قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

السبت:07. 01. 2006

د. حسن حنفي

تعلم المواطن المصري منذ نعومة أظافره، في الحضانات والمدارس حتى عن طريق الإعلام الرسمي، أن مصر تتميز بتجانس تاريخي وجغرافي وسكاني وديني وثقافي وسياسي؛ فقد حافظت على وحدتها عبر التاريخ، رغم ما تعاقب عليها من نظم سياسية متباينة، دخيلة أو أصيلة، أجنبية أو وطنيةmiddot; ولم تنقسم إلى شمال وجنوب إلا في لحظة واحدة من تاريخها القديم، ثم سرعان ما قام الملك مينا بتوحيدهما، ولبس التاج المزدوج رمزا لوحدة القطرmiddot; وكانت الوحدة الوطنية دائما أحد أهداف الحركات الوطنية منذ الملك مينا حتى ثورة 1919 برمزي الهلال والصليب، وحدة المسلمين والأقباطmiddot; الشعب متجانس بين الشمال والجنوب، بين بحري وقبلي، بين الدلتا والصعيدmiddot; يربطهما وادي النيل والقطار وكما ظهر ذلك في الأغاني الشعبية والأمثال العاميةmiddot;middot;middot; لا فرق بين سكان الشمال البيض أصحاب العيون الخضراء أو الزرقاء والشعر الأشقر؛ في المنصورة، وبين سكان الجنوب أصحاب البشرة السمراء والعيون السوداء والشعر الفاحم؛ سكان وادي حلفاmiddot; وبالرغم من تفاوت الرزق بين المصريين، والذي يزداد يوما وراء يوم منذ شكاوى القروي الفصيح في مصر القديمة، حتى الهبات الشعبية من أجل الخبز في يناير عام 1977 والأمن المركزي في يناير عام 1986 إلا أن أحدا من المصريين لم يمت جوعا أو عطشاmiddot; فمياه النيل متوافرة، والأرض الخصبة فيها قوت للجميع حتى قبل معونة القمح الأميركيةmiddot; سكانها بدو وحضر، وأرضها واد وصحراء، وطقسها ممطر وجاف، وجوها بارد وحارmiddot; ومع ذلك حافظت مصر على وحدتها الجغرافية كما حافظت على وحدتها السياسيةmiddot; وبرغم طغيان حكامها الذي تجاوز الحد، حتى أصبح لفظ فرعون، وهو حاكمها القديم، معادلا للطاغية المتأله، سواء كان ذلك لدى الفراعنة القدماء أو الفراعنة الجددmiddot;middot;middot; إلا أن الحد الأدنى من التوافق ظل سائدا بين الحاكم والمحكوم رغم الهبات الشعبية التي لم تنقطع في الشمال والجنوب؛ ثورة ابن الهمام في الصعيد، وثورة عرابي شرق الدلتاmiddot;
ويعرف العالم كله حدود مصر الدولية، في المطارات عبر الجو، وفي المدن الحدودية؛ رفح والسلوم ووادي حلفا في الأرض، وفي المدن البحرية؛ الإسكندرية وبورسعيد والسويس في البحرmiddot; ويعاني المصريون أكثر من الأجانب، والعرب الفلسطينيون والعراقيون أكثر من المصريين، وأحيانا الباكستانيون أكثر من الكل من الانتظار ''قليلا'' حتى يتم اتخاذ الإجراءات الأمنية الضروريةmiddot;middot;middot; رغم حصول القادمين على تأشيرات دخول من السفارات والقنصليات المصرية في الخارجmiddot; بينما يمر الأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون بمجرد أخذ طابع بخمسة عشر دولارا من شباك البنك داخل المطار، دون تفتيش أو بحث أو مراجعة لقوائم المشبوهين والممنوعين من الوطنيين المصريين أو المواطنين العربmiddot;
كل ذلك معروف، ويعرفه المصريون الذين يقفون خلال الساعات الطوال، وينتظرون في طوابير الصباح للتقدم إلى نوافذ القنصليات أو السفارات الأجنبية للحصول على تأشيرات دخول، دون أماكن انتظار في الغالب، وعلى قارعة الطريق، في الطقس البارد أو الحارmiddot; والذهاب مرة بعد مرة لتقديم الأوراق، والعودة بعد أجل طويل أو قصير لمعرفة ما إذا تمت الموافقة على طلباتهم أو لاستلام الرفض أو استكمال الأوراق، ومنها التأمين الصحيmiddot; وفي سفارات الدول الكبرى يحتفظون ببصمات الأصابع والعيونmiddot; وفي المطارات الأجنبية يقف المصريون أيضا للتحقق من أن تأشيرات دخولهم غير مزورةmiddot;middot;middot; وهكذا فالعربي مشبوه ومشتبه فيه على الدوام، والمسلم عامة وعلى الخصوص إذا كان بجلباب أو طاقية أو ذا لحية مرسلة!
