الإثنين: 2006.07.31


بكين ـ كارين ميريك،
اذاعة هولندا العالمية
ترجمة محمد عبد الحميد

قبل أربعين عاما دعا الزعيم الصيني ماو تسي تونج الطلاب الصينيين إلى حملة تطهير كبرى للحزب الشيوعي الصيني، واستمرت الحملة الضارية التي سميت بالثورة الثقافية لعشر سنوات، ولم يضع نهايتها الحقيقية إلا وفاة الزعيم الصيني الأسطوري ماو تسي تونج.

دمغ ملايين الصينيين أثناء الثورة الثقافية بأعداء الثورة والدولة، وعوملوا بإذلال وقسوة بالغة وقتل أعداد لا حصر لها. مزقت آلاف العائلات وشتت شملها ودمت كنوز ثقافية وتاريخية لا تقدر بثمن.

وبالرغم من كل ذلك ثم مجموعات متعاظمة تنظر لتلك الفترة الكالحة من تاريخ الصين بحنين نوستالجي.

يستقبل رواد مطعم هونجسي جونديان في قلب بكين طاقم من العاملين في الخدمة في أزياء عسكرية ويعلنون عن قائمة الطعام بأصوات حادة وجدية. يمكنك أن تستمتع هنالك بسمكة كبيرة تكفي لثمانية أشخاص في أناء ضخم جدا، كما يسمح لك بالدخول إلى المطبخ للتعرف على أجواء المطابخ الجماعية في الستينيات من القرن الماضي. إذا لم تكن من محبي السمك فيمكنك تناول لحم الخنزير المعد على طريقة الزعيم ماو، وستستمتع أثناء الوجبة بالأغاني الثورية التي تنقلك إلى أيام الثورة الثقافية.

الحرس الأحمر
كان البروفسور مين في الرابعة عشرة من العمر عندما انطلقت شرارة الثورة الثقافية الصينية. قضي مين شبابه في جامعة بيدا في العاصمة بيكين، حيث كان والده محاضرا في علوم الرياضيات. في منتصف عام 1966 اندلعت مواجهة بين الزعيم الصيني ماو تسي تونج الذي أدت سياساته الاقتصادية إلى سلسلة من المجاعات التي أودت بحياة ملايين الصينيين، من جهة والمثقفين وعدد من قادة الحزب الذين بدأوا ينتقدون سياسات الزعيم ماو الكارثية من جهة أخرى. لمواجهة حملة الانتقادات أطلق الزعيم ماو تسي تونج عنان التعبئة الشاملة لمئات الآلاف من الطلاب الشبان المتحمسين الذين عرفوا بالحرس الأحمر، ضد قيادة الحزب والمثقفين، وانضم إليهم بروفسور مين الشاب في السادس عشر من مايو 1966.

حملة تطهير الحزب العاتية التي أعقبت ذلك استهدفت رسميا تطهير الحزب والبلاد من quot;الخمسة السودquot; وهم؛ quot;ملاك الأراضي، والفلاحون الأغنياء، وأنصار الثورة المضادة، والمجرمون والمثقفونquot;.

يشرح البروفسور مين أن الذين يتعرضون للعقاب أثناء الثورة الثقافية الكبرى كانوا يجبرون على السجود في الأرض واعتمار قبعات بيضاء مخروطية الشكل وتعرض بعضهم لضرب قاس ومبرح، وحلق الحرس الأحمر شعر رأس بعضهم جزئيا بطريقة مهينة.

تشهد الصين الآن سوقا رائجة لعشرات اللوحات والمشاهد الشبيهة لتلك التي شهدها البروفسور مين في صباه أثناء هوجة الثورة الثقافية. كما تتمتع الملصقات الدعائية والأيدلوجية التي تعود لحقبة ستينيات القرن الماضي التي أعيد طبعها على خلفيات من صورة الزعيم ماو بشعبية كبيرة وسط جامعي اللوحات والتذكارات.
بالعكس مما قد يتبادر إلى الأذهان فإن الصينيين هم الذين يشترون هذه التذكاريات وليس السواح الأجانب. الصينيون الذين يقتنون هذه التذكاريات، وفقا لبروفسور مين، هم من أمثال أولئك الذين يرتادون مطعم هونجسي جونديان quot;يحاول هؤلاء الناس إعادة الإمساك بشبابهم، بمثاليتهم على وجه التحديد. لقد افتقدوا ذلك أثناء الثورة الثقافية، لم يتمكنوا من الاستعاضة عنها بأية قيم أو مثل بديلة أبدا.quot;

شعارات
سرعان ما أصبح الحرس الأحمر عصيا على أية سيطرة، ورتب ماو لعمال المصانع الانتظام في الجامعات وكانت كي شون، المتقاعدة الآن، أحدهم:
quot;تخيل .. كان علينا أن نساعد طلاب الجامعات في تعلم وسائل وأساليب الزعيم ماوquot;. في ذلك الوقت كانت الآنسة كي تعمل في مصنع للأنابيب ومكونات الأسلحة، لكن المصنع توقف عن الإنتاج نهائيا في صيف 1966 وتوضح الآنسة كي السبب:
quot;توقفنا عن العمل فيما كانت مرتباتنا لا تزال تدفع بالكامل، كنا، بدلا عن العمل، نجتمع يوميا لدراسة أفكار وأعمال الزعيم ماو تسي تونج. كان علينا أن نردد أقواله في كل مكان، في الشارع كنا نردد هتافات، مثل الولاء للزعيم، لتظهر حبك للحزب وقائده والاشتراكية والشعب.

حتى لأداء أبسط الأعمال أو التصرفات، مثل الصعود إلى الحافلة، كان يجب عليك أن تجد مقولة مناسبة للرفيق ماو من كتبه الصغيرة الحمراء، حتى الأطفال كانت لديهم نسخ من كتب ماو تسي تونج.quot;

انضمت الآنسة كي لفرقة تؤدي أغاني ورقصات ثورية للترويج لأفكار الزعبم ماو. اختارت الآنسة كي الانضمام للفرقة لأنها كانت تهوي الرقص أصلا، ولم تكن شديدة الحرص على تعاليم الحرس الأحمر:
quot; انقسم العاملون في مصنعنا لقسمين، اخترت مع صديقة لي أن نبتعد عن السياسة ما أمكن، كنا نمضي وقتنا في الثرثرة ولعب الورق والتجول واكتفينا من السياسة بترديد الأغاني الثوريةquot; وتضيف ضاحكة quot;حتى عندما كنا نطرز قمصاننا أو نغسل ملابسناquot;.

الحنين إلى الماضي
بالرغم من أنها قضت وقتها في التطريز وترديد الأهازيج الثورية فإن الآنسة كي تستعيد الثورة الثقافية كفترة سوداء ومخيفة وتقولquot;أنا سعيدة بأن ثلاثين عاما قد مضت عليهاquot;.
لكن بروفسور مين يتذكرها بحنين ويعتبرها نمط الحياة البسيطة التي سادت في ذلك الحين. عندما كان في حوالي السادسة عشرة من عمره بعث ماوتسي تونج بكل طلاب المدن إلى المناطق الريفية ليتعلموا من الفلاحين. وجد بروفسور مين نفسه يعمل حمالا في الريف ينقل أكياس الرمل، يستعيد تلك الذكرى بابتسامة صافية كيف كان قويا آنذاك، ويقول: quot;لقد استفدت من تلك الفترة طوال حياتي وتمكنت من مواجهة كل المصاعب والمشاق التي واجهتني بعدها.quot;