قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ماذا يجري في حزب الوفد!
سليم عزوز - كاتب مصري

عندما قامت الهيئة العليا بحزب الوفد بعزل الدكتور نعمان جمعة رئيس الحزب، تلقيت اتصالا هاتفيا من احد الأصدقاء يزف لي الخبر باعتباره بشري، وقد حاولت ان اسعد بما جري، لكني فوجئت بحالة من الحزن تلفني، ليس علي حال هذا الحزب العريق، ولكن علي الطريقة المهينة التي عومل بها الرجل! لم تكن علاقتي بنعمان جمعة علي ما يرام، فأول خبطة تلقاها قبل توليه منصب رئيس الوفد، كانت مني، اذ كتبت تقريرا احتل صفحة كاملة في احدي الصحف المصرية، في اليوم التالي لوفاة رئيس الحزب فؤاد سراج الدين، حمل عنوان: من يخلف سراج الدين .. ذكرت فيه ان ظهور نعمان جمعة في حزب الوفد الجديد في بداية تأسيسه في سنة 1984 تسبب في أزمة داخل الحزب، حيث استنكرت القيادات التاريخية للوفد، احتفاء سراج الدين به، وقالوا انه ناصري وينتمي الي التنظيم الطليعي، وان علاقته بالوفد راجعة الي انه كان يقوم بالتدريس لحفيدات فؤاد ( باشا) سراج الدين، وقد مكنه هذا من دخول قصره، ليجتبيه ويصنعه علي عينه، وبسبب هذه الحفاوة استقال كثيرون من عضوية الوفد في البداية!

ولم اكتف بهذا، وانما حرضت الدكتور محمود السقا أستاذ القانون وعضو الهيئة العليا بالوفد ( وعضو مجلس نقابة المحامين الآن) علي ان ينافس نعمان جمعة في امر الرئاسة، الأمر الذي فسره صاحبنا علي انه محاولة مني لإفساد فرح انتقال السلطة بشكل هادئ إليه، ونقل لي عبر احد الزملاء غضبه. بعدها ظهرت ميوله الاستبدادية، وأساء استخدام السلطة، فتصرف في الحزب كما لو كان لا يزال عميدا لكلية الحقوق جامعة القاهرة، وان أعضاء الحزب وقياداته والصحفيين العاملين في جريدة الوفد، هم مجرد تلاميذ له، علاقة الأستاذ الجامعي المستبد بتلاميذه في جامعات العالم الثالث، معروفة، عندها كنت اكتب منتقدا له، الي ان تدخل بحنكة منه فأوقفني عن التصدي لممارساته بسيف الحياء، وهذا موضوع اخر!

ولم يكن هدفي ان أنكد عليه عندما كتبت تقرير من يخلف سراج الدين ، فقد كتبت ما كتبت بدوافع مهنية، فلكوني مهتما بالشؤون السياسية، وبتجربة التعددية الحزبية، فقد عز علي ان يتم ترك الأمر للهواة من المحررين، الذين يظهرون جهلا فاضحا بما يكتبون، وهو جهل بدا للعيان في كتاباتهم عن الأحداث الأخيرة التي شهدها حزب الوفد!

لقد كان موقفي الذي فسره نعمان، قبل توليه السلطة، بأنه ضده بشكل شخصي، مهنيا، لكن خلافي معه بعد ذلك كان سياسيا، فقد رأيت انه بممارساته ينهي حزبا عظيما كحزب الوفد، الذي كان في وقت من الأوقات بيتا للمعارضة المصرية، وكان رئيسه فؤاد سراج الدين له كلمة مسموعة عند رؤساء الأحزاب، مما جعله يقود المعارضة في البلاد، ولم تجد السلطة الحاكمة في مواجهة ذلك سوي إفساد الحياة الحزبية بإنشاء أحزاب ورقية، حتي تحول الأمر الي مسخرة من العيار الثقيل!

كان فؤاد سراج الدين رحمه الله يدعو في الاجتماعات التي يعقدها مع الأحزاب، ممثلاً عن الشيوعيين، واخر عن جماعة الإخوان المسلمين، وهما حركتان لم تحصلا علي الرخصة الحزبية، لكن نعمان جمعة كان يستبعد الإخوان، بحجة أنهم ليسوا حزبا سياسيا، وقال في حوار تليفزيوني ان الحكومة تقول عنهم أنهم جماعة محظورة، وبالتالي لا يجوز له ان يعترف بهم، وكان هذا مما يدل علي ان الرجل فقد هويته كمعارض، فما تقرره السلطة لا ينبغي ان يلزمنا كمعارضة بشئ!

