربية فان نسبة كبيرة منهم تسعي بكل الطرق لترك أوطانها من اجل العمل في الخارج .
ولقد وجد أن نسبة المهاجرين من العرب بخاصة أصحاب التخصصات الطبية والهندسية والعلوم الطبيعية مرتفعة .وهذه ظاهرة لها أسباب متعددة ومتشعبة بعضها اقتصادي وبعضها سياسي واجتماعي، لكن التعليم مسئول عنها نسبيا. لقد ترتب على هذا الوضع المخل في إعداد القوى العاملة أن فوارق الأجور بين الحاصلين على شهادات جامعية وثانوية عامة وفنية وغيرها أثرت على احتياجات السوق . فالشهادة الجامعية كالليسانس في الآداب والفلسفة والاجتماع يحصل حاملها على راتب يفوق راتب من يحصل على دبلوم التعليم التكنولوجي والمهني الذي يفضله السوق على الشهادة الجامعية ولقد أدت هذه الوضعية الغريبة إلى الحط من قيمة التعليم الفني والصناعي الذي هو عصب الاقتصاد في هذا العصر بعد أن أصبح ثانويا لا أهمية له أمام ليسانس الجامعة . (يعقوب أحمد الشراح2002م ص341-345)



التعليقات