غير أن القضية تكمن أساسا في الحدود الداخلية، داخل الوطن، في الانتقال من الوادي إلى الصحراء، ومن الشرقية إلى سيناء، ومن شمال سيناء إلى جنوبها، وقبل الدخول إلى المدن الساحلية الشهيرة؛ كالغردقة وشرم الشيخmiddot; وسيناء هي المدخل الشرقي لمصر، والصحراء الغربية هي المدخل الغربي لمصر، ووادي حلفا هو المعبر الجنوبي لمصرmiddot;
قبل كل مدينة في سيناء يوجد ''كمين'' وعليه شرطة أو جيش أو مخابرات عامة لفحص الركاب وحقائبهمmiddot;
وقد يستدعي الأمر إنزالهم جميعا من العربة في جو بارد كالصقيع أو حار ملتهب، حتى يطمئن الكمين أنه لا يوجد من بين المواطنين إرهابيmiddot; لكن مقابل ذلك يدخل الإسرائيليون إلى طابا بلا تأشيرة، طبقا لاتفاقيات كامب ديفيد ومعاهدة السلام، وإلى شرم الشيخ أيضا وباقي مدن سيناء، تشجيعا للسياحة وللاستفادة من دخلها حتى ولو اقترن ذلك بالتفريط في السيادة الوطنيةmiddot;
لم يتغير الأمر منذ أيام الاحتلال البريطاني لمصر، عندما كانت حدود مصر الشرقية قناة السويس، ولا يعبر المواطن في سيناء إلى الوادي بثروته الحيوانية إلا إذا دفع ضريبة مرور على كل ضأن وماعز وجمل وفرد لأنهم سيطعمون من خضرة الواديmiddot; ولا يسمح للمواطن بالعبور أو السير على ضفاف القناة الغربية من جهة الوادي إلا إذا أخذ تصريحا من جيش الاحتلال أو الجيش الوطني أو الشرطة العسكرية أو شركة قناة السويس؛ فهناك إذن حدود داخل الحدودmiddot; والمواطن متهم ومشبوه، عدو للنظام منذ البداية طالما أنه قادم إلى التخوم، وخارج من قريته أو مدينتهmiddot;
تآكلت الحدود الوطنية بفعل الحدود الأمنيةmiddot; وقد يتغير ولاء البدو في سيناء بعد طول الاحتلال من الوطن الغربي إلى الوطن الشمالي؛ إذ بنت قوات الاحتلال الإسرائيلي مساكن، وعبدت الطرق، وأدخلت الكهرباء والمياه، وتعاملت مع البدو كأنهم امتداد لبدو النقبmiddot; وأقامت بعض الصناعات على بحيرة البردويل لتجفيف الأسماك، ومغسلة في العريش لإيجاد فرص عمل للبطالة الزائدة لدى الشبابmiddot; واستخرجت المعادن، وأقامت المستعمرات مثل ''ياميت''، وكانت من مشاريع الأمن الوطني زراعة سيناء وإقامة مزارع جماعية ومدن هناك لاستيعاب خمسة ملايين مواطن، يقفون في مواجهة ''الموشاف'' والمزارع الجماعية في النقبmiddot;
وقد كان فراغ سيناء من السكان أحد أسباب احتلالها المستمر مهما حاولت الجيوش الدفاع عنها في العراءmiddot; وإثر التفجيرات الأخيرة في طابا وشرم الشيخ تعرض الآلاف من سكان سيناء للاستجواب؛ فهم الأعداء الذين يهددون الأمن القومي داخل البلاد! هم الحدود التي يجب أن يُدافع عنها، حدود في الداخل وليست في الخارج، موانع في القلوب وليست حواجز على الأرضmiddot;
