جهاد فاضل
كان للرئيس اللبناني الراحل شارل حلو ندوة اسبوعية يستقبل خلالها الصحفيين اللبنانيين ويدلي خلالها بوجهة نظر الدولة في القضايا المطروحة. وكان هؤلاء الصحفيون يتوافدون في الموعد المحدد الي أحد صالونات القصر الجمهوري في سن الفيل بانتظار حضور الرئيس. فما ان كان يطل عليهم حتي يرحب بهم علي الصورة التالية: أهلاً وسهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان !!.
لم يكن مغزي هذا الترحيب يغيب عن بال الصحفيين، كما لم يكن أحد منهم يحتج او ينسحب. فقد كان وطنهم الأول المتمثل بالجهة الخارجية الداعمة لصحفهم، معروفاً من الجميع، ومعروفاً قبل كل شيء من توجهات هذه الصحف. وكان شارل حلو بالذات خبيراً دولياً بكل منهم. فقد بدأ حياته صحفياً لامعاً باللغة الفرنسية، سواء في بيروت أو في مدينة حلب السورية التي كانت صحفها باللغة الفرنسية تبيع اكثر مما تبيع صحفها، او صحف دمشق، باللغة العربية.
ومع ان شارل حلو عُرف كصحفي بنظافة اليد، إلا أن الوطن الأول أو المرجع الخارجي لكل صحفي من هؤلاء كان معروفاً منه، كما كان معروفاً أيضاً، وبنفس القدر من كل قاريء لبناني. وعلي ذلك واستناداً الي الكلمة الترحيبية التي كان الرئيس حلو يستقبل بها الصحفيين اللبنانيين في ندوته الأسبوعية، يكون الوطن الأول لهؤلاء الصحفيين هو وطن الدعم ، في حين يكون لبنان الوطن الثاني، أو وطن الإقامة.
علي ان شارل حلو وإن وضع يده علي الجرح فيما يتعلق بالولاء الخارجي لهؤلاء الصحفيين الذين اتهمهم بين الجد والمزح بهدر الكرامة وبيع الذات لمرجع خارجي، فإنه لم يضع يده إلا علي جانب واحد من جوانب المشكلة اللبنانية. ذلك ان كل طائفة من طوائف اللبنانيين كان لها علي الدوام مثل هذا المرجع الخارجي النافذ الذي يقدم الدعم السياسي أو العسكري، عند اللزوم. فإذا عثر الموارنة علي هذا المرجع بشخص الدولة الفلانية بحث الدروز، أو سواهم، عن مرجع آخر يقدم الضمانة أو الحماية.
واذا ما عدنا الي منتصف القرن التاسع عشر علي التحديد، وفيه نلمح بدايات تكون لبنان الحديث، وجدنا ان الطائفتين اللتين كانتا تتصارعان، فيه هما الموارنة والدروز. استعان الموارنة بفرنسا فقدمت لهم العون، وعثر الدروز بسرعة علي مرجع خارجي آخر تمثل بالإنجليز. وقد تصارع الفريقان وسالت الدماء أنهاراً بالفعل فيما بينهم. وكان كل مرجع خارجي يحرض كما يقدم الدعم. ولم تضع الحرب أوزارها بين الفريقين إلا عندما تدخلت الدولة العثمانية ودول أوروبية أخري. وبذلك وضع للحرب الدموية التي يُضرب المثل بها عندنا في لبنان من حيث قسوتها وهمجيتها.
واستمر بعد ذلك ظهور مثل المرجع الخارجي والوكيل المحلي في حقب مختلفة من تاريخ لبنان المعاصر. فإذا أردنا ان ننسب الفضل الأول في تكوين لبنان بحدوده الجغرافية المعروفة، لم نجد غير الفرنسيين. فقد كانوا هم من قدم الدعم السياسي غير المحدود للموارنة في مساعيهم لانشاء ما عُرف يومها ب لبنان الكبير . وقد كانوا هم سلطة الانتداب التي قررتها عصبة الأمم في بداية العشرينيات من القرن الماضي، علي لبنان. ولكن لأن الموارنة كانوا وراء انشاء لبنان الكبير فإن مسلمي لبنان وقفوا منه في البداية موقف المعارضة، وطالبوا بالانضمام الي سوريا.
