بشري ناصر

كاتبة قطرية

في تزايد المطبوعات الموجهة للمرأة : أشير في هذا السياق متسائلة: لمن توجه تلك المطبوعات المدموغة بصفة (مجلة المرأة) أو مجلة الأسرة......؟ وأية قيمة تؤسس لها تلك المطبوعات؟ في تصفح سريع لعدد من تلك المجلات العربية نلاحظ فوقية تلك الصحافة علي النساء العربيات ؛ فالمجتمعات العربية لم تحسم موضوع الفقر بعد حيث لا تزال نسبة كبيرة من قطاع المجتمعات تمثلهن القرويات والفلاحات والأميات... فهل هن بحاجة لتحريض يدعوهن لمزيد من السخط علي واقعهن عبر المجلات النسائية المنادية لمزيد من استهلاك ولهاث متواصل لعوالم كاذبة وهمية عبر الصورة المرفهة لأحدث المودات والتقاليع والعطور وأدوات الزينة؟ وحيث لا يزال قطاع كبير من النساء العربيات غارق في تفاصيلهن الخاصة ووسائل الزينة البدائية جداً والقديمة مثل (الوشم ؛ والأثمد أو الكحل العربي ؛ والديرم ) وما الي ذلك مما يعني أن الفجوة بين تلك الصحافة والنساء المعنيات فجوة ثقافية اقتصادية ومعرفية ... خاصة اذا قلنا أن أجر المرأة العربية(العاملة) الشهري قد لا يكفي ثمناً لزجاجة عطر أو أصبع لأحمر شفاه من تلك التي تعلن عنها الصحف ... فهل تتوجه تلك المجلات النسائية للأوساط المرفهة المترفة والتي تمثل ربما أقل من نسبة 20 % ؛ لكن المحزن في الأمر أن صحافة النساء لا تقدم غير دعوة لتهميشهن وتعميق القطيعة بينهن وبين مفاهيم المطالبة بالمساواة ؛ عبر ما تكرسه تلك الصحافة من (جسد) والاحتفاء والاحتفال به من الرأس حتي أخمص القدم ولتصير نساؤنا إماءً لطقوس لا تتوقف عند الحفاظ عليه فقط بل جعله جذاباً مثيراً كممثلات السينما وعارضات الأزياء ؛ فنجد أنفسنا هنا في مأزق (عبودية الجسد) بينما يمضي الخطاب المثقف المسؤول لتسليط الضوء علي تحرير المرأة تحريراً فكرياً كاملاً بوعي قضاياها المتمثلة في : كيف تتعامل مع ذاتها كإنسانة صاحبة قرار لتسيير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في ظل كل التراكم من الوصايات الأبوية ... فما يطلب اليوم وعبر تلك الوسائل الإعلامية:هو إنتاج (جسد امرأة) رشيقة بقد مياس ومثيرة جنسياً وللدرجة التي غيرت نمط تفكير المجتمعات العربية التي كانت تحرم عمليات التجميل وتراها بطراً لا لزوم له.. الي قبول جماعي وموافقة طالما توفرت الوسيلة والنقود ... بمعني أن مقياس الجمال تحول وتغير بشكل انقلابي فصار تبعاً للسوق والتسويق بعدما كان نسبياً ؛ وليؤثر تأثيراً تاماً علي فكر المرأة وفكر المجتمع ؛حيث تصرف النساء أموالاً وأوقاتاً طويلة للوصول لهدفهن المنشود ؛ كما أن نسبة كبيرة من النساء والفتيات يتعرضن لإحباطات ومتاعب نفسية قد تتطور لتصبح أمراضاً نفسية وعضوية إذا لم يحققن (النموذج) المشاع المرغوب . .. والذي تتعرض فيه أيضا النساء (العارضات) للعبودية والإذلال بتفريغهن من أي محتوي فكري وطرح أجسادهن كمادة ووسيلة للاستمتاع ولو بالنظر أوبالأحري تشيئ أجسادهن لأغراض تجارية تتبع العرض والطلب ... ناهيك طبعاً عن محاولات تنميط الجسد العربي التي تجعله خاضعاً لمعايير لا علاقة لها بالخصوصية الثقافية العربية ؛ كما تحاول المطبوعات الموجهة للنساء بالتغرير بهن والكذب عليهن بسلسة طويلة من الأكاذيب تبدأ بتصوير الحياة الزوجية وردية حالمة لا تعني غير باقات ورد متناثر وزهور وشموع وأجواء حبلي بالرومانسية ؛ والديكورات الرائعة لبيوت مثالية لا تتحقق حتي في الأحلام .. لتصطدم البنات في بداية حياتهن ودخولهن تجربة الزواج بالواقع الذي يملي شروطه ولا ينتمي للصورة المرسومة في تلك الصحافة النسائية.. كما يعاب علي تلك الصحافة تكريسها أدواراً ثابتة ومحددة للمرأة وتكاد لا تتزحزح عن : الديكور والمطبخ والتجميل ... أما الجانب المهني أو اختراق النساء لسوق العمل فالصورة الحالمة نفسها لا تتغير ولا تستطيع التوافق مع الواقع وشرحه بصراعاته ومشكلاته .. كما نري الأحكام الجاهزة الأشبه بالقوالب في التقارير والموضوعات مثل (علاقة المدير بالسكرتيرة) والخيانات الزوجية وما الي ذلك ... باختصار شديد : المجلات الموجهة لنسائنا العربيات مجلات متبطرة بعيدة عن الواقع .. لا تنزل لحال الفقيرات المعدمات ... ولا تخاطب الفلاحات القرويات ... كما لا توجه خطابها لذوات الدخل المحدود أو المتوسط ؛ تحاول طرح منظومة من القيم / الأفكار لا علاقة لها بالنساء العربيات