ويمر ''السوبر جيت'' سريعا، القصر الطائر، لرجال الأعمال والشخصيات المهمة، بأسعار مرتفعةmiddot; يحمل الذين يبنون مصر، ويشيدون القرى السياحية، ويعمرون مصر، ويزيدون دخلها القوميmiddot; يأخذه ''الناس اللي فوق'' حيث المضيفات الحسناوات وأسعار المشروبات والمأكولات المرتفعةmiddot; كما تأخذ عربات الوجه القبلي ''الناس اللي تحت''middot; وتتصاعد الروائح الكريهة من حمامهاmiddot;
وفي كمائن التفتيش يُسأل من يعترض على سوء المعاملة، وطول الانتظار في برد الليل أو قيظ النهار: من أنت؟ ويجيب أنا مواطن من ثمانين مليون مصري، يدافع عن حقوقه وحقوق المواطنين في المرور بسلام في ربوع الوطن، شماله وجنوبه، شرقه وغربه، واديه وصحرائه، نيله وسينائهmiddot;middot;middot; يحاول مد الجسور بين المواطن والدولة بدلا من العداء المستحكم بينهماmiddot; إذ تعتبر الدولة بأجهزتها المواطن عدوا يريد الانقضاض عليها وتخريبها وتعكير صفو السائحين، والإضرار بالأمن القومي وتشويه سمعة مصر وصورتها في الخارجmiddot; وكرد فعل على ذلك في اللاوعي الوطني يشعر المواطن بأن الدولة عدو له، لا ينتمي إليها، ولا يشعر بالأمن منهاmiddot; مما قد يضطره إلى الهجرة أو طلب الحماية الأجنبية كما كانت تفعل الأقليات الدينية والعرقية طوال تاريخ مصر الحديثmiddot; ويسأل المواطن ممثل الأمن، مدنيا من المخابرات العامة: ومن أنت؟ ألست الذي يقف عائقا بين المواطن والدولة التي تحميه؟ ألست الذي يمثل الدولة لدى المواطن وليس المواطن لدى الدولة مثل معظم مؤسسات الدولة بما في ذلك المؤسسات التعليمية؟ وهل منعت كل هذه الاحتياطات الأمنية من وقوع بعض الحوادث في الأقصر أو الدير البحري أو سيناء؟ ولماذا تتصور الدولة نفسها كما لو كانت جهاز أمن، وإن دعت الضرورة جهاز قمع، والمواطن هو المشبوه والمدان والمجرم بالضرورة؟ ألا يخلق ذلك لدى المواطن تصورا مقابلا بأن الدولة عدوه، وسبب آلامه وأحزانه وشقائه من البطالة والفقر بالإضافة إلى القهر والتسلط؟ وفي هذه الحالة يستعد المواطن للخروج عليهاmiddot;
وينتظر الفرج ممن يأتي إليه داعيا ومبشرا بنظام جديد، يقيم العدل، ويقضي على الظلم، وبالتالي إمكانية تحوله من مهمش متهم في وطنه إلى وضع يكون فيه أميرا للعالم كله، ابتداء من هذه البؤرة، بؤرة الإسلام، وهذه الجماعة، جماعة المؤمنينmiddot; العمل ميسور، والسكن موفور، والزواج مضمون، والنصر بإذن الله!