اختلف الحاج أمين والملك عبدالله فسقط بلدنا

عبير بسام - البلد

فيد في زمن الصراعات حول السلاح الفلسطيني، وفي منتصف المهلة التي أعطاها أقطاب الحوار لأنفسهم لضبضبة هذا السلاح، أن تعود الذاكرة الى بدايات اللجوء الفلسطيني الى لبنان. كيف بدأت الحكاية انتظارا لأيام، أو اسابيع كحد أقصى. وكيف كانت الخيم محال الاقامة الوحيدة المسموحة؟ عودة بالذاكرة الى نشوء مخيم برج البراجنة، الى سقوط فلسطين وقيام اسرائيل، تساعد ربما الى هروب، ولو بالحلم أوالهذيان، من واقع عمره 58 عاما، ويبدو مرشحا للاستمرار أعواما أخرى بعد. في الذكرى السنوية الـ 39 لنكسة 5 حزيران 1967، رواية عن لاجئي 1948، سنة 2006.
يقول أبو عوني، وهو من مواليد العام 1911:rdquo; جئت الى لبنان مع عائلتي، وكنا حينها أربعة أفراد، وكانت معنا ثماني عائلات أخرى. سكنا جميعنا في برج البراجنة. كان المكان عبارة عن رمل ممتد بشكل لا يحده حدود. وكنت أول من نصب خيمته فوق الرمال، قبل ان ابني بيتا مكان الخيمة. في البداية عملت في قيادة سيارات الأجرة، ومن ثم بدأت ببيع الخضار على العربات، وبعد ذلك تمكنت من فتح دكان لبيع الخضار والفاكهة. ومن دخل الدكان استطعت أن أربي الأولاد وأعلمهم. وهذه الأرض التي أقيم فوقها المخيم هي لرجل من عائلة منيمنة. في البداية كان كريماً وقال لنا أننا نستطيع البقاء ما شئنا أن نبقى، ولكن إقامتنا طالت. فرفع أمره الى حاكم بعبدا، متهماً إيّانا بأننا شحاذون. ولكن عندما مثلنا أمام الحاكم أريناه أوراقنا التي أعطتنا إياها الأونروا مثبتة أننا لاجئون. فقال الحاكم له: ldquo;اذا كنت تستطيع أن تشيد لهم بيوتاً بديلة، وأن تنقلهم على حسابك، عندها يمكنهم أن يغادروا المكان، وإلا فهم باقون هنا الى ما شاء اللهrdquo;.
وعن سبب اختيار برج البراجنة كمكان للإقامة يقول أبو عوني: ldquo;هناك جماعات من لبنان كانت تزورنا في طيرشيحا، وهم من آل السبع. كانوا يتاجرون بالقماش في بلدنا. وعندما سقطت حيفا بدأ الناس في طيرشيحا بالقدوم الى بيروت لشراء البضائع التي يحتاجونها، بسبب معرفتهم الوطيدة بالمختار حسن السبع، الذي استقبلهم هنا بعد النكبة مباشرةrdquo;.
بساتين ورمل حارق

خديجة عبدو منصور، زوجة حسن أحمد عبدو تقول:rdquo; كانت محطتنا الأولى في حاريص في قضاء بنت جبيل، لمدة عشرة أيام تقريباً. ثم سرنا باتجاه البرج الشمالي، حتى وصلنا الى وادي العيون، والطائرات تهدر من فوقنا ترافقنا. وكنت أحمل معي فرشة ومخدة ولحافا. أما والد زوجي فقد أحضر معه جملين وفرسا باعها جميعاً في حاريص بتراب المصاري. ثم قيل لنا أنهم فتحوا مخيماً في صور، في البص، وهو الآن مكان لبيع الخضار. بقينا هناك لمدة سنة تقريباً، أنجبت خلالها ابنتي فتحية. وعندما أصبح عمرها شهرين، جاء أناس من هيئة الأمم المتحدة وأخذونا الى عنجر، حيث بقينا سبعة أشهر. لم يكن العيش ممكناً في تلك المنطقة، كانت الزوبعة تجيء وتلف وتطلع مخيفة باتجاه السماء، فجئنا الى برج البراجنة متخذين الأمر على عاتقنا، وأول ما جئنا كانت هناك ثلاثة شوادر أو أربعةrdquo;.