ذلك انهم وجدوا ان لبنان قد فُصل تفصيلاً علي قد طائفة معينة ظفرت بعد تأسيسه بكل الامتيازات ولم تترك للمسلمين سوي حصة النسيب الفقير.. ولأنهم شعروا علي الدوام بغبن كبير لاحق بهم، فقد طالبوا العون مراراً من مرجع خارجي، عربي حيناً وغير عربي حيناً آخر. ذلك ان الصراع اللبناني الداخلي كان يتطلب علي الدوام من يُسعف هذه الطائفة أو تلك، في صراعها مع الطائفة الأخري!.
سنة ،1943 وهي سنة حصول لبنان علي استقلاله، كانت انجلترا هي وراء تحقق هذا الاستقلال. كان أكثر الموارنة والمسيحيين بوجه عام، منحازين عاطفياً الي فرنسا، وكانوا بالتالي يريدون الاحتفاظ بلبنان ذي ملامح مسيحية، أو فرنسية. ولكن لأن فرنسا خرجت مهزومة من الحرب، فإنها لم تستطع ان تقدم شيئاً للموارنة المتطلعين الي نجدتها.
أما الذي قدم مثل هذه النجدة فكان الانجليز الذين خرجوا ظافرين من تلك الحرب والذين ساعدوا اللبنانيين الاستقلاليين ممثلين هذه المرة بطليعة مارونية وإسلامية متنورة ممثلة بالشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح. وكان واضحاً ان الإسلام السياسي اللبناني قد حقق بهذا الاستقلال قدرا أكبر من النفوذ علي حساب الانعزالية المسيحية التقليدية.
ولا تكاد تخلو مرحلة من مراحل لبنان الحديث من مراجع خارجية تختبيء خلف هذه الطائفة أو تلك او تختبيء هذه الطائفة أو تلك وراءها. فخلال عهد الرئيس جمال عبدالناصر، كان ولاء المسلمين اللبنانيين، وبخاصة السنة منهم لمصر وللناصرية. وكان مسلمو لبنان اكثر الناس ترحيباً بالجمهورية العربية المتحدة، وأكثر الناس حزناً علي زوالها.
ولا شك ان الناصرية لم تعرف في تاريخها فرعاً عربياً ناصرها بقوة كالفرع اللبناني. ومع أن الشاعر الفلسطيني سميح القاسم يعارض وجهة النظر هذه، ويقول ان عرب اسرائيل أي فلسطينيي ،1948 كانوا أكثر حماسة للناصرية من أي فرع آخر في البلاد العربية، فإني لم اقتنع بعد بوجهة نظره، وما زلت مصراً علي أن سنّة لبنان الذين رفعوا راية الناصرية عالياً وطويلاً في بيروت وصيدا وطرابلس وسواها، كانوا أكثر ناصرية من عرب حيفا ويافا وصفد والناصرة. فإذا بحثنا عن سر هذه الحماسة اللبنانية للناصرية، لما تعذر علينا أن نجد ان من عواملها الأساسية وجود المسلم والمسيحي أي التضاد والتنافر، في صلب التكوين السياسي اللبناني!.
ولا يخفي علي أحد أن سنة لبنان تعاملوا مع منظمة فتح ومع سائر المنظمات الفلسطينية علي انها حاميتهم وجيشهم بوجه الانعزالية المسيحية التي تمثلت في وقت من الأوقات ببشير الجميل و القوات اللبنانية و نمور الأحرار وما الي ذلك من منظمات الحرب.
