أحمد السماحي من القاهرة: فى شتاء الأغاني أشياء كثيرة نحبها، طعم البرتقال بأريجه المنعش ، الجوافة برائحتها التى تزكم الأنوف ، السحب البيضاء التى تشبه هالات القطن الرمادية الكثيفة بغموضها وجلالها ، وفى موسيقاه نشعرأحياناً ببرق خاطف تتوارى من خلفه صواعق الرهبة والخوف ، عبق الجو فى صباح بارد أو ليلة ممطرة، تأتي من بعدهما شمس عفية تتسلل من بين خيوطها الذهبية مساحات من الدفء الذى يمنحك سعادة لا نهائية على إيقاع ربما يكون صاخبا مضطربا أو حتى ناعما حزينا .
هو موسم أو فصل مميز بتنويعاته وتقلباته وهو ما يجعلنا في النهاية أو يجبرنا أحياناً على الاستمتاع به ، فيكفي أنه يسمح لذكرياتنا من خلف ستائر لياليه الموحشة بالخروج من صناديق الذكريات القديمة، جالباً معها مواطن الدفء فى ثنايا تلك الأشياء الصغيرة والأغنيات الرشيقة عبر موسيقى نابعة من أوتار عود أو ناي حزين أو كمان شجى.
ومع ذلك فالمتتبع للمكتبة الغنائية العربية سوف يكتشف بأن شعراء القرن العشرين لم يتطرقوا -إلا قليلاً ndash; لللأغاني الشتوية - نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر : مأمون الشناوى الذى كتب عام 1949 أغنية ( الربيع ) التى لحنها وغناها الموسيقار الكبير فريد الأطرش ، وفى مقطع واحد منها أشار للشتاء ، وربما يكون الاستثناء الوحيد فى القرن العشرين وحتى الآن هو (الأخوين رحبانى) اللذين أبدعا لوحات تشكيلية غنائية ثرية على مستوى الكلمات والألحان وتوجت نجاحها السيدة العظيمة فيروز فى العديد من الأغاني التى تلهب الخيال .
وعلى الرغم من تجاوز عدد أغنيات سيدة الغناء العربى وكوكب الشرق أم كلثوم الـ 400 أغنية فلم تشدو بمقطع واحد عن الشتاء ، وكذا الحال مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ الذى غنى للصيف والبلاجات والأجازات ولم يغنى للشتاء .
وللحقيقة والتاريخ فإن نهاية القرن الماضى وتحديداً مطلع الثمانينات بدأ شعراء وكتاب الأغنية الحديثة توجيه قريحتهم الشعرية نحو فصل الشتاء وغنى لهم ( محمد الحلو- على الحجار- مدحت صالح - كاظم الساهر- محمد منير- هويدا - حنان ماضى - داليدا رحمة ) وغيرهم قصائد من الشجن المحبب والذى يعكس أجواء الشتاء، وأخيرا إليسا في أغنيتها الحالية ( أواخر الشتا ) التي تذاع على الـ FM.
لكن ماالسر فيما مضى .. ترى هل يؤثر المناخ في نفسية الإنسان ، خاصة الشعراء وكتاب الأغانى وهل يمكن أن تصيب تغيرات المناخ شعراء الأغنية بالكآبة، ولماذا يصيب هذا الاكتئاب البعض من دون الآخر مادامت الظروف المناخية سواء للجميع، ولا تخص فردا بعينه من دون الآخر؟

الحالة المزاجية
الدكتور هشام رامى أستاذ الطب النفسى يضع لنا تحليلاً أولياً بقوله : الدراسات العلمية الحديثة تؤكد أن حالات الاكتئاب تزيد فى الشتاء عنها فى أى موسم آخر ، وحتى الذين لايعانون الاكتئاب تنخفض عندهم الحالة النفسية والمزاجية ، وربما يكون تفسير ذلك نابع من أنه بدخول فصل الشتاء يصبح النهار قصيرا بينما الليل طويلاً نسبيا وبالتالى تقل عدد الساعات التى يتعرض فيها الإنسان للضوء ، ولأن الضوء هو المسئول عن إنتاج المواد الكيماوية المسئولة عن الحالة المزاجية للفرد فكلما زادت ساعات التعرض للضوء كلما اعتدلت الحالة المزاجية ، والعكس صحيح فقلة الضوء تؤدى إلى حالة من الحزن والشجن ويقل معدل السعادة ، وبالمناسبة لايقتصر الأمر على الانسان وحده ، بل إذا نظرنا للطبيعة بكامل تفاصيلها فى الشتاء سوف نلحظ أنها أيضاً فى حالة كآبة .. أوراق الشجر تتساقط .. الطيور والحيوانات تدخل فى حالة بيات شتوى رتيب يؤدى للكسل ، وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على أن الشتاء فصل مقرون بالسكينة والحركة البطيئة ، وهذا بالطبع ينعكس على الشعراء - وهم أكثر حساسية - عندما يكتبون أغانيهم التى تقل فى عددها بالطبع فى الشتاء تأتى مفرداتهم مشحونة بالشجن والحزن والميل إلى أن تكون قصائدهم أو أغنياتهم عبارة عن حكايا وقصص درامية وعلى قلتها فإنها تكون بمثابة مضادات حيوية ضد نوبات البرد ، وهى بالتأكيد تجنح نحو صندوق ذكريات الحزن والرحيل والغربة.

