يعد الموقع الأثري "مدائن صالح"، في شمال غرب المملكة العربية السعودية، مكاناً يلتقي فيه الموتى بالأحياء، ويقع على طول جانبي الوادي، مطلاً على ما كانت تعد واحة مزدحمة في السابق، مع مئات من المقابر الضخمة المنحوتة من الصخور البرتقالية الصفراء، التي بناها أناس قدموا من بابل، اليونان القديمة وروما.
وكانت مدائن صالح محطة هامة على طريق التجارة التي يتم بموجبها جلب أنواع البخور النفيسة من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى العاصمة النبطية، البتراء، عبر الحدود، التي صارت اليوم المملكة الأردنية الهاشمية، وإلى الإمبراطورية الرومانية كذلك.

وخلال القرن الأول الميلادي، كان يقوم التجار في "مدائن صالح" بتزيين أضرحتهم بنقوش حيوانات مثل الأسود، الغزلان، الأرانب، الماعز الجبلي، النمور، الضباع، الثعالب وكذلك القنافذ. كما كانوا يطلبون الآلاف من النقوش الحجرية المتقنة، التي توضح الطريقة التي تطورت بها لغة المنطقة المكتوبة من الفينيقية إلى العربية. وجذبت مدائن صالح في العصور الوسطى الكثير من المسافرين الذين من بينهم المغامر المغربي، ابن بطوطة، وبعد مرور 500 عاماً، استطاعت أن تجذب الكاتب الفيكتوري، تشارلز ديوتي، الذي وصفها بـ "مدائن صالح الرائعة"، وها هو أحمد الإمام، وهو مرشد خبير، يقول "البطل هنا هو المناظر الطبيعية، وليس الإنسان".
وبينما لا تحظى مدائن صالح بشهرة واسعة اليوم، فإن عدداً قليلاً ما يزال يداوم على زيارة ذلك الموقع الساحر الذي يقع على بعد ألف كيلو متر شمال غرب الرياض. وبعد أن ظلت زيارة المكان مقصورة لفترة طويلة على علماء الآثار، فإن السلطات تسعى الآن لتحويله مع المنطقة العلا المحيطة ( بما فيها من نتوءات صخرية وآثار يقدر عددها بالآلاف ) إلى منطقة جذب كبرى بالنسبة للزوار. وبسردها القصة التي أضحت بها السعودية مهداً للإسلام، فإن السلطات المحلية تسعى لتحويل مدينة العلا الصغيرة إلى عاصمة الثقافة السعودية ولإكسابها قيمة كتلك التي تحظي بها مكة من الناحية الدينية والرياض من الناحيتين المالية والسياسية.

ونوهت مجلة الايكونوميست البريطانية إلى أن ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، أطلق مبادرته بهذا الخصوص عام 2016، كجزء من مساعيه لتنويع اقتصاد المملكة، ومن ثم النجاح بحلول عام 2030 في مضاعفة الإنفاق الأسري على الثقافة والترفيه ومضاعفة عدد مواقع التراث العالمي لليونسكو ( مع العلم أن السعودية تمتلك بالفعل 5 من تلك المواقع وأن أولها هو مدائن صالح ). ويُقال إن الأمير محمد يستمتع بعطلات نهاية الأسبوع في الصحراء بمدينة العلا، حيث يمكن الاستلقاء على الرمل ليلاً والتأمل في درب التبانة دون أي تشتيت بالتلوث الضوئي أو بالضوضاء.
وبالإضافة لإشراف الأمير محمد بن سلمان على المشروع بشكل شخصي، فقد أنشأت الحكومة السعودية لجنة ملكية لمتابعة مشروع تطوير مدينة العلا، والتي تملك عدة صلاحيات من بينها الإشراف على التخطيط في منطقة بنفس مساحة بلجيكا تقريباً.

وقال عمرو المدني وهو مهندس كهربائي مُدَرَّب في الولايات المتحدة وهو الرئيس التنفيذي للجنة " نحن ننظر إلى مدينة العلا على أنها متحف حي. فلكل صخرة هناك شكل خاص بها، وكل طريق دليل على حركة التجارة التي كانت تتم هناك، وأتصور أنه لا مكان في العالم يوجد به هذا العدد الكبير من الحضارات كما يوجد بهذا المكان".
وبشكل منفصل، فإنه وعقب حفل العشاء الذي دعا فيه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الأمير محمد بن سلمان بمتحف اللوفر في وقت وسابق من العام الجاري، فقد وقعت الحكومتان على اتفاق لتطوير مدينة العلا. ويشمل هذا الاتفاق، الذي سيستمر على مدار 10 أعوام وستنفذ بموجبه شركات فرنسية أعمال تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، العمل على تأسيس وكالة فرنسية جديدة تمولها السعودية بقيمة ( 340 مليون دولار ) لتطوير مدينة العلا، وهي الوكالة التي يفترض أن يتعاون معها السعوديون بشأن البنية التحتية الحضرية، القضايا البيئية، السياحة وعلم الآثار، وكذلك تأسيس مركز جديد للمعهد الفرنسي، يعني بترويج الثقافة واللغة الفرنسية.
والسؤال المثار الآن هو المتعلق بالطريقة التي يمكن من خلالها جذب السياح الأجانب للمملكة العربية السعودية، حيث يجب تذليل عديد العقبات والتخطيط بشكل جيد لإخراج مدينة العلا بشكل مثالي أمام السياح وبما يضمن لهم تجربة ترفيه متكاملة ومميزة.

أعدت "إيلاف" المادة نقلاً عن مجلة "الايكونوميست" البريطانية، الرابط الأصلي أدناه
https://www.economist.com/books-and-arts/2018/12/22/saudi-arabia-wants-millions-to-visit-a-marvel-in-the-desert