وجيه كوثراني
يمكن ان ندخل الى الموضوع المطروح عبر بابين.
1 ـ من باب الانتروبولوجيا الثقافية والتاريخ لندرس موضوعة الطوائف. أي الجماعات الدينية أو الاثنية التي يتركب منها مجتمع يفترض انه مجتمع سياسي موصل او منتج لدولة.
2 ـ من باب الاجتماعيات السياسية للدستور والقانون لفهم آليات العمل السياسي وآليات ممارسة السلطة في نظام سياسي أو سستام سياسي لدولة.
والأرجح أن البابين موصولان لمعرفة قد تتكامل عبر المقاربتين للموضوع المطروح.
أولاً: ما أقصده بالانتروبولوجيا الثقافية هو ان ثمة ثوابت تملك سمة الاستمرارية في خصائص الاثنية أو القوم أو الجماعة الدينية، وتتجسد هذه الخصائص أو السمات في عادات وتقاليد وطقوس وأساطير ورموز تاريخية يعاش إنتاجها في المعيش اليومي للناس، بحيث نحقق هذه الاعادة نوعاً من الذاكرة الجماعية التي تحفظ استمرارية الجماعة ولحمتها كجسم اجتماعي وثقافي وتاريخي دائم، وفي اطار سلطة أولية للجماعة، لها تسميات ومصطلحات عديدة، وكما تشهد تواريخ الجماعات على ذلك (أمير، شيخ، بطريرك... الخ).
ويمكن ان نطلق على هذا الواقع من الاجتماع، ومن زاوية تاريخية، اجتماعيات ما قبل الدولة الحديثة، أي ما قبل الدولة/الأمة (Etat - Nation). ولما كان تعبير الأمة في التراث العربي والاسلامي تعبير ملتبس. ولا يؤدي بالضرورة معنى الناسيون، فلنقل ما قبل دولة/المواطن أو ما قبل ترسخ واعتماد مفهوم الناسيونالية كهوية لانتماء المواطن لدولة.
وهنا ينبغي التذكير والانتباه بأن الدولة السلطانية في تاريخنا العربي الاسلامي احتضنت هذه التشكيلات الاجتماعية (أي الجماعات)، بل انها قامت على ركائزها ومعطياتها وحراكها الاجتماعي. وهذا ما كان قد شدد عليه ابن خلدون عندما لاحظ بثاقب نظر قيام الدولة على عصبية قوم أو جماعه غالبة أو متغلبة، وقادرة على استتباع العصبيات الأخرى (أي الجماعات الأخرى) قسراً أو قهراً أو استمالة وولاء.
اذن، الدولة في تاريخنا وفي ذاكرتنا التاريخيةا لجماعية هي دولة أسر وأقوام ذات شوكة. والتشكيلات الاجتماعية التي تشكل قاعدة الاجتماع السياسي للدولة هي quot;الرعيةquot;، والرعية هي قبائل واثنيات، وهي كل هذا متداخلاً.
وعندما تدخل هذه التشكيلات في حقل الصراع السياسي (ومراتب هذا الصراع تراوح بين الولاء والممانعة والخروج بالسيف) تتحول هذه التشكيلات الى عصبيات متقاتلة على الدولة.
على أن التقاتل، أو الصراع السياسي يظل متسلحاً بأحقية الدعوة الدينية. وهذا ما لاحظه ابن خلدون عندما أشار الى أن الدعوة الدينية تزيد العصبية قوة على قوة. وبملاحظته هذه كان ابن خلدون لا يشير فحسب الى ظاهرة تاريخية في نشأة الدول في التاريخ العربي الإسلامي، وإنما كان يبطن مسكوتاً عنه هو أن الآداب الفقهية والسلطانية كانت قد شرعنت صراحة عملية الإستيلاء واستدخلت في نصوصها المتكررة في الآداب السلطانية ومرايا الملوك وبعض كتب الفقه، نص أردشير الفارسي القديم الذي يعتبر الدين والملك توأمان، ويرى أن على الرئيس أو الملك أن يستخدم الدين لتقوية ملكه وإلا استخدمه من يتفقه به من العامة.
يمكن أن أخلص هنا الى أن المعطى الأنتروبولوجي (أي الثابت المستمر في الجماعات) أضحى معطى تاريخياً ـ سياسياً في السيرورة التاريخية أي في المسار التاريخي. وأضحت ظاهرة استقواء أهل السياسة بالدين ظاهرة ثقافية سائدة ومعطى يعين طبيعةالعلاقة ووسائطها بين الدولة والمجتمع. وأقصد بالوسائط وسائط السلطة أو السلطات المحلية والأهلية التي هي عصبيات وملل في نطاق الرعية، رعية الدولة السلطانية.