نعمان جمعة كان قد سقط سقطة مدوية، عندما قبل أن يكون محامي وزير الزراعة والأمين العام للحزب الحاكم، يوسف والي، في الدعوي التي أقامها ضد جريدة الشعب، التي قادت معارضة قوية ضد الوزير بسبب إدخال مبيدات مسرطنة للبلاد، وهو ما اعترف به مسؤولون كبار بعد ذلك، وأكدته تقارير رقابية حكومية. لقد طالب جمعة بإدانة الصحفيين المتهمين، وقد أدينوا وادخلوا السجن، وكان عجبا ان يقوم بهذا الدور رئيس اكبر حزب سياسي في البلاد. اعلم ان والي صديقه، بل واعلم انه عضو مؤسس في الوفد، وقد كتب جانبا مهما في برنامجه، لكن كل هذا لا يبرر ان يقف رئيس الوفد في ساحة المحكمة مدافعا عن وزير فاسد، سمم صحة المصريين بالسم الهاري، ويطلب من المحكمة سجن الصحفيين، في وقت تطالب فيه القوي الوطنية بإلغاء العقوبات السالبة للحريات في جرائم النشر!

لقد قال نعمان جمعة انه يترافع عن والي بصفته محامياً، وليس بوصفه رئيسا لحزب معارض، وما قاله قولة حق يراد بها باطل، فلا نظن انه المحامي الوحيد في مصر، فقد كان بامكان الوزير ان يوكل عنه جيشا من المحامين، يتولون مهمة الدفاع عنه، لكن قيام نعمان جمعة بهذا كان يحمل دلالة سياسية، ويقدم يوسف والي علي انه هو رمز الوطنية، بدليل تولي رئيس اكبر حزب معارض في مصر مهمة الدفاع عنه، كما يعني ان جريدة الشعب التي يصدرها حزب العمل المعارض قد خرجت عن الإجماع الوطني، بتشويه السيرة العطرة للوزير، الذي تم طلبه للعدالة في قضية إدخال المبيدات المسرطنة ، وفي قضية اخري بعد ذلك، وحالت حصانته دون محاكمته، فلم يرفع رئيس مجلس الشعب، ووالي عضو فيه، عنه الحصانة، التي تم رفعها عن المعارض ايمن نور في لمح البصر!

وعلي ذكر ايمن نور، فقد هبط نعمان جمعة بالوفد، حزبا وجريدة، الي مستوي لا يليق بالوفد وبتاريخه، عندما تولي جمعة الهجوم عليه، وتشويهه، والانحياز للسلطة، والهجوم علي الأمريكان لانهم استنكروا التلفيق الفاضح في القضية، وصور علي غير الحقيقة، كما لو كان الشعب المصري مستعداً لان يقضي بقية عمره في سجون الطغاة، ولا يقبل أي تدخل امريكي لان هذا ينتقص من السيادة حماها الله، وأصبح المرء يطالع جريدة الوفد ، فلا يفرق بينها وبين الصحف الصفراء التي تطبع برعاية أجهزة الأمن، وتتولي التشهير بالرجل، المكبل بالقيود، والذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، في مواجهة حملات التشهير والابادة!

ربما لم يكن نعمان جمعة يهدف ان يتقرب الي السلطة بذلك زلفي، فالمصائب يجمعن المصابين، وإذا كان أهل الحكم قد مسهم قرح، فقد مس نعمان قرح مثله. فالسلطة غضبت علي نور لأنه قرر من البداية ان يكون معارضا جادا، ومنافسا حقيقيا لها، ونعمان رأي في هذا الفتي بحماسه خطراً عليه، وانه يمكن ان يهدد موقعه كرئيس لأكبر حزب معارض، وهو الذي قام بفصله من عضوية حزب الوفد، قبل ان يؤسس حزب الغد!

لكن هذا لا يشفع لنعمان جمعة ان يفعل ما فعل، فالوفد بتاريخه، ومكانته، اكبر من ان يستدرج الي معارك صغيرة، والي أداء يقربه من خناقات الحواري والأزقة، وقد كان الاحري به ان يتولي المهمة الدفاع عن رئيس حزب زميل، ويشكل لجنة من احزاب المعارضة لزيارته في محبسه، والتأكد من قانونية الإجراءات التي استخدمت ضده، وليس العكس!

ان هذا الموقف هو الذي جعلني أقف في أحد المؤتمرات التي عُقدت بنقابة الصحفيين، وحضرها ممثل عن حزب الوفد، وأشن هجوما علي الوفد، وعلي اداء رئيسه في قضية التلفيق التي حدثت مع رئيس حزب معارض، وعلمت ان ما قلته تم نقله الي نعمان جمعة فامتعض!

فمواقفي من نعمان جمعة هي التي جعلت صديقا بالوفد يزف الي خبر الإطاحة به، ولعله تصور انه سيسعدني، ولا اخفي أنني حاولت السعادة، لكني فشلت، بل وجدت ان حالة من الحزن تلفني لان ما جري لا يليق بحزب كالوفد، كما ان الاهانة التي عومل بها رئيس الحزب اثارت تعاطفي وتعاطف غيري معه!

