كريم بقرادوني: تابع المسؤولون الإسرائيليون بنهم مجريات الإنتخابات النيابية في لبنان، وأجمعوا قبل إجرائها على أن فوز المعارضة يعني فوز quot;حزب اللهquot;، وأن فوز quot;حزب اللهquot; سيوصل إلى سيناريوات من الرعب تباروا في تصويرها. وكان من المفترض ان يريح نجاح قوى 14 آذار/ مارس الجانب الاسرائيلي الذيأابدى، على غير ما هو متوقع، خشيته من ممارسة واشنطن الضغوط على حكومة بنيامين نتنياهو لحملها على الانسحاب من مزارع شبعا ارضاءً للحكومة اللبنانية quot;الحليفة للغربquot;.

الخلاصة ان اسرائيل لن تستريح ما دام quot;حزب اللهquot; موجوداً، سواء ربح الانتخابات فريق 14 آذار او 8 آذار. وبصورة عامة يمكننا القول ان اسرائيل تعيش قلقاً حقيقياً نتيجة وجود المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، وتبدي تشدداً لا سابق له عبّر عنه بنيامين نتنياهو يوم 14 حزيران/ يونيو الجاري في كلمة القاها في معهد quot;بيغين- الساداتquot; في تل ابيب ردّ فيها على دعوة الاعتدال والمصالحة التي اطلقها الرئيس الاميركي باراك اوباما من مصر.

رفض نتنياهو المقاربة الاميركية للتسوية، كما رفض المبادرة العربية ونسف كل مبادرات السلام، ووضع القضية الفلسطينية في المرتبة الثالثة من أولوياته بعد موضوعي ايران والاقتصاد، واشترط تمهيداً لكل تفاوض ان يعترف الفلسطينيون مسبقاً ان اسرائيل quot;دولة الشعب اليهوديquot;. كما اشترط لقيام دولة فلسطينية ان تكون منزوعة السلاح quot;بلا جيش وبلا سيطرة على المجال الجوي ومع ضمانات امنية فعالة.... حتى لا يتحول الفلسطينيون الى قاعدة متقدمة لإيران وحزب الله في المنطقةquot;.

بكلمة لا يقبل نتنياهو نظرية الدولتين، بل يريد دولة اسرائيلية تبسط سيادتها على كيان فلسطيني بلا سيادة، وبلا القدس التي quot;ستظل موحدةquot; لتكون عاصمة الدولة اليهودية، وبلا تسوية لقضية اللاجئين الفلسطينيين الذين ينبغي حل مشكلتهم quot;خارج حدود اسرئيلquot;، على حد قوله، رافضاً حق العودة ومؤكداً ان توطين الفلسطينيين حيث هم يحظى quot;بإجماع دولي اوسعquot;.

قبل ان يلقي نتنياهو خطابه خيل للبعض انه سيرد على نداء أوباما من مصر بخطوة الى الامام، فجاءت كلمته بمنزلة خطوات الى الوراء سدّت افاق التسوية التي يعمل لها الرئيس الاميركي. فهل يتراجع الرئيس الاميركي امام الرفض الاسرائيلي؟ في الحقيقة لا املك جواباً يقنعني: من جهة استغرب ترحيب البيت الأبيض بتصريح نتنياهو الذي يرفض مبدأ الدولتين بوضعه شروطاً تعجيزية لاقامة الدولة الفلسطينية، ومن جهة اخرى ما زال المبعوث الاميركي يصّر على حل الدولتين!

في كل حال، الكرة في ملعب اسرائيل، غير ان المواجهة بين الحليفين الاستراتيجيين، واشنطن وتل ابيب، لن تصل الى حد تخلي واشنطن عن دعم تل ابيب، لكنها قد تثابر على ممارسة الضغوط على احزاب الائتلاف الحاكم الى حد تشكيل حكومة جديدة تكون في غالبيتها من مؤيدي حل الدولتين. رسائل أوباما كانت قوية، وردّ نتنياهو كان أقوى!

من الواضح ان نتنياهو يفضل المواجهة مع الولايات المتحدة على احتمال العودة باسرائيل الى حدود الرابع من حزيران واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. الخلاف الاميركي- الاسرائيلي مرشح للازدياد، في حين كان يخيل للبعض ان المنطقة على مشارف تعاون اميركي- اسرائيلي لضرب القوة النووية الايرانية الناشئة. بالطبع ايّد معظم العرب خطاب الرئيس الاميركي وانفتاحه تجاه المسلمين والعرب وتأكيده على حل الدولتين، ورحبت به بعض الحركات الاسلامية بحذر وعلى رأسها حركة quot;حماسquot;، فأعلن رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ان الحركة لن تكون عقبة امام قيام دولة فلسطينية على اراضي 1967، وان لغة اوباما quot;جيدة وذكيةquot;، لكن العبرة في التطبيق.

ولم يطل الوقت حتى جاءت العبرة من اسرائيل التي رفضت تطبيق مبادرة الرئيس الاميركي جملة وتفصيلاً، ولم تترك اي فسحة من الحركة بهذا الاتجاه، فقضى نتنياهو على المبادرة الاميركية لحظة ولادتها.

في العادة كانت الحكومة الاسرائيلية تتريث فيما مضى ليأتي رفض الاقتراحات الاميركية من بعض العرب، غير ان نتنياهو خرج هذه المرة عن القاعدة فتعمد المبادرة بتوجيه رسالتين: واحدة قوية الى الادارة الاميركية والاخرى الى الشعب الاسرائيلي ليؤكد فيهما انه لم يغير.

يبقى السؤال المحيّر: ماذا سيفعل العرب ؟ في رأيي انهم كالعادة لن يفعلوا شيئاً. خلافاتهم اكبر من قضاياهم وحتى مصالحهم، وهم لاهون في صراعاتهم الداخلية على السلطة، وفي الصراعات فيما بينهم على الزعامة! غياب الفعل العربي لا يساعد اوباما، فهل يدرك العرب اهمية ما يجري فيحزمون امرهم ولو لمرة واحدة؟ كلنا ننتظر، ولا نعرف اذا كان الآتي أفضل او أعظم؟!

وزير سابق ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبنانية.