عبد الجبار العتابي من بغداد: في ليالي الشوق نسمع صوته يصدح ، نراه يتسامى بالموالات التي لاتنضب ، وبالغناء الذي يتعالى عبقا يفوح من ثنايا قلبه مفعما بالحنين الذي لايضاهى حيث يهطل امطارا ناعمة تهتز لها الاشواق وتربى ، وتشتعل الاوردة وتضاء الشرايين وتصبح الطرقات الى القلب واحدة وتصدح مثله بالغناء :
(من تزعل .. توحشني الدنيا / واتصور غيرت فنونك / ومن ترضى ظل شوكـَ البيا / يذوبني بنظرات عيونك / من ازعل ترجع تتعذر / بعد ايام وهم تتغير / وجم مرة التبعد واغفر لك / ما تكلي اليغفر جم مرة .. جم مرة / طبعك صاير .. صاير .. مرة ومرة) .
وتتحرق الاشواق فاتحة كل مسامات الجلد لاستقبال رائحة الوجد الهائم لان من يغني هو رياض احمد ، الذي حين نقف على عتبة السابع من اذار/ مارس تهب علينا روائح الذكرى الثانية عشرة لرحيله ، هذه الذكرى التي تمر من امام عيوننا بهدوء ، ننظرها وهي تجيء حاملة سلال ما ورثته عنه سواء في سنوات حياته الـ (46) او سنوات رحيله الاثنتي عشرة من ذلك الصوت الشجي الذي خفق في اشواقنا وحنيننا ، وبالرغم منا.. نستوقفها.. ونتأملها ونقرأ في سطورها ما تركته فينا من شوق اليه وحزن على فقده، تلك هي ذكرى رحيل المطرب العراقي الكبير رياض احمد، الذي مازلنا نفتقده ونلجأ الى صوته لنراه في ايامنا هذه وهو يملؤها شدوا.
اغمض عيني ّ لأرى اغانيه تصدح بالموال والمحمداوي والابوذية وبالنغمات العابقة من خلجات حنجرته الجميلة، المستمدة حنينها من حنين شط العرب والعشار ومزارع التنومة والليالي المقمرة التي كان يدفع (البلم) فيها ليخفق بمجذافيه على الماء الهادىء، وحيث يطلق صوته مالئا الشط برذاذ احلامه، وما كان (عبدالرضا مزهر نجم) وهذا اسمه الحقيقي ، سوى نجم بين اصحابه في حدود البلم، لكنه شرع يطاول الحلم في ان يكون صوته ممتدا ابعد من المكان الذي هو فيه، فكانت اغنية (مستاحش) التي كتب كلماتها مهدي السوداني ولحنها طارق الشبلي اولى خطواته على الطريق الى بغداد التي استقبلته اذاعتها بأختبار نجح فيه وبأعجاب الفنان احمد الخليل الذي رسم له ملامح اسمه الجديد فمنحه اسم (رياض احمد) وكان طريقه الى اغنية ثانية هي (اخذ ياماي) التي بعدها صار رياض احمد احد المع نجوم الغناء العراقي، وصعد نجمه رغم العذابات وتهديدات والده له بالامتناع عن الغناء،لكنه كان (يركض) متحمسا الى بلوغ غايته وتحقيق احلامه ، واغنية بعد اخرى ، وخطوة اثر خطوة ، ومن البصرة الى بغداد ، كان رياض يرسخ اقدامه في الوان الغناء العراقي ، ويتألق سنة بعد اخرى ومن حوله يلتف المعجبون ، وكان طور المحمداوي سبيله الى النجاح الذي لفت الاسماع اليه ، وكان الموال ينطلق من حنجرته شجيا يملأ فضاءات الروح بعبقه المترع عذوبة .
رياض احمد .. عانى الكثير من العذابات وكان يجد نفسه في الانزواء بحثا عن ذاته المتقلبة على نار الهموم فكان يهرب الى (الخمرة) التي حاول اصدقاؤه منعها منه ولكن كان يتركها وسرعان ما يعود لها ، وكان دائم الشكوى والحزن لاسيما ان الوضع السياسي السيء في العراق انذاك ودكتاتورية الحكم فرضت تصرفات عانى منها الفنانون حبن يرغمون على الغناء لهذا المسؤول او ذاك وكان رياض احدهم ووقع في شر سلوكيات اولئك ، وكان لا يستطيع الفرار الا بالخمرة ، وقد ذكر لي الزميل مجيد السامرائي انه قبل ايام قليلة من رحيل الفنان كان قد استضافه في برنامجه الاذاعي (حوار بلا اسوار) وكان رياض يبكي داخل الاستديو ويتحدث عن الموت وعن اقتراب موعد رحيله من الدنيا ، يقول السامرائي كان رياض يتحدث بذلك وكأنه يعلم انه سيموت !! ، ومات رياض في السابع من اذار عام 1996 ، وحينها ادرك الجميع ان (سنديانة الغناء العراقي قد سقطت) ، ودب الحزن وكان مشهد الوداع تراجيديا ، رحل رياض احمد .. وسمعنا صوته يردد (آن الاوان وما بعد رجعة) ، لكن السنوات اكدت ان السنديانة لم تسقط وظلت سامقة .
يقول الناقد الموسيقي عادل الهاشمي ( يشكل رياض احمد في الغناء العراقي تيارا متراكبا لذلك فأن جذوره تستمد كينونتها من التراث الريفي وخاصة تراث المطرب (داخل حسن) الذي تأثر به كثيرا ، الى جانب ذلك تأثر بالتيار الحديث ، تيار الاغنية المدينية ، وعليه فأنه جمع بين اغاني القرية والريف واغاني المدينة ، هذا من جانب نشأته التكوينية الفنية ، اما من ناحية صوته فأن صوته يشكل خاتمة الاصوات العظيمة في الغناء العراقي قديمه وحديثه ، فأن صوت رياض يمتلك خصائص خاصة في الصعود والهبوط والاستقرار والقفلة ، وابضا في الانتقال مابين الانغام والمقامات على نحو مذهل الى جانب ذلك قدرة الاخراج الموسيقي للنغمة ، كما انه ملك الارتجال الغنائي العراقي وصوته يشكل تأثيرا بالغ القوة على الاسماع لان فيه يمتزج عنصران اساسيان ،العنصر الاول : الشجن ، والعنصر الثاني رقة الاوتار الصوتية ، وعليه يمكن القول ان الغناء العراقي سيحتاج كثيرا من الزمن حتى يأتي واحد من المواهب تلك التي تقترب من خصائص رياض احمد الفياضة في الغناء ةالاداء والطرب .
واضاف الهاشمي حول الاغنية التي تؤثر فيه قائلا : انها اغنية (مرة ومرة) التي غناها من الحان جعفر الخفاف ، فأنها تعكس اولا الاصالة العراقية ، وثانيا تعكس الحداثة ، والحداثة هي تبيع التراث ، ذلك انك لا تستطيع ان تجدد من دون تراث او ما ض تملكه ، وعليه ان القيم الفنية لهذه الاغنية جمعت بين الاصالة والحداثة ، الى جانب ذلك هنالك قضية الموالات التي يرتجلها رياض وهي ليست بالموالات التي كان يغنيها داخل حسن ، لان داخل يرتبط بالالتزام بالاطوار الريفية بينما رياض احمد اعطى لهذه الاطوار الريفيو وجهها المديني فجاءت على نحو قد يكون متفردا في الغناء العراقي .
وفي ختام حديثه اضاف الهاشمي : ان صوت رياض احمد يختلط مع انفاس الحياة في الالفاظ وفي المعاني وفي الكلمات لانه يعبر عن توتر المشاعر وانفراجها، وهو الذي جعل من الغناء صورا مكثفة لما يعرف بالاتقان، لذلك نقول ان صوته الكاشف عن العذابات واللوعة والحنين هو الذي يجعلنا نتمكن من اقناع اسماعنا بذلك القسط المتساوي الذي يجمع بين اللفظ والنغم)
اما الملحن محمد جواد اموري فقال عنه : رياض .. فنان كبير بروحيته وصوته وله مميزات رائعة جدا وخاصة في اداء المواويل لانه اتحف الجمهور العراقي بطريقة رائعة جدا بحيث قلد المطرب (داخل حسن) فأبدع ، وقلد المطرب خضير حسن ناصرية وابدع ، رياض عندما كنت اسجل له في الاذاعة لم يستطع ان ينزل بالطبقات الصوتية ، ومع روعة ما يمتلك من صوت ولكن مع الاسف لم يجد الملحن الذي القيمة الحقيقية لصوته ، فكان رياض يتذمر من ذلك ، فوجد نفسه في الموال وقد عرف ابن تكمن قوة صوته فكون شخيصته الرائعة ، واضاف اموري : حنجرة رياض وهبها الله له خاصة به ، وعلى الرغم من وجود ملحنين جيدين الا انهم لم يستطيعوا النجاح معه ، فالموهبة التي لديه ربانية ، اما بالنسبة لي فلم اكن متفرغا له بل كان عندي حسين نعمة وياس خضر ، ورياض كان مشغولا بالحفلات لذلك لم تسنح الفرصة بالتلحين له لاحقا ، رحم الله رياض احمد .
وقال الملحن محسن فرحان : كان رحيل رياض احمد خسارة كبيرة ، وبالفعل .. في الليلة الظلماء يفقتد البدر ، غادرنا مبكرا ولكنه ترك بصمة مؤثرة ، ومن خلال وجودي ضمن برنامج (على خطى النجوم) فأن اكثر الشباب يحبون غناءه ويقلدونه ، واضاف : رياض يمتلك صوتا دافئا وحنينا وطبقاته عالية ، ومن يغنون الطبقات العالية هم نادرون ، ولانجده الا عند المطربين الكبار ، اذ ان في الطبقات العالية يطرب المستمع ، ورياض من المغنين الذين جعلوا للون المحمداوي والموال مستمعين من خارج بيئة اللون ، مثلا في المنطقة الشمالية يستمعون اليه وكذلك في المنطقة الغربية ، هؤلاء اصبحوا يسمعون المحمداوي وان كان ليس لون البيئة التي يعيشون فيها ، واستطرد محسن فرحان : انا اول من لحن اغنية لرياض احمد في حياته وعنونها (خلصت من الصبر ياروح) قدمها في برنامج كان يقدمه الفنان الراحل راسم الجميلي ،لكنها لم تسجل ، فقد كان هو ضمن المسرح العسكري وانا كنت في محافظة كربلاء ، وقلنا اننا من الممكن ان نقدم افضل منها ، وكنت قد اتفقت معه على مجموعة اغاني من كلمات كريم راضي العماري وطاهرسلمان قبل رحيله ولكن الشريط الذي كان يحفظ فيه رياض ضاع ، ولم الحن له طوال المدة السابقة لاسباب منها ان كل ملحن اقترب من مطرب معين ، فأنا اقتربت من سعدون جابر ومحمد جواد اموري من حسين نعمة وطالب القره قولي من ياس خضر ، ولكن الملحن جعفر الخفاف هو اكثر من تعاون مع رياض احمد لانه فهم صوته ، بالاضافة الى ان الفن العراقي منذ مطلع الثمانينيات تعسكر وانشغل الملحنون والفنانون بعالم غير عالمهم وقد تشوهت خارطة الفن العراقي .
وحين سألته عن ماذا تبقى من رياض احمد بعد (12) من رحيله اجاب محسن فرحان : بل قل ماذا ذهب منه ، والجواب ان رياض بقي وصار يتجدد وسنة بعد سنة بعد وفاته يكثر معجبوه لانه يغني بأحساس صادق ونقي وغناؤه من القلب .
رياض احمد .. في ذكراه الثانية عشرة .. تجعلنا نرفع اعيننا الى ما فعلناه من اجله، ونقول: لا شيء.. ليست ثمة رعاية بما تركه ولا فكر احد ان يقيم له احتفال بالذكرى..بل ان التلفزيونات على كثرتها لم تمر عليه الا لماما ولم تستدرك ما قدمه كواحد من اروع المطربين العراقيين.. ما نتمناه ان تلتفت الدوائر الموسيقية الى (رياض احمد) وتحتفي به بما يليق ويستحق.. ونخشى ان ذكراه ستمر دون ان يلتفت احد اليها..
[email protected]
- آخر تحديث :




التعليقات