الحاجة خديجة تكمل تفاصيل رحلة التهجير:rdquo; جئنا الى البرج سنة 1952، وكان أبو عوني صاحب أول شادر، ووصل بعده الى هنا رمزي حامد وزوجته، وحسن عبدو صبحية. وكان صبري مصطفى مديراً للمخيم آنذاك. وهو الذي وجهنا من أين وكيف نحضر ldquo;الشوادرrdquo;. أحضر عمي خيمة جرس كبيرة. وحمل سلفي خيمته وسار خلفنا. قال سأضع خيمتي في أي مكان تضعون فيه خيمتكم، فقلت له أن والده يريد أن يدخل الى عمق المنطقة، ولم يكن هناك سوى الرمل الذي كان يسلق أقدامنا بسبب حرارته المرتفعة. لم أكن أجرؤ عند بداية قدومنا على الدخول الى عمق المنطقة، ولكن خلال فترة لا تتجاوز الخمسة أيام وصل الناس الى فوق، الى حيث كانت تصرخ بنات آوىrdquo;.
وأضافت: ldquo;كان المكان يدعى ldquo;حرش القتيلrdquo;، وقد امتلأ بشجر الزيتون والتين وبساتين الليمون والبرتقال، ويصل الشجر فيه حتى مدخل المخيم الجنوبي. ثم جاء أصحابه واجتثوه عن بكرة أبيه. وكان اللبنانيون يبنون هنا غرفا بمثابة بيوت لهم، وأمام كل واحدة منها، بني حمام وضعت على بابه ستارة من القماش. وكانوا يزرعون الفجل والبصل والرشاد والخس وغيرها من الخضار، وكانت تنقل على ظهور الحمير ليبيعوها في بيروت. أما طعامهم فكان عبارة عن رغيف سميك، اذ لم يكن خبزهم كما هو الآن، يفتحونه نصفين ثم يملأون أحد نصفيه بما قسمه الله لهم من الخضارrdquo;.
وتكمل عن أحوال فلسطين:rdquo; مع أن زوجي كان فلاحا قبل اجبارنا على ترك ارزاقنا في فلسطين، إلا أنه كان قد قضى ثلاث سنوات عند الكتاب، وختم القرآن عند الشيخ. كانت حالتنا في فلسطين جيدة جداً. وعمي، والد زوجي، كانت لديه أرض ldquo;تفك المشنوقrdquo;. ويملك والدي نصف مارس، أي أرضا تكفي لبذار سبعة أمداد من القمح. وعمي عنده مارس في لزيق، وعنده بيارة تين وزيتون في دار سرحان، التي تقع بمحاذاة قناة الماء، قرب الحد الفاصل من سهل طيرشيحا... اشعر والله كأنني أراها الآن. خرجت من هناك ابنة 15 عاما، وكنا نعيش بيسر وهناء في فلسطين. الرجل يعمل في الزراعة حتى العصر، ثم يعود الى المنزل فيغتسل ويأكل ويرتاح، ومن ثم نبدأ الزيارات والمسامرات. اما الآن فلا يمكنني ان اقول الا ان هذا ما كتبه الله لنا، والله مع الصابرينrdquo;.
وعن أيامها الأخيرة في فلسطين تقول الحاجة خديجة: ldquo;كان الانكليز يرابطون في معسكر لهم ما بين ldquo;معليةrdquo; وrdquo;طيرشيحاrdquo;. وتشرف المعلية على المرج الذي يعتبر ضمن أراضي طيرشيحا، ومثلها ديزيب ونهاريا والبصة ووادي التمرون والغبيسة وعمقة ويانوح وكسرى والبقيعة، والقرى الثلاث الاخيرة درزية، سفحاتا والفسوطة ومقرزةrdquo;.