فصل الكآبة
أما الدكتور أحمد المجذوب أستاذ علم الاجتماع الشهيرفيختلف مع الدكتور هشام فى كونه فصل يعنى بالإبداع ويقول أن الشتاء يقصر نهاره ويطول ليله ، وهذا يجلب للناس شعور بالخوف ، والوحدة وتلك بدورها تتسبب فى زيادة مساحات الهم والكرب بالتالى يشعر الإنسان الوحيد بالعذاب نتيجة العزلة فى قلب الليل الموحش بالظلام ، ومعروف أن العلاقات الاجتماعية تقل فى الشتاء عنها فى الصيف وباقى أشهر السنة ، ونتيجة لضعف التواصل الإنسانى فى هذا الفصل من خلال التزاور الذى يصبح نادراً بسبب عوامل الطقس الباردة والمطرالتى تحول بين الناس فى إحداث تواصل.
والراصد لحركة المجتمع فى الشتاء سوف يلحظ بأن آثار الطقس السلبية تنعكس على زيادة معدلات الجريمة ، خاصة جرائم السطو والسرقة التى تتسم بالعنف الشديد وغالباً ماتكون تلك الجرائم مصحوبة بالقتل ، ومن هنا أعتبر أن الشتاء من وجهة نظرى ( فصل الكآبة ) والذى لايصلح معه أى إبداع .

فلسفة عميقة
ويتفق مع تفسير الدكتور هشام الشاعر الغنائي وائل هلال صاحب أغنية ( مهما الشتا قسى ) والتى غناها مدحت صالح ولحنها فاروق الشرنوبى ، يقول هلال : الشتاء هو الفصل الوحيد الذى يسمح فيه للإنسان أن يجلس أكبر وقت مع نفسه ، فهو مقرون بالانطواء نظراً لبرودة الطقس الخارجى ، وبالتالى عندما تتاح للإنسان فرصة الخلوة المفروضة عليه - رغم أنفه - يرجع بخياله إلى الوراء يبحث ويقلب فى الذكريات ويغوص في دهاليز الماضى البعيد ، وغالبا ما تكون تلك الذكريات مرتبطة تارة بالانكسارات أو أخرى بالانتصارات ، وفى كلا الحالين ، تبدو حساسية الشاعر الذى يتأثربهذا الجو الذى ينعكس على الكلمات وحسب الحالة المزاجية يأتى الحديث ذو شجون .
التقلبات التى يشهدها موسم الشتاء تحمل فلسفة عميقة للحياة ( يوم حلو ويوم مر ) ، ويبدو ذلك من خلال الطقس الذى لايدوم على حال ، فبعد الرياح والأتربة سرعان مايجئ المطر لغسل الشوارع ويزيل الغبارمن شوارع الذاكرة ، ويصفى الأجواء فتبدو الدنيا فى حلة جديدة ومبهجة للقريحة الشعرية وتعتدل الحالة المزاجية ، ومن هنا ربما يتجلى إبداع الفنان ( الشاعر والموسيقى والمطرب ) وينجحوا معاً فى جلب الدفء - أو الشعور به على الأقل - من خلال نسيج فنى يحدث تلك المتعة الروحية لإنسان ربما جعلته الأجواء الباردة معزولاً فى مكان بعيد تطارده مواطن أحزانه ، لكنها تتفاعل مع شجن الكلمة والموسيقى الناعمة والأداء العذب فتزيح الهم وتزيل الكرب ، وتمنح الإنسان قدرة تحريضية على التفاعل مع عناصر الحياة بانكساراتها أو هزائمها، وقد تذهب به إلى تجاوز أخطائه وجراحه ، ومن قلب الأسى يمكن للإنسان أن يتلمس مسارات أفضل للحياة.

الألم اللذيذ
الشاعر الغنائى إبراهيم عبد الفتاح صاحب أجمل أغنية شتوية فى العشر سنوات الماضية ( لما الشتا يدق البيبان ) والتى لحنها أحمد الحجار وغناها على الحجار يفسر لنا كيف تلعب الأجواء الشتوية دوراً فى كتابة تلك النوعية من الأغانى فيقول : كتبت quot;لما الشتا يدق البيبانquot; فى ظروف نفسية وصحية ومناخية شتوية خالصة ، فقبل غنائها بأربع سنوات وتحديداً فى شهر ديسمبرعام 1986 كنت فى مدينة رأس البر الساحلية التابعة لمحافظة دمياط ، وكما هو معروف انها شواطئ صيفية شهيرة لايقترب منها أحد فى تلك الفترة من السنة ، لكنى ذهبت إليها مرغما بحكم حضورى فعاليات مهرجان شعرى أقيم هناك ، وفى تلك الأيام كنت أمر بظروف صحية بائسة جداً ، فقدماى مصابتان ، وأمشى على quot;عكازينquot; ووسط ظروف البرد وتيارات الهواء العاتية فى راس البر قررت التمرد على أجواء الكسل والمرض ، فتركت العكازين وقررت التحدى والمشى على قدماى اللتين لم تخذلنى وقدتنى إلى بحار الشعر الغارقة فى الشجن ، فشعرت بالألم اللذيذ الذى كثيرا ما سمعت عنه ولم أجربه ، وولدت فكرة الغنية التى راحت تنساب بسهولة فى شكل كلمات صارت بعد ذلك أجمل أنشودة شتوية فى حياتى الشعرية .
بعيدا عن أجواء كتابة تلك الأغنية أنا واحد من عشاق فصل الشتاء وهو محبب لقلبى جداً ، ويضيف عبد الفتاح : أستطيع القول بأنه ( فصل فنى ) لكل المبدعين العظماء فى حياتنا .. الشعراء والفنانين ، النحاتين ، وأغلب التشكيليين رسموا لوحاتهم المبهرة فى الشتاء، على الرغم من أن الربيع غنى بتكويناته اللونية ، وزهوره اليانعة ، لكن على مايبدو أن عناصر الطبيعة المفتوحة لاتغرى على الكتابة ، والإنسان بطبعه يجنح للعزلة فى لحظات إبداعه ، وهو مايحققه الشتاء ، ومن هنا يرجع حبى لهذا الفصل الأسطورى بظلاله وتكويناته اللونية الغارقة فى السكون ، والتى يبدو لى طعمها طازجا وفاتنا ومفجرا لبراكين الثورة الإبداعية بداخلى ، فالسماء فى تجليها بالغموض والغيوم ، مكسوة بضباب منعش ومثيرجداً للقريحة الشعرية ، ولعل تجدد السماء وتشكلها من لحظة إلى أخرى فى شكل خيمة تعلو رؤسنا تتباين فيها درجات الرمادى الفاتح والداكن الذى يوصف بالبرود هو نفسه يحيطك بهالات من السكينة التى تسبق الولادة الشعرية ، فتأتى القصيدة أو الأغنية بمزيج من الألق والشجن ، بعكس الصيف الذى يتسم بالحدة والوضوح الشديد.
أما سر الحزن الكامن فى أغانى الشتاء ، فيرجع إلى ذلك الغموض الذى يسيطرعلى مجمل لوحة الطبيعة الشتوية ، وهو ما يغرى الذاكرة على استدعاء الماضى الجميل ، وعلى الرغم من ذلك فنجد أغانى الشتاء تعتبر نادرة وحتى فصول السنة الأخرى لاتحظى باهتمام كتاب الأغنية الجدد اللذين يتطرقون فى كلماتهم إلى كل ماهو حسى ومادى ، غيرعابئين بعناصر الطبيعة التى تتمتع بثراء وخيالات بديعة.
وعلى ذكر الكتابة عن الطبيعة والشتاء ، ليست ( لما الشتا يدق البيبان ) هى آخر ماكتبت من أغان شتوية ، بل هناك أكثر من أغنية شتوية مازالت حبيسة أوراقى ، منهم واحدة يقول مطلعها:
فى عتمة الحوارى والدنيا شتا
فى ظل شجر عاري وزهور ميتة
ولسه القلب تايه فى طفولة الهوى
ولسه ريم صبية بتحلم بالفتى
ويتساءل عبد الفتاح : هل يمكن أن يصلح مثل هذا الكلام لـ ( سوق الغناء الحالى ) الذى يحظى بقدر هائل من الفوضى والضجيج - أشك - ومن هو المطرب ( الشاب ) الذى يستطيع أن يشعر بمعانى هذه الكلمات النابعة من قلب الطبيعة وليست بحاجة لحركات أو (تنطيط ) ، ظني أنه لا أحد يجرؤ على هذا اللون من الغناء ، المسألة لاتبدو صعبة فحسب بل تكاد تكون مستحيلة.

البرق والمطر
ويؤكد الشاعر عماد حسن صاحب ( فات الشتا ) من ألحان محمد ضياء وغناء داليدا رحمة ، على صعوبة تذوق أغاني الشتاء من قبل غالبية مطربى هذا الزمان ( كما يقول عبد الفتاح) على الرغم من أن تلك النوعيات من الأغانى تتميز بالشياكة إلى حد أنها تشعرك بمجرد سماعها أنك ترتدى أفخم الملابس ، عبر الكلمات الموحية والصور والأخيلة والزخارف اللغوية التى تصنع الثراء والغنى فتجلب المتعة والدفء للمتلقى الذواقة ، ويعود ذلك إلى أن الشتاء مقترن بالوحدة والتأمل العميق فى مفردات الكون المشحون بالذكريات ، وربما كان ذلك سبباً مباشراً للحزن الذى يكسو غالبية الأغانى الشتوية ، التى تتشح بثوب الشجن اللذيذ والمحبب .
فصل الشتاء فيه زخم هائل جدا يضيف عماد حسن : يدفع الشاعر إلى الغوص فى ملكوت السماء وسمائه الملبدة بالغيوم ، ولعل البرق ورزار المطر هما أكثر عناصر الطبيعة من وجهة نظرى للولوج نحو الكتابة ، ففى ظل أجواء كتلك يصعب على الناس مغادرة بيوتهم ، فتغمرهم السكينة والهدوء وخلف الجدران والشبابيك يتأملون هذا الطقس البديع بشغف ، وإذا لم يتوفر للإنسان فى تلك اللحظات نديم أو صديق أو حبيب يسامره ويزيل عنه غيوم غربته ، فسوف يجنح بخياله إلى الماضى وتتسلل خيوط الذاكرة من بين ثنايا حبات المطر ، وعلى أثر البرق الخاطف تلتقط القريحة الشعرية أجمل خيالات الكلمة المكتوبة التى تجلب معها رياح دافئة تسرى فى الجسد المتوار خلف زجاج النوافذ المسكونة بالصقيع.

فرق التكنولوجيا
الشاعر جمال الشاعر، صاحب أغنية ( عصفور المطر ) لحن ياسر عبد الرحمن وغناء حنان ماضى ، يرجع سر الحزن والاكتئاب فى أغنيات الشتاء إلى فرق التكنولوجيا بيننا وبين الغرب ، والفجوة الرقمية هى السبب فى ذلك ، وذلك لأن الشتاء عندنا نحن العرب يعنى الاعتكاف والخمول فى المنازل فشوارعنا غير صالحة أو مجهزة لاستقبال المطر ، وبالتالى تتعطل حياتنا، ونصبح محبوسين وإحساس الفرد بأنه محبوس يجعلة فى حالة من الضيق والحزن والكآبة ، أما المواطن الغربى فإنه يعيش فصل الشتاء كأى فصل عادى ، وعلى العكس ينطلقون فيه بخفة ورشاقة ، ويعتبر الشتاء بالنسبة فى بعض بلادهم موسم الذروة السياحية مثل سويسراالتى تعيش أزهى أيامها فى الطقس الشتوى المميز بدرجات من الحرارة تحت الصفر.
