هل تفتح جريمة اغتيال الحريري مغاليق الكهف الى بنك المدينة ؟
القضاء أمام اختبار الجدارة لاختراق اسرار الفضيحة المصرفية ndash; السياسية
عصام الجردي
![]()
بنك المدينة لغسيل الأموال القذرة
لم يخطر في بال ابطال الفضيحة المدوية في بنك المدينة وشقيقه بنك الاعتماد المتحد، ان يوم الحساب آت في الدنيا لا في الآخرة. ولا هم فكروا لحظة واحدة في ان هيكل السلطة والنفوذ والعنوة الذي أُوتوا، ووفّر لهم استباحة مئات الملايين من الدولارات الاميركية والعملات الأخرى، ومئات المليارات بعملة الوطن الجريح والمسبي، سيتداعى ويسقط. ولا اعتقدوا ان quot;الحلف المقدسquot; بين السلطة والمال الذي احكموا وثاقه سيتهاوى. كل ما ارتكب في المصرفين من سرقة وتزوير وسوء ائتمان واحتيال وغير ذلك يشي بما تقدم وما سيليه.
لم تكن قضية بنك المدينة ودائماً مع شقيقه بنك الاعتماد المتحد في حاجة الى راسخين في العلم لاكتشافها، خلافاً لكل الادعاءات التي سيقت في هذا المجال: اما تواطوءاً، واما شراكة، واما قرشا اسود ليوم quot;الكرسي الابيضquot;، واما جبناً وخوفاً، واما كل ذلك في وقت واحد. لم تكن الفضيحة في حاجة الى عيون ومراصد. فالناس كانت العيون والآذان المراصد. قبل الاعلان عن الفضيحة بين شباط 2003 وآذار من السنة نفسها كان دخانها الاسود يتلبد ثقيلا وينبىء بالمطر الحمضي الموبوء، حتى اذا وقعت الواقعة، وخرجت الى العلن، بعدما عُفّرت صناديق المال، قبض على القتيل... وفر القاتل! تماماً كما هي الحال في كل الجرائم التي وقعت عام 2005، وما بدلوا تبديلا.
ها قد بدأت البوصلة تتجه تلقاء نحو المكان. انه المكان نعم. وقد يكون مكان الامكنة، انما ليس بوكالة حصرية. لذلك، نسارع الى القول ان النظام الامني السوري اللبناني، ومن تحته بعض من quot;اللفيف السياسي المشتركquot; هما المستفيدان الرئيسان من أموال بنك المدينة. ومن هم من خارج النظام واللفيف في ادارة المصرف، افادوا ايضا من شبكة الحماية السياسية الامنية وأثروا بالكبائر والسرقات. وهذا ما تقوله المستندات والوقائع المثبتة غير القابلة للنقض والرد... ولا يدعينّ احد quot;تسييس الملفquot; والا وجد نفسه فيه مشاركا او غطاء.
بداية من حيث بدأ تحريك الملف: وزير العدل الدكتور شارل رزق يعلن ان النيابة العامة التمييزية ستتسلم من مصرف لبنان ملف بنك المدينة لتحقق في احتمال وجود عمليات تبييض اموال. فيرد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في حديث متلفز بأنه سيحيل الملف كله على النيابة العامة وquot;لسنا في وارد اخفاء اي معلومات. لكن الممارسات التي حصلت كانت معيبة في حق المجتمع اللبناني واللبنانيينquot;.
ويضيف ان الامر quot;سيذلل الكثير من الشائعات (...) والأفضل ترك الملف للقضاءquot;.
لماذا الآن؟
لماذا اعادة فتح الملف الآن؟ ومن باب تبييض الاموال تحديدا؟
أولاً : نقرأ في مسار هذا الملف ان ما من احد كان قادرا على مقاربته في العمق المقفل بمغاليق صدئة، لولا التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب الشهيد الدكتور باسل فليحان ورفاقهما من الشهداء. فالتقرير الاول لرئيس لجنة التحقيق السابق ديتليف ميليس وكذلك التقرير الثاني الى الامين العام للأمم المتحدة كوفي انان ارسلا اشارات قوية الى احتمال الربط بين جريمة الاغتيال وملف بنك المدينة وقد سبق التقريرين تقرير آخر لرئيس لجنة تقصي الحقائق الضابط الجنائي الايرلندي بتير فيتزجيرالد، وفيه تلميح بالمعنى نفسه.
لا نعرف ماذا في ملف ميليس عن الموضوع. بيد انه ليس من المصادفة المحضة ان اسماء بعض المتورطين في ملف بنك المدينة تتقاطع مع بعض اسماء المشتبه فيهم، او المتهمين في جريمة الاغتيال.
الالحاح على الريبة حيال وجود علاقة ما بين الملفين لا تفسير له سوى في المعلومات الخبيئة لدى ميليس والنائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا. واذا صحت هذه التقديرات، فان سياق التحقيق في جريمة الاغتيال قد يقود الى الاضاءة على الجريمة المالية في بنك المدينة.
ثانياً: اما فتح الملف من باب احتمال تبييض الاموال فلأنه يتيح رفع السرية المصرفية عن المرتكبين في بنك المدينة. اي يؤدي الى كهف quot;السرية المصونة العفةquot;، التي طالما استرخى في مخدعها صغار ومرتكبون، وسقط متاع من يسمون عندنا quot;وجهاء قوم وكبارquot;، ودائما كانت الستائر سميكة تظهر المركوب وتخفي المرتكب.
العين الدولية ايضا كانت مفتوحة على ملف quot;المدينةquot; كأبيض معلم في المدينة. وخصوصا في ما اتصل بالاموال العراقية في مرحلة برنامج quot;النفط في مقابل الغذاءquot;، والقسائم التي وزعها نظام صدام حسين في لبنان والعالم العربي. وبحسب المعلومات، فان رنا قليلات، quot;رامبوquot; بنك المدينة التي quot;غادرت ولم تعدquot;، عقدت اتفاقا مع الحكومة العراقية الصدامية السابقة لاستقبال ودائع عراقية من دون المرور بنيويورك جورج دبليو بوش. وقد مهد للعقد سمسار عتيق يسمونه سياسياً عندنا. ويعني ذلك ان التحويلات يفترض ان تصل نقدا. وتقول مصادر المعلومات ان التحويلات لم تتجاوز الـ50 مليون دولار اميركي، وانها اعيدت كليا او جزئيا، بعدما حركت حكومة اياد علاوي السابقة ملف الودائع العراقية في لبنان. وبقي هذا الاهتمام قائما لدى الدوائر السياسية الدولية، وكان من بينه استفسارات وردت من الامم المتحدة على لبنان عن اسماء وقوى سياسية معينة على صلة شبهة بالاموال العراقية.
تحت المجهر
اما القول ان احياء ملف بنك المدينة وكشف الحقائق المتصلة به، بدا متعذراً الا من خلال باب التبييض، لأن الهيئة المصرفية العليا برئاسة حاكم مصرف لبنان، أي المحكمة المصرفية التي تصدر احكاماً مبرمة غير قابلة لأي شكل من اشكال الرد او الاستئناف ولا المراجعة، ارتأت تعيين مدير موقت لبنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد، يعمل باشراف مباشر من الهيئة. ولم تحل الهيئة الملف على القضاء المختص بموجب القانون 2/67، اي حالات الافلاس، ولا على المحكمة المصرفية الخاصة الناظرة في المصارف الموضوعة عليها اليد بموجب القانون 110/91. فبقي الملف في عهدة الهيئة المصرفية العليا، بقطع النظر عن الدعاوى التي اقامها حاكم مصرف لبنان ضد رنا قليلات بتهمة تزوير توقيعه على أحد المستندات الوهمية، وعن الدعاوى المتبادلة بين رئيس مجلس ادارة بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد والمدير العام عدنان ابو عياش وقليلات وآخرين.
ان رفع السرية المصرفية لا يمكن ان يتم خارج الهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الاموال المنشأة بالقانون 318 في عام 2001 والتي يرأسها حاكم مصرف لبنان. وقد احالت هذه الهيئة، كما هو معروف، على النائب العام التمييزي السابق القاضي عدنان عضوم قراراً برفع السرية المصرفية وتجميد حسابات 21 شخصاً بينهم رئيس مجلس ادارة المصرفين وشقيقه ابرهيم ابو عياش، وقليلات وشقيقها طه واسماء اخرى لكبار الموظفين في المصرفين، وآخرون ممن استخدموا قنوات لتهريب الاموال الى قوى نافذة. وجاءت الاحالة بعد قرار الهيئة الخاصة لمكافحة تبييض الاموال في تاريخ 6 شباط 2003. لكن الهيئة عادت وسحبت الطلب. وعلل سلامة ذلك في بيان صحافي ذكر فيه أن عدنان ابو عياش تعهد له خطياً بمسؤوليته عن اعمال قليلات وادارتي المصرفين، وبأن المال المشكوك فيه هو ماله، وابدى استعداده لسد الخسائر.
في 15 آب 2003 عادت الهيئة واحالت الملف مرة ثانية بالاسماء نفسها. وفي كتاب الاحالة تعليل لموجبها: quot;حيث تبين من الوقائع المتتابعة ان المستجدات التي كانت هذه الهيئة (الخاصة لمكافحة تبييض الاموال) قد ارتكزت عليها للعودة عن قراراتها السابقة القاضية برفع السرية عن اموال الاشخاص الوارد ذكرهم فيها وبتجميدها قد تبين عدم صحتهاquot;. يلي ذلك طلب رفع السرية وتجميد الاموال.
سحب الملف ثانية
اما المفاجأة فكانت ان سلامة طلب الى عضوم خطياً سحب الاحالة الثانية. انما من دون اعلان هذه المرة. وقد تأكدنا من ذلك بعد اعلان وزير العدل وتأكيد حاكم مصرف لبنان أنه سيحيل الملف المتعلق بتبييض الاموال. وكان هذا دليلنا الى ان الملف تكرر سحبه. والا فما الداعي للاحالة الثالثة؟
واضح ان الملف كان يبحث عن مكان ما يحط فيه، لكثرة الالتباس الذي يعوزه التفسير توخياً للشفافية في اقل الاعتبارات. فهمنا ما قاله حاكم مصرف لبنان، والمستمر في قوله ويردده وراءه بعض مسؤولين واصحاب علاقة، ومفاده ان الغاية من سحب الملف كانت دفع حقوق المودعين. وقد حصل ذلك، على ما يؤكد سلامة quot;من دون تحميل الدولة اية اعباءquot;. كما ان ابو عياش quot;وعد بتحويلات الى مصرف لبنان لتغطية الخسائر، فكان ان ارتأينا سحب الملفquot;. في الاحالة الثانية تبدى ان ابو عياش لم يحوّل ما يذكر، وان هناك تحويلات غير صحيحة، فأحيل الملف ثانية. ماذا عن سحب الاحالة مرة ثانية؟
مصادر متابعة للملف تفيد ان مصرف لبنان سيّل نحو 800 عقار لدفع الودائع والالتزامات المترتبة على المصرفين.
ليس لنا الدخول في التخمين والبيع والشراء. لكن ماذا عن الارتكابات الحاصلة في المصرفين؟ وعن المرتكبين؟ وهل يعفي حصول المودعين على ودائعهم، مصرف لبنان والهيئة المصرفية العليا من دعاوى جزائية ضد الفاعلين؟
السيناريو مفهوم جيداً: كان يكفي لاحالة القضية على القضاء لتأخذ مجراها بان يتقدم اي مودع بدعوة شخصية. وقد انتفت هذه الحالة مع تأكيد مصرف لبنان على الدوام ان الودائع مضمونة وستدفع. صغار المودعين لا همّ لديهم سوى حقوقهم. اما كبار المودعين في المطلق فهم انفسهم في الملف.
ولمن لا يعلم: هناك 38 عميلاً يمثلون 0,2 في المئة من المودعين يملكون نحو 40 في المئة من الودائع. وهناك 4 مستلفين حصلوا على اكثر من 81 في المئة من التسليفات: quot;المغاسل مرت من هناquot;.
الحقوق والحقيقة
هذا واضح للجنة الرقابة على المصارف ولحاكم مصرف لبنان وللهيئة المصرفية العليا، وللهيئة الخاصة بمكافحة تبييض الاموال.
فمصرف لبنان يعتبر ان ابو عياش هو الاساس في انهيار المصرفين. والقانون يقول ذلك ايضاً. فكيف اذا تعهد سداد الخسائر واطراء العصابة التي قيل انها كانت تدير المصرفين في غيابه؟ قريبون من ابو عياش يقولون انه ضحية رنا قليلات ونظام الحماية التي وفرها لها من حصلوا على مئات الملايين من الدولارات الاميركية.
نسأل هؤلاء: هل ابو عياش يعاني مرضاً نفسياً؟ يجيبون: quot;لا. انه مهندس يحمل دكتوراه من تكساس في الولايات المتحدة، ورجل اعمال ناجح حاول توظيف ثروته في بلادهquot;.
واذ نسأل ايضاً وبسذاجة: كيف يولي رجل في مواصفاته مافيا لادارة امواله واموال الناس؟ وكيف يتعهد سداد نتائج اعمالها، وقد علم بأمرها إن متأخرا؟ فلا تحصل على جواب!
من شأن الناس ان تنال حقوقها. وقد دُفعت، كما يؤكد حاكم مصرف لبنان. ولكن من شأن الناس الحقيقة ايضا. وهذه لم تكشف بعد. بل ان كل الذي حصل حتى الآن هو التستر عليها. المستندات التي اعلن حاكم مصرف لبنان انه أحالها على النيابية العامة مرتين في 2003 خلت من الاسماء التي تلهج بها الالسن. للنيابة العامة التمييزية الآن ان تتأكد من لائحة الاسماء، ما تقدم منها، وما استأخر وما استسقط.
نسأل حاكم مصرف لبنان: هل كان يكفي لسحب الاحالة الاولى من النيابة العامة، ان يقول ابو عياش ان المال ماله ويتعهد بسداد الخسائر؟ الا يدفع هذا الامر الى الظن بمصدر امواله شخصيا؟ ونسأل ايضاً: اذا ثبت ان اموال ابو عياش، تأتت من اعماله الناجحة والكبيرة، وثبت في المقابل ان العقارات والممتلكات التي سيّلها مصرف لبنان استردادا لماله، كانت ممولة بالسرقات والتزوير وسوء الامانة او بواحدة منها على الاقل، الا يعتبر ان مصرف لبنان قدم اموالا نظيفة واستردها مبيضة او مشكوكا في نظافتها؟
كلام كثير يقال في العقارات وتخمينها. وكذلك في الاموال التي ضخها ابو عياش، سواء الى بنك المدينة لسداد الخسائر قبل وقوع الازمة، أو بعدها.
ففندق كورال بيتش تم تخمينه بـ49 مليون دولار اميركي. وكان قد خرج من بنك المدينة بواسطة رنا قليلات لشقيقها طه 55 مليون دولار اميركي تمت بها عملية الشراء.
يقول اقرباء ابو عياش في بيروت انه حول الى بنك المدنية ما بين 25 تشرين الثاني 1999 وآذار 2003 ما يقرب من 785,580 مليون دولار اميركي، بينها 80 مليونا بعد وقوع الازمة، ومصدرها اهم المصارف العربية والاوروبية. وقد تبخرت هذه التحويلات كلها من طريق رنا قليلات ولم يتبق سوى ارقام حسابات وهمية.
لا جدال في ان قليلات كانت الكوة التي خرجت منها اموال بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد. بعضها كان يذهب تسليفات الى المجموعة اللصيقة بها. ومنها الى غير هذه المجموعة نقدا، او شيكات مسحوبة على المصرفين او على مصارف اخرى لبنانية، او على شكل بطاقات اعتماد. ودرءا للتشتت في الديون، والاشتباه بها، غالبا ما لجأت قليلات الى تصفية ديون المجموعة وتسجيلها في حساباتها المدينة. وحين تلح لجنة الرقابة على المصارف بتكوين مؤونات لتلك الديون الرديئة، ويتم اخطار ابو عياش في السعودية بضرورة ارسال تحويلات إما للمؤونات او للخسائر، يتبدد المال من جديد ولا يحوّل الى غايته. ثم تحصل عمليات سرقة وتزوير قيود، وتلاعب في الحسابات، للتخفيف من الأثر الظاهر في القيود الخاضعة للرقابة والمفترض ان تكون قيودا صحيحة. فكيف اذا كانت مزورة ومتلاعبا بها وممهورة بخاتم مدّقق حسابات مجاز قانونا؟
كيف سحبت الـ 150 مليونا؟
من غرائب هذا الملف، ان عدنان ابو عياش كان حوّل الى مصرف لبنان في شباط 2003، وبعد محادثة هاتفية مع الحاكم، 150 مليون دولار اميركي موثقة قيودها، على ان تكون الوديعة شخصية وليس لتغطية سحوبات رنا قليلات. وقد افاد سلامة بذلك النيابة العامة التمييزية ولجنة الرقابة على المصارف. الا ان قليلات تمكنت من تحويل قيد الوديعة لتغطية حسابات مدينة لها ومكشوفة. وقضية كيف حصل ذلك ما زالت عالقة في القضاء.
اللائحة الطويلة
لائحة المستفيدين من المصرفين باساليب غير مشروعة طويلة جدا. وكان يفترض ان تقام دعاوى جزائية في حقهم لو كانت للقضاء الكلمة الاولى في الملف. وهي غير لائحة الـ21 التي احيلت على النيابة العامة التمييزية في عام 2003 اكثر من مرة وسحبت. ولا ندعي معرفة بالاسماء جميعها. ونعتذر لعلة الجهل من الذين سقطت اسماؤهم. تبدأ اللائحة باشقاء رئيس جهاز الامن والاستطلاع في القوات السورية في لبنان سابقا رستم غزالي، وهم محمد وبرهان وناظم عبده غزالي، ووزير الدفاع السابق مصطفى طلاس، وتنتهي بلبنانيين من نواب ووزراء سابقين ونافذين قريبين من النظام الامني السوري اللبناني، واصحاب صحف ونافذين من بينهم: ن.ق. براتب 125 الف دولار اميركي شهريا، وك.ب. بـ 5 مليارات ليرة لبنانية لحزبه اضافة الى مليون دولار على دفعات، وع.ع. باكثر من 7 ملايين دولار اميركي، وش.أ. بـ 300 الف دولار اميركي. وع.ك. بـ300 الف دولار اميركي والمغني ج.و. بـ5 مليارات ليرة.
تقدر مراجع معنية حجم الاموال التي حصل عليها اشقاء رستم غزالي بنحو 60 مليون دولار اميركي حدا ادنى، وان جزءا كبيرا من تلك الاموال ذهب نقدا ولا قيود له من خلال قليلات، التي كانت تغذي حسابات الشيكات وبطاقات الصرف الآلي من حسابات وهمية لها، وتحصل عليها من الودائع والتحويلات المصرفية.
فالمبالغ المسحوبة بواسطة بطاقات السحب الآلي بلغت في الفترة ما بين 19 كانون الثاني 2002 وبين 19 كانون الاول من السنة نفسها 8 ملايين و396,702 دولار اميركي. وفي الفترة ما بين 16 كانون الأول 2002 و15 كانون الثاني 2003 بلغت السحوبات بالوسيلة نفسها و115,304 دولار اميركي.
وتظهر السحوبات من الصراف الآلي ان نحو 17 عملية حصلت في اليوم الواحد، ولا سيما في الايام الاخيرة من 2002 وفي كانون الثاني من 2003، اي قبل انفجار الأزمة في شباط بأيام، الامر الذي ينطوي على مزيد من الريبة. وقد استخدمت بطاقات الصرف الآلي خارج السحب النقدي، لشراء المجوهرات بمئات آلاف الدولارات الاميركية يوميا، وبواقع 4 عمليات في اليوم الواحد احيانا وما يماثلها في اليوم الثاني.
المستند 1-12
اما السحوبات بالشيكات عبر بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد فكانت تصدر من حسابات افراد وردت اسماؤهم في احالات تبييض الاموال (كايهاب حمية)، وفتحت لهم حسابات من اموال المودعين والتحويلات الخارجية. والجهة المستفيدة الظاهرة في الشيكات اسماء وهمية في معظمها تستخدم لتجيير الشيكات بأسماء عائلة غزالي، وغالبا ما تعود الشيكات للمرور في مصارف اخرى.
العقارات والمستند 13
العقارات، كانت هي الاخرى ملعبا واسعا لتهريب الاموال من المصرفين.
واللاعب الابرز كان رينه إميل معوض، الصديق القريب من قليلات. ويتردد ان المغني ج.و. كان وسيلة التعارف بين الاثنين وكان رنيه المعروف باسم quot; رنيه كعدو معوضquot; على صلة قوية بسياسيين ووزراء، واقام علاقات متينة مع ابو عياش، وعرّفه الى نافذين من سياسيي شبكة الحماية قبل ان يصبح الفريقان في دعاوى جزائية لدى المحاكم. ذلك ان ابو عياش يتهمه بشراء عشرات العقارات من امواله المسحوبة من المصرفين، بالاضافة الى اسطول من السيارات الفارهة ومقتنيات اخرى. ويقدر ابو عياش ان ما سحبه معوض لشراء العقارات تجاوز 47 مليون دولار اميركي.
وكما في السحوبات التي نشطت اسابيع وأياماً قبل سقوط المصرفين، فإن 21 عقارا من اصل 40، تم تسجيل ملكيتها في يوم واحد هو 28 كانون الاول 2002 (المستندان 14 و15). وكان معوض يملك فندقا في جونيه باعه من قليلات ثم اعادته له قبل ان تسترده الادارة الموقتة للمصرفين. واسم معوض لم يرد في اللائحتين المتعلقتين بتبييض الاموال اللتين قدمهما حاكم مصرف لبنان الى النيابة العامة واستردهما.
ان تأتي متأخراً
الثابت في هذا الملف ان جذوره بدأت قبل شباط وآذار 2003. وان لجنة الرقابة على المصارف كانت موجودة على نحو مستمر في بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد، وان الهيئة المصرفية العليا كانت على اطلاع ودراية بالوضع في بداياته. فلماذا تأخر تعيين المدير الموقت حتى 8 آب 2003؟
وهل جرى هذا التأخير من اجل حقوق المودعين؟
عندما تم تعيين المدير الموقت كانت الخسائر قد بلغت نحو 600 مليون دولار اميركي. واضح من خلال المستندات والسحوبات، ان معظم الاموال خرجت في 2002 وفي الاسابيع والايام الاخيرة منها. وكأن الضالعين في هذا الملف هم الذين حددوا ساعة الصفر، ونظفوا الصناديق ليلقى القبض على القتيل ويفر القتلة.
