سمير عطا الله

لا يهم كم مرة تقرأ سيرة نيكيتيا خروشوف، ولا أين تبدأ. ولا كم يتجمع لديك من التفاصيل. فالخلاصة واحدة: رجل مذهل ولا يصدق! كان ريتشارد نيكسون يقول عنه في الذم إنه بدأ حياته راعي خنازير بعشرة كوبيكات. والواقع أنه أصبح بعد ذلك منظف مداخن. ثم عامل منجم. ولم ير مدينة قبل بلوغه الثامنة عشرة. ومنذ أن دخل الحزب الشيوعي بدأ رحلة طويلة وشاقة بين الرفاق. وأخذ يتجاوزهم الواحد بعد الآخر. ويحضر الدروس الليلية. وكان دهياً.

عام 1958 عرف خرشوف أن ندزيدا الليلويفا، رفيقته في خلية الحزب، هي زوجة ستالين. لكن ندزيدا الجميلة والمتواضعة لم ترد أن تعلن ذلك. وكانت تأتي إلى العمل في الحافلة الكهربائية مثل سواها. غير انه أدرك أنها سوف تنقل إلى زوجها ما يحدث معها في العمل خلال النهار. وعندما قابل ستالين للمرة الأولى وراح هذا يتحدث عنه، تذكر كم أثمر تصرفه أمام ندزيدا. لكن المرأة المسكينة لم تعش طويلا. فقد أطلقت رصاصة على صدغها عندما عرفت أن ستالين في المنزل الريفي مع امرأة أخرى. تسلق خروشوف، الراعي الأوكراني، درجات الحزب بسرعة هائلة. وأصبح أحد رجال ستالين المفضلين. وبعد وفاة الديكتاتور ووصوله إلى السلطة، كان أول عمل قام به هو تدمير الستالينية في خطاب تاريخي ألقاه في المؤتمر العشرين للحزب. ولا يزال مؤرخون كثيرون يعتبرون أن بداية الانهيار السوفياتي وقعت آنذاك. وان خطاب خروشوف كان أكثر تأثيراً من جميع الدعاية الأميركية والغربية المضادة. كان خروشوف يثير الضجيج حول العالم بالتقارير التي يستخدمها. وكان يعتقد أن ذلك يزيد في شعبيته وفي مكانة السوفيات. وعندما بلغ به الأمر أن خلع حذاءه وضرب به الطاولة أمامه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عرفت الناس أن الإطاحة به أصبحت قريبة.

كان ذلك خريف 1960 عندما راح بادئ الأمر يضرب الطاولة بقبضة يده احتجاجاً على ما يقوله الأمين العام دوغ هامرشولد. وشعر وزير خارجيته اندريه غروميكو بالحرج، لكنه راح يضرب الطاولة هو أيضاً. ثم انضم إليهما بقية أعضاء الوفد السوفياتي. وفي جلسة أخرى، في 11 تشرين الأول، ألقى خروشوف كلمته، ولاحظ أثناء الخطاب أن الوفد الإسباني يمتنع عن التصفيق، فلما عاد إلى مقعده راح يشتم بالروسية أحد أعضاء الوفد الإسباني، ويهدده بحركة من يده. ولم يتوقف إلا بعد تدخل رجال الأمن السوفيات.

أما الحادث الأشهر فقد وقع في اليوم الأخير من زيارته للأمم المتحدة. فقد ألقى مندوب الفيليبين خطابا انتقد فيه الاستعمار السوفياتي في أوروبا الشرقية. وأخذ خروشوف يضرب الطاولة بقبضتي يديه. ثم خلع حذاءه وراح يهدد به، ثم راح يضرب به على الطاولة بشدة وهو يصرخ. ومرة أخرى أحرج غروميكو. وما كان منه إلا أن خلع حذاءه بدوره وراح يضرب به برفق على الطاولة أمامه. ومساء ذلك اليوم قال الزعيم المجري يانوس كادار ساخرا laquo;لا أدري إن كان الرفيق خروشوف قد تذكر أن يضع حذاءه من جديد أم لاraquo;. إلى اللقاء.