لقد قامت الهيئة العليا، وبأغلبية الحاضرين، بفصل رئيس الحزب، وكان خصوم نعمان قد اعدوا عدتهم، وأخذوه علي حين غرة، في حين لم يكن هو يتصور ان الأمور ستتطور علي هذا النحو، فقد حشدوا أنصارهم داخل مقر الحزب، وقادوا ضده حرب أعصاب، حتي يغادره، وقد بات في مكتبه ليلة، ثم خرج، ليحكموا قبضتهم علي المقر والصحيفة!

لائحيا ليس من سلطة الهيئة العليا فصل رئيس الحزب، فهو منتخب من الجمعية العمومية، هي صاحبة الحق في فصل رئيس الحزب، دعك من التفسير '' الابله'' الذي قاله من أطلقوا علي أنفسهم وصف '' الإصلاحيين''، في تفسيرهم من ان رئيس الحزب هو في الوقت نفسه عضو الهيئة العليا، ويجوز لائحيا فصل عضوها بقرار من منها. فرئيس الحزب ليس عضوا في الهيئة المذكورة، ولو افترضنا جدلا عضويته، فالخاص يقيد العام، والخاص برئيس الحزب هو ما ورد في شأنه منصوص عليه في اللائحة!

الاصلاحيون، كما أطلقت عليهم الصحف، او كما أطلقوا علي أنفسهم تضم جبهتهم منير فخري عبد النور، ومحمد سرحان، ومحمود اباظة، الذي تم تعيينه رئيسا مؤقتا، وقد أعلنوا سبب اختياره الي انه اكبر أعضاء الهيئة العليا سنا، ولم يكن هذا صحيحا، فمحمد علوان هو أكبرهم ، وقد تنبهوا لذلك فقالوا لأنه أقدم نواب رئيس الحزب.

هذه الجبهة لا تقابلها جبهة أخري، وإنما هي في مواجهة رئيس الحزب، فهو مستبد وديكتاتور، والغريب أننا لم نسمع لهم صوتا احتجاجا علي استبداده طيلة خمس سنوات هي فترة توليه الرئاسة، فلو وقفوا له منذ البداية، لما تمادي في غيه، وقديما قيل لفرعون: من الذي فرعنك فقال لم أجد من يصدني!

فالملاحظ انهم استفادوا من استبداده، بل أنهم ساعدوه علي ان يكون مستبدا، فبفضل استبداده تمت تصفية العناصر التي كان يمكن ان تمثل عقبة كؤود في طريق رئاسة اباظه للحزب، والتي لم يكن ليفكر فيها - مجرد التفكير - الا بعد عمر طويل!

لم نسمع صوتا للإصلاحيين ونعمان جمعة يفصل ايمن نور وغيره، لأنه بفصل المذكور قدم خدمة جليلة لمحمود اباظة. ولم نسمع لهم صوتا ونعمان يفصل عشرات الصحفيين، وهم الذين قرر الاصلاحيون عودتهم كأول قرار اتخذوه، شأن الثورات في بدايتها، التي لا تلبث بعد نشوة البداية من ان تأكل الجميع!

لقد كان الوفد يدار بلائحة مستبدة، وقد وعد جمعة عقب فوزه برئاسة الحزب بتعديلها وشكل لجنة لهذا الغرض، ما ان انتهت من أعمالها حتي اضطهد رئيسها المعارض المحترم، الدكتور إبراهيم الدسوقي اباظه، ومنعه من الكتابة في جريدة الوفد، ولم يتحمل الرجل كل هذا، فلقي ربه منذ شهور، وهو الذي بدأ الاصلاحيون أول اجتماع لهم بالوقوف دقيقة حدادا علي روحه، مع أننا لم نسمع لاحدهم صوتا، وهو يتعرض للقهر في حياته علي يد الديكتاتور نعمان جمعة، الذي كانت الوجوه قد عنت له فلم نكن نسمع حتي همسا!

إضافة الي هذا، فان من الواضح ان الإصلاحيين، لا توجد لهم أجندة سياسية، فهم لا يعترضون علي سقف المعارضة المنخفض الذي ارتضاه نعمان جمعة للوفد، فقط هم ضد سياسته المستبدة في إدارة الحزب، ولم ينتبهوا لهذا الاستبداد إلا بعد ان اقتربت النيران من ثيابهم، وتم فصل منير فخري عبد النور بنص لائحي، كان الاصلاحيون قد باركوه لأنه يستخدم ضد منافسيهم، وهو الذي يبيح فصل من يسئ للحزب، ولرئيسه، في وسائل الإعلام، وإذا كانت فرقة الإصلاح قد نجحت في إعادة منير فخري، الا انها استشعرت خطرا علي مستقبلها، عليه تدخلت للتخلص من رئيس الوفد بقرارمعيب، وكان يمكن ان تفعل هذا عبر الجمعية العمومية، فكان الوفديون سينحازون لاباظه ليس حبا في عمرو ولكن كراهية لزيد!

ان الطريقة التي تم التخلص بها من نعمان جمعة جذبت له تعاطفا من داخل الحزب ومن خارجه، لم يكن سيحصل عليها لو كان فصله تم بطريقة ديمقراطية.