قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك



غسان شربل


قرابة منتصف الليل ترجع الى الفندق مثقلاً بالكآبة. لا غرابة أن تهجم هذه المشاعر على الصحافي العربي. فأحوال الأمة تثير الذعر لا الكآبة وحدها. ولم تكن ثمة حاجة الى جهد لتفسير الحالة إذا كان الصحافي أمضى نهاراً كاملاً في مقرات إقامة الرئيس جلال طالباني وزعيم laquo;حماسraquo; خالد مشعل وزعيم laquo;الجهادraquo; رمضان عبدالله شلح.

لا علاقة للرجال الثلاثة بالكآبة. لم يبخلوا على laquo;الحياةraquo; بوقتهم على رغم وفرة انشغالاتهم وكثافة المواعيد وصعوبة الوساطات. واتسعت صدورهم حتى للأسئلة المزعجة. واستطيع اتهامهم بقدر من العناد في الأمل، إن لم يكن التفاؤل. الرئيس طالباني حاول إقناعي أن مستلزمات الحرب الأهلية غير متوافرة في العراق. تحدث عن الزيجات المختلطة والعشيرة التي ينتمي ابناؤها الى المذهبين. حاول إقناعي ولم أقتنع.

زعيم laquo;حماسraquo; الذي يعترف بخطورة الموقف يحاول عدم الاستسلام للقلق. يذكرك بأن الحركة تعتبر الحرب الأهلية خطاً أحمر. زعيم laquo;الجهادraquo; يقول كلاماً مشابهاً. رأيته هذه المرة كثير الانهماك بـ laquo;جسر الهوةraquo; بين laquo;فتحraquo; و laquo;حماسraquo;. هو ايضاً يعتبر الحرب الأهلية خطاً أحمر. حاولا اقناعي، ولم أقتنع. فأنا أخاف من قدرة أحزابنا وحركاتنا وشعوبنا على التحذير من الخط الأحمر ثم المبادرة الى اجتيازه للوقوع في الفتنة.

تذكرت حديثاً قبل أيام مع سياسي عربي. سألته عن الوضع فابتسم ورد قائلاً: laquo;ما هو السؤال الذي لا بد أن يطرحه الصحافي إذا التقى مسؤولاً عراقياً أو فلسطينياً أو لبنانياً؟raquo;. وأجبته بصدق انه السؤال عن الحرب الأهلية المستشرية أو التي تتأهب للاندلاع. وعاتبته على تناسي الأشقاء في الصومال وهم باتوا أصحاب خبرة في الحروب التي لا تنتهي.

حين استعدت كلام السياسي العربي وجدت تفسيراً للكآبة. ليس من الحصافة ان يمضي المرء نهاراً كاملاً يسأل عن نكبتين. نكبة فلسطين التي ولدنا في ظلها وعشنا، ونكبة العراق التي نخشى أن نمضي بقية العمر في صحبتها القاتلة. واستوقفني اعتراف قائد فلسطيني ان النكبة الجديدة قد تكون أشد على الأمة وأدهى من النكبة السابقة.

قبل اسابيع كان الصحافي يتهم بالمبالغة إذا استخدم تعبير نكبة العراق. وهي في الحقيقة نكبة الأمة في ضوء قدرة مفاعل الفتنة العراقي على ضخ اشعاعاته في شرايين الأمة. اليوم لم تعد النكبة موضع شك. كان الغزو الأميركي مكلفاً وسيكون الانسحاب الأميركي باهظاً. كان الانتصار الأميركي مستفزاً وستكون الهزيمة الأميركية فاتحة للمزيد من الأخطار في غياب المصالحة العراقية الحقيقية.

النكبة العراقية تلقي بظلها على المنطقة. والخوف من استشراء الفتنة المذهبية جدي ومبرر. ولا بد من إعادة رسم السياسات والمواقف في ضوء معطيات الصورة الجديدة. أو ليس غريباً أن تفصل مسافة قليلة مقر إقامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن مقر إقامة زعيم laquo;حماسraquo; في دمشق، ويستلزم الأمر مفاوضات مضنية في محاولة لترتيب لقاء؟ أعرف قصة معركة الكلمة الوحيدة. والفارق بين laquo;احترامraquo; الاتفاقات ومقررات الشرعية الدولية والعربية وبين laquo;التزامraquo; الاتفاقات والمقررات. لكن النكبة العراقية لا تسمح للفلسطينيين بترف التنازع طويلاً على حدود الكلمات حتى لو عنت تطويراً للموقف السياسي أو إنضاجاً له في اتجاه الواقعية.

أفكر أيضاً في لبنان. هل تستطيع الأكثرية ان تتجاهل دروس النكبة العراقية وهي تبحث في مطالب المعارضة وبغض النظر عن مدى واقعية المطالب والحسابات والظلال والنيات؟ وهل تستطيع المعارضة، وهي فعلياً بقيادة laquo;حزب اللهraquo;، تجاهل الدروس نفسها حين تتخذ قرار تصعيد احتجاجاتها في الشارع؟ يقول الفريقان إن laquo;الحرب الأهليةraquo; خط أحمر. ويتجاهلان دروس النكبة العراقية. حاولت إقناع نفسي بالخط الأحمر ولم أوفق.

كآبة الصحافي العربي هي كآبة القارئ. نخشى أن لا تستوقفنا النكبة وأن لا تعلّمنا. وأن يمضي العالم العربي سنواته المقبلة ضائعاً بين مصانع الكآبات ومصانع توزيع الضمادات.