راجح الخوري


تقود القراءة المتأنية للتقرير المرحلي الجديد عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه الى استنتاج ثابت واكيد تقريبا ان سيرج برامرتس بات، على ما يبدو، يملك كل quot;الحجارةquot; اللازمة وكل العناصر الضرورية لبناء تقريره النهائي الذي يمكن تسميته مجازا منذ الآن: quot;هرم برامرتسquot;.

الذين يعرفون طبيعة المهمة الدقيقة للتحقيق الدولي في quot;جريمة العصرquot;، يتذكرون الأبعاد والحيثيات التي بنى عليها مجلس الامن القرار 1595 رابطا اياه بالبند السابع من الميثاق، والذين يتنبهون الى ان التحقيق في تلك الجريمة المروعة ليس فقط لكشف الحقيقة وسوق المتهمين الى القضاء بل لوضع خط تاريخي رادع للجريمة السياسية في العالم، بحيث يمكن ان يقال غدا ما قبل اغتيال الحريري وما بعد هذا الاغتيال.

الذين يعرفون كل هذا يدركون تماما لماذا يحرص برامرتس على ابقاء الستارة مسدلة على ما يملكه حتى الآن من العناصر والقرائن والادلة والاسماء والوقائع والحيثيات. ففي نهاية المطاف هذا تحقيق ذاهب الى المحكمة الدولية، والهدف منه ان يؤمّن قاعدة صلبة لقرار ظني دامغ، لا ان يرضي الذين يتحرقون مرحليا وكل ثلاثة اشهر لمعرفة ما توصل اليه التحقيق.
يعمل برامرتس للمحكمة لا لوسائل الاعلام، لذلك فإن على الذين يتحرقون لمعرفة ما وراء الستارة، لاسباب متناقضة طبعا، ان ينتظروا التقرير النهائي.

لكن هذا لا يعني ان التقرير الجديد لم يقدم عناصر اضافية أوحت ان الضوء يوغل اكثر فاكثر في طرد quot;العتمةquot; التي لن تلبث ان تزول لتظهر الحقيقة التي ينتظرها لبنان والمنطقة والعالم.

فعندما يشير التقرير الى اكتشاف خيوط وعناصر جديدة، ويعلن عن quot;اهداف استراتيجيةquot; له في المرحلة المقبلة تتركز على اجراء نحو من 50 مقابلة اساسية تشكل عاملا اساسيا في عملية quot;الربط والترابطquot;، فان هذا يعني ان هناك عناصر وادلة ووقائع ثابتة لم يعد ينقصها غير الربط التسلسلي لتكوين السياق الجرمي، ومن هنا ينطلق التقرير عندما يتحدث عن احراز quot;تقدم ملموسquot;.
حتى الامين العام للامم المتحدة كوفي انان ليس مطلعا على كل العناصر التي تشكل هذا التقدم، وإن يكن برامرتس قد احاط الامين العام ببعض العناصر الضرورية لتوفير مستند يساعد على اقناع الدول للمشاركة في تكوين المحكمة ذات الطابع الدولي، على ما يقول خبراء القانون الدولي.

بعد الاشارة الى quot;عملية الربطquot; بين العناصر والقرائن والادلة في جريمة اغتيال الحريري، تأتي الاشارة الواضحة الى quot;عملية الترابطquot; المحتملة بين مسلسل الجرائم الاخرى، حيث يقول التقرير حرفيا: quot;ان عمل اللجنة المتعلق بـ14 حال اخرى سيساعد في وضع الهجمات في السياق السائد في ذلك الوقت، وقد بدأ يؤدي الى روابط وترابط وخصوصا في تحديد الدوافع المشتركة الممكنة وراء هذه الحالات. وان تثبيت عمق هذه الروابط وبُعدها وطبيعتها لتصير في مستوى الادلة والقرائن هو اولوية عمل التحقيق في الاشهر المقبلةquot;.

إذاً quot;الحجارةquot; موجودة وفي وسعها تشكيل هرم التحقيق المتكامل، لكن ما ينقصها حتى الآن هو التتابع المتسلسل الذي يحتاج الى مزيد من المقابلات والشهود، وفي هذا السياق يتوقع التقرير ان يحرز التحقيق quot;تقدما اسرع من خلال الاستفادة من مزيد من الشهود ذوي المعلومات من الداخل حول الجريمة والعناصر المتعلقة بهاquot;.

ان التحقيق يتوقع مزيدا من quot;شهود الداخلquot; وخصوصا في ضوء الاشارة الى ان quot;اللجنة تنشئ آليات لحماية الشهود كي يتمكن المزيد من الافراد ذوي المعرفة والمعلومات من التقدم وتقديم المساعدة في هذا المجال الحساسquot;.

ان كلمة quot;المزيدquot; من الافراد تعني ان اللجنة حصلت حتى الآن على المعلومات لكنها تريد شهادات اكثر ترسخ ما صار لديها من quot;الادلةquot;. وعندما يقول التقرير quot;ان اللجنة راضية عن توصلها الى ترسيخ الحقائق بشكل اساسي على مستوى الدلائلquot;، اي بالاستناد الى هذه الدلائل، فان ذلك يعني فعلا ان برامرتس بات يملك الخريطة التكوينية لهرم التحقيق الذي يفترض ان يشكل سابقة في تاريخ مواجهة الشرعية الدولية لجرائم الاغتيال السياسي التي توازي احيانا محاولة اغتيال المجتمعات والاوطان، كما هو الامر في اغتيال الشهيد رفيق الحريري.