تمثيل
ثانياً: عندما دخلت المجتمعات العربية، ومن ضمنها المجتمع اللبناني مرحلةالتنظيمات الحديثة، ومن بعدها مرحلة الدساتير والقوانين المقتبسة عن الدساتير الأوروبية، دخلت عملياً في تاريخ جديد أي مع مفاهيم جديدة: وطن، مواطنة، جنسية (ناسيونالية)، تمثيل برلماني، أحزاب. ولكن مع حمولة إجتماعية وثقافية وسياسية يتقاطع فيها المعطى الإنتروبولوجي الثقافي للجماعات والملل، مع ذلك التقليد البنيوي التاريخي لظاهرة قيام الدولة وولاياتها ومراتبها وسلطاتها. وأقصد بذلك التقليد أي أن تكون العصبية وسيلة السياسة وأن يكون الدين عنصر الإستقواء في السياسة.
لبنانياً: تكرس هذا التقاطع في عدد من الأمور: القانونية والمؤسسية والثقافية؟
1 ـ في المادة 95، عندما أشير الى أنه بصورة مؤقتة يراعى التوازن بين الطوائف في تشكيل الوزارات والوظائف. صحيح أن التعديل الذي جاء وفقاً لوثيقة الطائف يقول بالمرحلة الإنتقالية التي يجب أن تمهد لإلغاء الطائفية السياسية، لكن المؤقت أضحى أبدياً، والمرحلة الإنتقالية مسكوتاً عنها.
2 ـ في اعتماد القيد الطائفي المناطقي في التمثيل البرلماني، أي في اختيار من يمثل المواطنين في السلطة التشريعية. صحيح ان اصلاحات الطائف لحظت، بل دعت وجوباً إلى قيام برلمان خارج القيد الطائفي واستحدثت مجلس شيوخ يمثل الطوائف (العائلات الروحية)، الا ان هذا قلما يذكر في خطاب الطبقة السياسية اللبنانية سواء في عهد الوصاية السورية أم في عهد ما بعد الوصاية.
3 ـ في اتباع قوانين الأحوال الشخصية للمحاكم والمجالس الملية، الأمر الذي يصنف المواطنين في انتماءاتهم الشخصية المستقبلية وفقاً لولادتهم، الأمر الذي يحد من حريتهم الشخصية وينتقص من حقوقهم كبشر.
4 ـ في سيادة ثقافة اجتماعية رعوية، هي من صميم آلية الاجتماع السلطاني والعصباني الذي يقوم على تأمين الولاء للجماعة وزعيمها مقابل الخدمة أو مقابل الحماية، أو مقابل الانتفاع. ويجري تعبئة الطائفة بخطاب ثقافوي حول حقوقها المهضومة، وحول حمايتها من الطوائف الأخرى، أما الثقافة المدنية الحديثة فلم تغير في هذه الثقافة الرعوية شيئاً يذكر. بل قد يلاحظ ان الازدواجية في الخطاب والمواقف هي السائدة في السلوك لدى المواطن اللبناني. الأمر الذي يجعل من الانتماء الى الطائفة انتماء سياسيا ويكاد يجعل من الطائفة حزباً سياسياً. وهذا واقع ترسخ في الدهنية والسلوك معا، ليس لدى الطبقة السياسية فحسب، بل ايضا لدى الجمهور والأتباع والحشود. فلا مجال هنا للحديث عن مواطنين ولا عن رأي عام. تكرس القوانين الطائفية (المادة 95 والتمثيل البرلماني الطائفي، وقوانين الأحوال الشخصية) تكرس الانتماء ـ انتماء المواطن الى الطائفة اولا. ثم يتكرس هذا الانتماء ويُستدخل في بنية انتروبولوجية تكاد تلغي تحولات التاريخ وتبتلع امكانات تغيره وتحولاته في لحظات الازمات والحروب الأهلية المتكررة.
السؤال أين هو دور العمل السياسي التغييري اللاطائفي ـ المدني والعلماني؟ ولماذا يراوح هذا العمل السياسي اللبناني مكانه، أو أنه يتراجع؟ هل الميثاق (ميثاق العيش المشترك) وخاصة بالفقرة ي والمادة 95، والمادة 65، التي تتحدث عن طريقة الاقتراع في مجلس الوزراء هي المعوق للتغيير. أم ان عوامل اخري ايضا يمكن ان تضاف الى تلك المعوقات القانونية والدستورية؟ يمكن ان اشير الى لحظتين تاريخيتين قد تساعداه لبلورة افكار مساعدة على الاجابة، لحظة بدء ولحظة مآل في السيرورة التاريخية. في لحظة البدء عام 1945، بعد اعلان الاستقلال وبدء ممارسة الميثاق الوطني عمليا من خلال رئاسة بشارة الخوري وحكومة رياض الصلح، طرح ميشال شيحا في احد مقالاته سؤالا، بعد ان لاحظ التسابق بين ممثلي الطوائف على الوزارات وعلى حساب مصلحة الدولة (على حد تعبيره)، متى تصبح البلاد غير طائفية؟ وأجاب بصيغة التمني والحلم: quot;يوم تنعقد النية بجد على ألا يبقى لبنان بلاداً طائفية، سيكون لزاماً على كل طائفة، القبول دون كثير من الصياح أن يكون تمثيلها في بعض الأحيان أدنى من حجمها، ويكون التعويض جعل تمثيلها أكبر من حجمها في أحيان أخرى (...)quot; ويضيف quot;وأي ضير في أن تغيب عن الحكومة طائفتان أو ثلاث في وقت من الأوقاتquot;.