ليس من شأننا توزيع المسؤوليات بين مصرف لبنان وبين لجنة الرقابة على المصارف. لكننا نشير الى أن تقرير لجنة الرقابة على المصارف مرفوع الى حاكم مصرف لبنان، بصفته رئيساً للهيئة المصرفية العليا، ويتبين منه ان اللجنة كانت طالبت الهيئة بتعيين مدير موقت في مطلع سنة 2001. ويحذر التقرير من ترك الوضع يتفاقم. وفي النص: quot;ان تأخير الحل الجذري لمشكلة هذين المصرفين (المدينة والاعتماد المتحد) سيلحق الضرر بسمعة القطاع المصرفي. ولا شك في ان ايجاد الحل النهائي لهذا الملف عن طريق تعيين مدير موقت سيترك ارتياحا عاما لدى هذا القطاع والمتعاملين معهquot;.
يضيف التقرير: quot;تعود لجنة الرقابة (على المصارف) وتؤكد توصيتها بتعيين مدير موقت. هذه التوصية التي رفعتها في المرة الاولى الى الهيئة المصرفية العليا في تاريخ 3-3-2001، واستمرت في طرحها، وكان آخرها في تاريخ 10-2-2003، من ضمن مطالعة رئيس اللجنة امام الهيئة (المصرفية العليا)، والتي اوجزت اهم التجاوزات والمخالفات المرتكبة، والتي تشكل سوء ادارة، وسوء ائتمان وتزويراً فاضحاً في المصرفين تفاقم في شكل صريح منذ اكثر من عامين. وارفقت هذه المطالعة للاهميةquot;.
ولمستزيد: في التقرير نفسه ما يدعو الى التساؤل. ذلك ان الهيئة المصرفية العليا كانت عينت مراقبا من لجنة الرقابة على المصارف لمصرفي المدينة والاعتماد المتحد. وفي قرار التعيين ان يتعاون المراقب مع مفوضي المراقبة في المصرفين، الامر الذي استدعى ردا من لجنة الرقابة على المصارف بلهجة نادرا ما تستخدم في المراسلات بين الاثنين: quot;تستغرب اللجنة ما ورد في البند التاسع من قرار الهيئة بأن: (يتعاون المراقب لدى المصرف)، بدلا من الطلب الى مفوضي المراقبة التعاون مع المراقب. وتشير اللجنة الى انها متحفظة اصلا عن جميع تقارير السادة هوروث ابو شقرا منذ اكثر من عامين. وتوصي الهيئة المصرفية العليا بإقصاء مفوض المراقبة هذا لتقصيره الفاضح في عمله طوال السنوات السابقةquot;.
تقرير معبّر جدا ويوحي اكثر من التقصير من الهيئة المصرفية العليا. والدليل، ان اثنين من مفوضي المراقبة من المؤسسة المذكورة قد اوقفا وخلي لاحقا مع quot;الست رناquot;وابراهيم ابو عياش وآخرين. ولو تعاون المراقب معهما لربما كان الوحيد الذي بقي موقوفاً.
الهيئة المصرفية العليا كان امامها ملف اسود وعفن، وهي على علم به منذ سنوات. وهي محكمة باوسع الصلاحيات والقرارات الحكمية النافذة. لماذا تصدر عنها قرارات من هذا النوع وفي ملف بهذه الخطورة؟
ملف كهذا، وبحجم الجرائم المفضوحة، لا يصح ان نعقد عليه تسوية فساد سياسي او طائفي. هو نفسه متوازن طائفياً وليس من اعتراض. quot;المودعون اخذوا حقوقهمquot;. لكن الحقيقة لم ينصب لها قوس بعد. نريد معرفة الفاعل ونائب الفاعل بلا مجاز ولا استعارة. أما وان الملف ا صبح في يد القضاء فامتحان جدارة له إن كان قادراً على مواجهة سمك القرش بلا لجان دولية ومن يدولون.
لننتظر... مع تحيات للقاضي ناظم الخوري.













التعليقات