بندقية بمواجهة طائرة
واضافت: ldquo;في بداية الأحداث التي قادت الى نكبة 1948، فرض على كل واحد في البلد أن يشتري بندقية، وثمنها غال. كان عمي يملك فرساً أصيلة، يسمح لقادة الحرب آنذاك بركوبها، ومنهم أبو العبد الأصبح وفوزي القاوقجي. وكلهم جاؤوا من خارج البلد. كان الرجال يخرجون في كل يوم، يحملون بنادقهم على أكتافهم، وهي كل ما يتكلون عليه. ثم بدأت الطائرات بالهجوم، وكانوا يسمونها آنذاك ldquo; أم حنىrdquo;، وهي ذات زئير غريب الشكل، تأتي وتحرث الأرض حرثاً. وكانت تأتي من ناحية الشرق الى الغرب، وترمي ldquo;القازاناتrdquo;، التي كانت بحجم البراميل الكبيرة. في أول قصف سقط القازان فوق بيت العبد عمر، وكان يختبئ فيه نحو 150 شخصاً. فهبط البيت عليهم وعلى ما يملكون جميعاً، ولم ينج منهم أحد. كان خوفنا كبيرا، فبتنا كلما سمعنا زئير الطائرة، نهرب باتجاه الوعر ونختبئ بين أشجار الزيتون. وأحياناً كنا نصل حتى ldquo;خلة الماريناrdquo; ونختبئ بين الشقوف. وبدأ الخوف والرعب يعمان الناس. كانت الطائرة تغير علينا ثلاث مرات في اليوم: في السادسة صباحاً، وعند الظهيرة، وفي المغرب. لم نكن ننتهي من لملمة القتلى والجرحى حتى نبدأ بالذين بعدهم. وبدأ أهل البلاد من حولنا باللجوء الينا، من الغبسية والشيخ داوود والكابري وعنقا. فطيرشيحا بلدة كبيرة، وجميع الذين أتوا اليها غادروها يوم غادرناها. ثم بدأت الروايات والشائعات. قالوا ان ldquo;اليهودrdquo; دخلوا الى البلد وأنهم جاؤوا الى دير ياسين قبلنا، وكانوا يصفون الرجال في صف والنساء في آخر، ثم يبدأون باغتصاب النساء. وبعد أن ينتهوا منهن، كانوا يعدمون الجميع رمياً بالرصاص. وقالوا أنهم جاؤوا الى ldquo;الصفصافrdquo;، وبناتها يعتبرن من جميلات فلسطين، وفعلوا معهن ما فعلوه في دير ياسين. وبدا وكأن الناس قد فقدت عقلها، وكان لا بد من الخروج من فلسطين.
لم تكن برج البراجنة تشبه أي شيء من مناطقنا الجبلية. نحن من طيرشيحا بلد عزمي بشارة وواكيم. لقد كانت مدينة كبيرةrdquo;.
4 سنوات لالتئام البلدة
يصف أبو نبيل،علي الكبة، درب الآلام الذي مشاه حتى حط رحاله، فيقول:rdquo; يوم خرجنا كان عمري تسع سنوات. وأذكر أننا بتنا ليلتنا الأولى على البيادر في قرية رميش. ثم قضينا ليلة في بنت جبيل وأخرى في
خربة سلم. ثم اتجهنا نحو النبطية ونزلنا بعدها الى الصرفند ونمنا في خيزران. تابعنا طريقنا الى بيروت، حيث وصلنا الى برج البراجنة حيث جامع العرب، فوجدنا أن ابناء بلدنا من طيرشيحا والكابري وكلهم من قضاء عكا، قد وصلوا اليه. ثم توجهنا نحو بيت المختار أبو أحمد السبع، فاستقبلنا وبتنا ليلتنا في الجامع. أبو أحمد كان الزعيم وصاحب الكلمة هنا، وكان سكان البرج يجتمعون كل ليلة في بيته ابتداءً من الساعة الرابعةrdquo;. وبحسب أبو نبيل وغيره من الكثيرين، فقد كانت للمختار علاقات تجارة مع فلسطين، حيث كان يشتري التبن من صفد والكابري، قبل أن تسقط المدينتان بيد العصابات الصهيونية. وبعدها كان يمر على طيرشيحا لزيارة أصدقائه هناك. وبعد سقوط صفد بدأ بشراء التبن من طيرشيحا. بدأ المنكوبون كل بحسب امكاناته، باستئجار البيوت في البرج، حيث كانت تجتمع أحياناً أكثر من ثلاث عائلات في البيت الواحد. يقول أبو نبيل: ldquo;لقد كنا 12 شخصا من بيت الكبة وبيت حيدر في البيت نفسه. هناك بعض العائلات التي ذهبت الى حلب وحماه، إلا أن معظم عائلات طيرشيحا عادت واجتمعت هنا. اذا كل من يسمع أن أهل البلد هنا، كان يجمع متاعه ويحضر أهله ويأتي. وقد احتاج ذلك الى أربع سنوات تقريباً. ثم بدأ الناس بالذهاب والعودة ليلاً من والى طيرشيحا، لجلب بعض الطعام أو بعض الأغراض. وصار أبو أحمد يساعد القادمين منا، حتى انه وهب أرضاً لبيت السبع، قام البعض بنصب الخيم فيها. في الشتاء كانت تصبح المياه بعلو السرير، فاستعملوا لوائح من التنك لمنعها من الدخول، لأن الدولة اللبنانية منعتهم من بناء جدران لحماية الخيمrdquo;.
