ناصر الظاهري


لا تخلو حقيبة المسافر دائماً من أماكن يخلد إليها فرحاً، وتصبح عنده ملاذاً ينصاها وقت العوزة ووقت الحاجة، وقت التعب ووقت البهجة، ولعل أهم هذه الأماكن هي المقاهي، ففيها يلتقي بأصدقاء وغرباء ويسطّر أوراقه ويدوّن حساباته المتعثرة أبداً، إليها يهرب من الضيق وتعب الحياة ومنغصاتها، في ساعاتها وبين جنباتها يسرّي همه ويبث حزنه، بين قهوة مرّة وشاي منعنع وأركيلة، يذهب مع فرحه وأحلامه أو يسكن لتأملاته وقراءاته، يراها مثل سوق القرية يوم جمعةmiddot; تتعدد المقاهي في البلدان المختلفة وفي المدينة الواحدة، ثم يبدأ الإنسان في تصفيتها كأعداء أو ينتقيها كأصدقاء، ثم يتعمق في الاختيارات حتى يصطفي زاوية فيها أو مكاناً مفضلاً مطلاً منها على بحر أو مراقباً الشارع أو يرنو لشباك هجره أهلهmiddot; في مثل هذه المقاهي كتب أدباء روائعهم وخطط رسامون للوحاتهم الأولى و''اسكتشات'' للوحات إما بقيت منسية أو ضاعت منه لحظة تعتعة سكره في الشارع وحيداً، من هذه المقاهي ظهرت أفكار ومدارس فلسفية وفنية ونقدية وسياسية، كمقاهي باريس ''مونبرناس'' حيث برزت الوجودية وأقطابها دوبوفوار وسارتر وكامو، ومقهى ليب الذي بشر بالسريالية وببيان أندريه بريتون، ومقهى ''لي دو ماغو'' حيث ظهرت أعلى جائزة أدبية فرنسية ''غونكور'' ومقهى ''فلور'' التاريخي ومقهى ''الفوكيت'' ومقهى''المدريكال''middot; اليومmiddot;middot; بعض هذه المقاهي يحمل أسماء أولئك الأدباء والرسامين أو تحتل زواياهم المفضلة صورهم وأعمالهم وتماثيلهمmiddot; من أطرف هذه المقاهي، مقهى في المغرب أسمه فريد الأطرش، كل شيء فيه يخص هذا الفنان ولا تسمع في أرجائه إلا صدح صوته، وعلى جدرانه صوره و أفيشات أفلامه وفي تونس مقهى أم كلثوم حيث تتزين جدرانه بمعلقات القصائد التي تغنت بها ''الست'' في القاهرة مقهى نجيب محفوظ، كل أكلة أو مشروب فيه تسمى باسم قصصه أو رواياته، وفي باريس مقهى ومشرب همنجواي أو دو موباسان أو فيكتور هيجو ، والأمر ذاته في مقاهي فيينا وروما والمدن الأوروبية الأخرىmiddot; العاملون في مثل هذه المقاهي أو أصحابها أو ورثتها يتطبعون بالجو ويصبحون نسيجاً منه لا ينفصلون عنه، فبعضهم كتب كتباً وبعضهم غدا مثقفاً، والبعض الآخر خصص جوائز مالية وفنية للأعمال الإبداعية، وأصبحت هذه الجوائز عالمية وسنوية وتحولت إلى مؤسسات مستقلة كبرى، حتى العاملون البسطاء في هذه المقاهي أصبحوا مشاريع لشعراء ومثقفين ورواة وحفّاظ ومسرحيين وقرّاء نهمين، وكلما زرت تونس مثلاً أتذكر شاباً صغيراً كان يقدم الشيشة، كان كل رجائه أن يظل يسمع جزءاً من حواراتنا ومناقشاتنا ويشاطرنا الحديث والأفكار المتزنة، وأن نحمل إليه معنا كتباً يتمناها ولا يقدر على أثمانهاmiddot; بعض هذه المقاهي دخلت التاريخ وخلدت في الكتب والأعمال الأدبية والفنية، وأصبحت جزءاً من سيرة المكان، لأنها واكبت الحركات الاجتماعية والوطنية ومقاومة المستعمر والغازي، مثل''الهافانا والروضة والحجاز'' في دمشق و''دولتشي فيتا والومبي والمودكا والأكسبرس'' في بيروت و''ريش وعبد الله والفيشاوي'' في القاهرة و''السنترال والعاصمة'' في عمّان، و''الشاهبندر وحسن عجمي والبرلمان وأم كلثوم'' في بغدادmiddot; اليوم عندناmiddot;middot; بعضها ما زال يقاوم، وبعضها اندثر لتحل المحال التجارية محلها، ولم يبق منه إلا ما سطر في الكتب وحملته ذاكرة الناس، أما في أوروباmiddot;middot; فيمنع هدمها أو تغيير شكلها أو معالمها، فهي حيّة ما دام البشر وما دامت سيرورة الحضارة وحكايا الناسmiddot;