أما عن الكتابة فى الشتاء عند الشاعر يقول : أشعر بحالة من الغربة والاغتراب في فصل الشتاء البارد الذى يتسم بليل حالك الظلمة ونهار لاتسطع فيه الشمس طويلاً وربما كان هذا دافعى لكتابة أغنية ( عصفور المطر ) و يتذكر لحظة الكتابة قائلاً : كانت أجواء الشتاء الباردة مناسبة فعلاً وكانت حافزاً لحالتى المزاجية والتى ولدت لدى حالة من التوهج الموجود عند أى شاب سواء كان توهجاً عاطفياً أو حباً مفعماً بنبض الحياة ، وهو ماجعلنى أتمكن من التعبير فكرة الهشاشة العاطفية التى يعيشها جيل الشباب الذى يمر بتجارب رومانسية عالية ، وفيها حساسية بالغة ، ويتعامل مع مواقف الحياة بنفس الحساسية.
وبالمناسبة يضيف الشاعر : هناك قصة طريفة وراء غناء حنان ماضى لها : فقد كتبت مطلع الأغنية ، والتقيت بالمصادفة البحتة مع الملحن والموزع ياسر عبد الرحمن فى ليلة شتوية باردة جداً، وكان لديه مطلعاً لحنيا جديداً ، وفى نفس اللقاء قال لى ( أتمنى أن نتعاون معاً ) وأسمعنى مطلع لحنه وأضاف ( عايز لحن فى نفس هذه الحالة ) ، وكان شرطه الأساسى أن تكون الأغنية المطلوبة عبارة عن حالة وليس موضوعا شعرياً ، لكنه سمع منى فى ذات اللحظة مطلع الغنوة ، فصاح فرحاً ( هوه ده إللى أنا عايزه بالضبط ) ، واستكملت الكلام مباشرة ، واستكمل هو اللحن وخرجت الأغنية بصوت حنان ماضى التى كانت زوجته فى ذلك الوقت.
ويأسف الشاعرفى النهاية لقلة الأغانى عن الشتاء ويرجع ذلك لأننا أولاً أسرى قوالب فنية معينة، وثانياً نعيش ثقافة الاعتياد ، فمنذ قديم الأزل والشعر عندنا مرتبط بالربيع والعصافير والأزهار والأشجار وتوارثت الأجيال تلو الأخرى ( عدة الشغل تلك ) وكأن هناك ارتباط شرطى بين الشاعر والربيع ، ولم ينتبه الشعراء إلى مواطن أخرى لجمال لوحة الحياة الغنية بالمعانى والتفاصيل ليكتبوا عنها ، وتلك أيضاً نظرة أحادية ، فمعظم الشعراء أهملوا الشتاء واهتموا بالربيع وكلمات الغزل التى تتغنى بعيون وشفايف وقلب ورموش الحبيبة، والكارثة الأكبر فيما هو حادث الآن فى مجال الأغنية التى تسمى ( شبابية ) فقد أصبحت بلاروح أو معانى ، بل مجرد إيقاعات موسيقية راقصة تخلو من مضمون شعرى رومانسى يهتز له الوجدان ، بدلا من أن يهتز له الجسد.
لى ملاحظة أخيرة : نحن نخشى التجريب ولانحبه من الأصل ، عكس الغرب الذى انفتح على العالم وعلى الحياة وكتب شعراؤه فى كل شيئ ، ويمكن أن نستثنى من عالمنا العربى فقط الآخوين رحبانى فى لبنان ، حيث لهم محاولات وتجارب عديدة غير نمطية ، منها عدد من الأغنيات عن الشتاء من أجمل وأحب ماكتب فى فصل الثلوج والصقيع والمطر وهو ماعبر عنه هؤلاء العباقرة بكلمات وألحان بديعة وتوجوه بغناء فيروز الذى يسمو بالروح.