أمل بجنسية اسرائيلية
حاول والد علي أن يرسل ابنه الى فلسطين، في محاولة لتمكين العائلة بأكملها من العودة. يقول علي: ldquo;كانوا يضعون الناس في القطارات ثم يرسلونهم الى أبعد نقطة. ثم يقولون للناس أنزلوا، فينزلون وهم لا يدرون الى أين قد وصلوا
. فأهل طيرشيحا أرسلوهم في البداية الى حلب. وكان الذين يعودون ليأخذوا بعض الأغراض من بيوتهم، يأخذونهم ويرمون بهم في غزة. أما نحن فقد هربنا عام 1948، إلا أنني عدت مع والدي بعد سنة، حيث تركني مع عائلة مسيحية. وبقيت عند الياس مينة وعائلته، حتى استطيع أن أحصل على الجنسية الإسرائيلية، فأطلب الاذن لعائلتي بالعودة، أو على الأقل هذا ما ظننا ان بامكاننا ان نفعله. إلا أن اليهود مشطوا المنطقة، اذ عرفوا أن هناك بعض العائلات التي تحاول العودة، وأمسكوا بنا جميعاً، ووضعونا في جنين. ومن هناك جاءت الحافلة ونقلتنا الى عمان، حيث استلمنا الجيش الأردني. اذكر كم كنا جوعى، وكنا نجلس على الدرج، عندما بدأ الجيش تسليمنا جوازات السفر الأردنية، ثم تم نقلنا الى دمشق. عاد أبي الى طيرشيحا ليسأل عني، فأخبروه بما حدث. بعد عشرة أيام من مغادرتي فلسطين، وصلت الى بيروت، وكنت أسير في المعرض في سوق النورية، واذ بي ألتقي بأبي صدفة في الطريق، يومها جمعنا الكثير من القبل والدموعrdquo;.
سقوط طيرشيحا
يعني سقوط فلسطين
ابو سامي مصطفى، رجل في الثمانين من عمره، قاتل في فلسطين، في طيرشيحا هو ورفاقه، يقول: ldquo;هاجمنا اليهود مرات عدة، ولم يستطيعوا أن يسقطوا البلد في قبضتهم. ثم جاءت الطائرات فقصفت كل مكان. فخرج الجيش العربي الذي كان مرابضا فيها، وبقينا وحدنا. قاومنا لمدة ستة أشهر، حتى اختلف الحاج أمين الحسيني والملك عبدالله. فقد أرسل الحسيني الى البلد ستين ضابطاً كي يؤسسوا لدولة في طيرشيحا، فأرسل كل من أمير جمعان وضابط آخر كان اسمه ساري، يخبران الملك العبد الله، فأمرهم الأخير بالانسحاب النهائي. يومها كانت حصيلة هجوم الطائرات نحو ستين قتيلاً ، بعد أن هدمت ثلاث بنايات فوق رؤوسهم. ثم خلت البلدة من سكانها، ولم يبق سوى بعض المقاتلين وأنا منهم. بقينا نقاتل ldquo;اليهودrdquo; لمدة ثلاثة أيام، حتى خلت جعبنا من الذخيرة. بعدها عدنا الى البلد، الا أن الطائرات كشفتنا ولحقت بنا، حتى وصلنا الى أرض اسمها الجرجة. فقال الرفاق أين سنختبئ؟ فقلت لهم لنختبئ في العبارة. وقلت لأحدهم: مد رجلك حتى يروها، فيظنوا بأننا صرعى. كان في بلدتنا زيتون رومي كبير، كنت أتسلق جذوعه وأنا صغير، واذا بي أراه عندما مررنا بقربه وقد تحول الى أعمدة سوداء. راعني المنظر وأنا أدخل البلدة التي لم أجد فيها حتى والدي. يكفي أن نقول انه عندما سقطت طيرشيحا سقطت فلسطين كلها.