ولا يخفي علي أحد اليوم عمق الروابط الدينية والتنظيمية القائمة منذ سنوات طويلة بين حزب الله وجمهورية ايران الاسلامية الشيعية. وإذا كان أحد لا يشك بشجاعة شباب حزب الله وبلائهم في معركتهم مع اسرائيل، فإن أحداً لا يشك ايضاً بأن مصدر صواريخ وبقية سلاح حزب الله هو ايران ايضاً. فالطائفة اللبنانية، أياً كانت هذه الطائفة، لديها نزوع فطري أو غريزي لاسترقاق النظر الي الخارج بحثاً عن عون، سواء في صراعها مع طائفة لبنانية أخري، أو مع خارجٍ ما، وسواء كان هذا الخارج اسرائيل أو كان سواها.
ثمة شعور عند الطائفة اللبنانية بالعجز منفردة، وبضرورة البحث عن قيصر ما خارجي للاستقواء به. ويبدو ان مثل هذا الشعور قديم، لا عند اللبنانيين وحدهم، بل عند قبائل العرب قديماً، وربما عند الآخرين، وبخاصة عندما تكون الطائفة أو الفئة، طالبة النجدة، في موقف ضعف. ألم يطلب الشاعر الجاهلي امرؤ القيس النجدة من قيصر الروم لنصرته ضد خصومه الذين انتزعوا الملك منه:
بكي صاحبي لما رأي الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
فقلتُ له: لا تبكِ عينك إنما
نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
لم تصل اللبنانية بعد الي مرحلة اللحمة العضوية التامة بين الطوائف التي يتألف منها لبنان. الي اليوم ما زال هناك حنين عند الموارنة الي فرنسا. والي اليوم ما زال الموارنة يطلقون علي فرنسا عبارة الأم الحنون . وخلال المرحلة السورية في لبنان، كان المسلمون اللبنانيون يعتبرون سوريا حاميتهم بوجه المسيحيين، الي ان اغتيل الحريري فكان ما كان. وعندما باتت ايران هي الظهير القوي للشيعة، كان من الطبيعي ان يلتفت السنة الي مراجع عربية لتساندهم.
ان اللبناني المتعارك، بوعي منه او بدون وعي، مع اللبناني الآخر، والحذر منه، او الخائف، لا بد له من ان يتطلع الي خارج ما بحثاً عمن ينجده. يجد هذا المنجد. فوراً يبحث اللبناني الآخر عن منجد آخر، ويجده. ومن الطبيعي ان يفقد كل من هذين اللبنانيين ارادته امام هذا الأجنبي ويتحول الي أداة بيده. الأجنبي هنا ليس جمعية خيرية، بل آمر فظ له ايضاً مطالبه وله سياساته.
ثمة اليوم فرصة امام اللبنانيين جميعاً، الي أية طائفة انتموا للخروج من اطار التبعية للمرجع الخارجي، والدخول في تاريخ جديد من المواطنة القائمة علي المساواة وتكافؤ الفرص فيما بينهم. علي تاريخ التبعية للخارج، وما جرّ علي لبنان واللبنانيين من ويلات وكوارث ان يمضي الي غير رجعة، وعلي اللبنانيين ان يستخرجوا من هذا التاريخ الدروس والعبر.
بإمكان تاريخ سويسرا ان يقدم لهم مثل هذه الدروس والعبر. مر السويسريون بمثل ما مر به اللبنانيون، قبل ان يقولوا وداعاً للمرجع الألماني والمرجع الفرنسي وبقية المراجع التي كانت تحرضهم علي بعضهم البعض. في لحظة تاريخية فريدة، استيقظ الوجدان السويسري وبحث عن خلاصه الوطني الخاص ووجده، والأمل كبير بأن يجد اللبنانيون مثل هذه اللحظة التاريخية الفريدة، وهم خارجون اليوم من جحيم لم يكن أحد يتصور أنهم قد يقعون فيه!.














التعليقات