في السياسة الداخلية
* في لحظة المآل اليوم تُرفع حجة ميثاقية ودستورية، تضرب بحلم ميشال شيحا ورهانه التاريخي المستقبلي عرض الحائط، وهي حجة الفقرة quot;يquot; من مقدمة الدستور المعدّل، والتي تقول quot;لا شرعية لسلطة تناقض ميثاق العيش المشتركquot;. إذن مصير الدولة كلها ـ وليس الحكومة ـ أضحى معلقاً ـ بوجود وزراء طائفة أو عدم وجودها. مثل هذا المنطق هو منطق فدرالية الطوائف، لا منطق ميثاق وطني.
ومهما كانت الاجتهادات الدستورية حول هذه المسألة، فإنه من زاوية المنهج المعرفي الذي نستخدمه لمقاربة ونقد المنظور الطائفي للدولة، ولا سيما من باب المنهج الذي أشرنا إليه (سوسيولوجية العمل السياسي وممارسة السلطة) يمكن أن نقول ان العمل السياسي اللبناني المتذرع بالدستور يقع في منطق حلقة مفرغة وفي حالة دوران على النفس. ويتسلح اجتماعياً بالعصبية الطائفية واستعداداتها وقابلياتها وثقافتها الأهلية. فإذا جاز القول بأن غياب وزراء من أكثرية طائفية بعينها ـ أي من حزب الله وحركة أمل ـ يسقط دستورية الحكومة، فإنه جاز القول أيضاً وبالمنطق الطائفي نفسه: ان إسقاط حكومة يمثل رئيسها أكثرية طائفية أخرى، غير جائز دستورياً وميثاقياً في الشارع وعبر العصيان. وفي هذا المنطق اندرج موقف البطريرك الماروني في اعتراضه على إسقاط رئيس الجمهورية في الشارع.
إذن المأزق الكبير الذي أعاق عملية تشكل دولة حديثة في لبنان (دولة مواطنية) يكمن في ذاك الفهم الأبدي والحصري لطائفية الميثاق الوطني، وطائفية بعض بنود الدستور.
وهذا الفهم الحصري والأبدي يتجسد في ممارسات معظم أطراف العمل السياسي اللبناني، منذ كتب ميشال شيحا متمنياً (بصورة طوباوية) على الطوائف ألا تجعل من أمر حجة تمثيلها مسألة مصيرية مهددة للدولة (أي مسألة مثياقية) بقي العمل السياسي اللبناني، حتى ولو كان بعض أطرافه علمانياً وداعياً الى التغيير والاصلاح، مشدوداً الى استراتيجية الرهان على دينامية الطوائف وأحزابها الشعبية الكبرى. ناهيك عن الارتباط باستراتيجيات الخارج والاستقواء بالمحاور. ولهذا الاستقواء ايضا وجهه الطائفي واقينته الطائفية؟
الخلاصة: ان سداً سميكا تشكل في وجه عملية التغيير والاصلاح المدني، ويتألف من ثلاث طبقات أو مستويات، انتروبولوجيا الطوائف وذاكراتها الجماعية المستنفرة اليوم + اجتماعيات ممارسة السلطة على قاعدة استقواء السياسة أو العصبية بالدين واستخدام الأسلوب الزبائني لتوسيع وتعميق عملية الولاء + تثبيت فهم حصري وأحادي وأبدي للفقرة quot;يquot; من مقدمة الدستور، وللمادة 95 منه.
أما حول وجهة العمل، فاننا نصوغها بصيغة أسئلة نتوجه بها الى اطراف العمل السياسي التي تحمل برامج تغيير من اجل قيام دولة مدنية أو دولة مواطنين لا دولة طوائف.
ـ لماذا لا يقرأ الدستور بكليته؟ لماذا يشدد على الفقرة quot;يquot;. ويسكت على الفقرة quot;حquot; التي تنص على ان الغاء الطائفية السياسية هدف وطني ينبغي ان يعمل من اجله...
ـ ولماذا يعمل بجزء فقط من المادة 95، ويسكت عن الاجزاء الأخرى، الجزء الذي يعمل به هو التمثيل البرلماني على قاعدة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، في حين ان الاجزاء الأخرى من المادة تقول أولاً: ان هذا quot;الاجراء هو مرحلة انتقاليةquot;، والمرحلة الانتقالية محددة بهدف: والهدف: برلمان تشريعي خارج القيد الطائفي. ومجلس شيوخ يمثل العائلات الروحية، وهو الذي يفترض ان يشكل المرجعية الميثاقية لا الحكومة ولا المجلس النيابي، ربما يفتح هذا الطرح ثغرة في الجدار السميك، دون اغفال بالطبع برامج الانماء الاقتصادي والاجتماعي اي مجمل ما يسمي ابعاد التنمية البشرية.
(*) محاضرة ألقيت في نادي مهدي عامل السبت 10/3/2007













التعليقات