لحقت بجميع من سبقني الى بلدة رميش في جنوب لبنان، حيث التقيت أبي وبقينا لمدة يومين، ثم سرنا نحو بنت جبيل، وبعد ذلك الى عيتا الجبل، حيث يسكن صديق لأبي خدم معه في الجيش العثماني، وكان اسمه عبد الرسول. استقلبنا بحفاوة بالغة، واذكر يومها أن زوجته أم نبيل قامت بتحضير كبة بطاطا فأكلنا ونمنا. بعد ذلك ذهبنا الى القلعة في تبنين، حيث كانت الطائرات تغدو وتروح فوق رؤوسنا. قالوا ان غسان شديد وفؤاد شديد في السهل فنزلنا اليهما، اذ كنا نعرفهما وقد قضيا بعضاً من الوقت في بيتنا. وقال غسان سأعطيكم مكتوبا، فالباشا في القلعة، وهو سيؤمن لكم سيارة الى بيروتrdquo;.
لم يكن الباشا سوى فوزي القاوقجي الذي استقبلهم مبادراًً بالقول:rdquo; اذا كنتم تذرفون الدمع على فلسطين، فأنا أبكيها دماً. ولا تقولوا ان فلاناً قد خان، إن ما حدث هو تدبير سياسات دولrdquo;. ثم قام القاوقجي بتأمين السيارة التي أوصلت سامي وأباه الى بيروت والى مخيم البرج، ليذهبا الى عمه أبوصبري، سليم مصطفى، الذي ترك فلسطين قبلهم بستة أشهر والذي كان بانتظارهمrdquo;.
ويتابع أبو سامي القصة:rdquo;قالوا لنا ان من يذهب الى بيروت سيعيش على مدخراته. فذهبنا في البداية الى بيت عمي، ثم استأجرنا بيت علي حسين حركة، ldquo;أبو راغبrdquo;، في برج البراجنة في شارع المنشية. قال لنا: البيت على حسابكم تغادرونه ساعة تشاءون. دفعنا له يومها مبلغ 170 ل.ل وكانت لها قيمتها في تلك الأيام. كان حسن السبع مختار البرج قد أخذ بعض الناس على عاتقه، وأقام لهم سبع خيم في باب بيته. وطالت القصة أكثر مما كنا نتوقع، فبدأ الناس بنصب خيم في منطقة عرفت في ما بعد بجورة الطراشحة، وهي أرض ملك لرجل اسمه محمد منيمنة، يساوي متر الأرض فيها ليرة لبنانية واحدة، وعرضنا يومها عليه بدل ايجار، إلا أنه قال: ما دام الفلسطينيون هنا، فأنا لا أريد إيجاراً. لقد ظن المسكين أن القضية لن تطول أكثر من بضع سنواتrdquo;.
وبدأ مهجرو طيرشيحا وما يتبع لها من القرى، بالتوافد والتجمع في مخيم البرج، مع أهلهم من مختلف المخيمات في لبنان، والذي قامت الأونروا باستئجار أرضه وتعيين أول مسؤول عنه، وهو صبري مصطفى، الذي تولى توزيع الخيم على من يؤمه. وأولهم كان عمر محمود يوسف وعائلة عيدا ومصطفى الجشي. وسكن أبو فاروق ناي واخوته في جامع العرب. جاء أهلنا الذين كانوا في حلب، وجاء علي القدورة من الكابري ومحمد اسكندر من الكوكات. ولكن كان يحظر علينا بموجب قرار رسمي من الدولة اللبنانية الخروج من جورة الطراشحة الى الشارع، لأننا بذلك سنشوه منظر طريق المطارrdquo;. اما محمد منيمنة وبعد أن طال وقت مكوثنا في ارضه، اشتكى مطالباً بخروج الفلسطينيين منها، الى مسؤول في بعبدا، واسمه محمد الحيمري، فطالبه الحيمري بالبحث لهم عن مكان آخر، فوقع اختيار منيمنة على الأرض التي أقيمت فوقها في ما بعد شركة الريجي في منطقة الحدت، وكانت أرضاً جرداء غير مسكونة، فرفض طلبه وبقي المخيم في مكانه.
تلك بعض رواية عن نشوء مخيم فلسطيني على حدود بيروت، قبل نحو 58 عاما. ترى ماذا سيروى بعد زمن مماثل، أو أقل منه؟