سامي كمال الدين وقنا ـ محمد السمكوري ومحمد حمدي

لم ينه إعلان مقتل نوفل سعد ربيع الملقب بـlaquo;خُط الصعيدraquo; أسطورة ذلك الرجل، الذي كان إحدي علامات محافظة قنا، وأحد ألغازها التي استعصت علي الحل طوال سنوات مضت، كان فيها طرفا في معادلة غامضة، طرفها الثاني أجهزة الأمن التي استعدته واستخدمته، وتعاونت معه، ورخصت له الأسلحة، وسمحت له بالعمل في إدارة الحملات الانتخابية لبعض المرشحين، وتفاوضت معه، وأخيرا قتلته.

شكك عدد من أبناء قرية laquo;حمرة دومraquo; بنجع حمادي في الأسباب المعلنة حول الحملة الأمنية التي استهدفت نوفل، ووصفوا الحادث بأنه تصفية حسابات بين الكبار الذين صنعوا نوفل من أجل تصفيته جسديا.

في laquo;حمرة دومraquo;، التي تحولت إلي ثكنة عسكرية محاصرة بالمدرعات قبل عملية تصفية نوفل وبعدها، لايزال الناس يتداولون الأحاديث عن الخط، منهم من أبدي ارتياحه لهذه النهاية، التي يعتقدون أنها ستضع حدا أخيرا لأعوام الرعب والخوف التي عاشوها بين جبروت نوفل ورجاله، وقسوة الأجهزة الأمنية ونيرانها التي تنهال علي القرية بين وقت وآخر.







صنعته تقاليد quot; التار عار quot;


نوفل أسطورة نسجها الخوف داخل أهل الصعيد فراحوا يتحصنون منه بالخوف، وراح هو يشد حصار الخوف حولهم لينسج حول نفسه قصصا وهمية حولته إلي أسطورة، رغم قوله لنا في حوار نشر علي حلقتين في ٢٠٠٦/٩ بأن الشرطة هي التي حولته لأسطورة بسبب حصارها الدائم له، ومشاركتها في صنعه، وصنع جرائمه، فهل تحاكم الداخلية الذين شاركوه فساده؟!

بداية اشتعال جذوة نوفل في الصعيد، ولدت من رحم صراع عائلي مرير بين آل نوفل وأولاد غدار، فحين كان نوفل في الثالثة عشرة من عمره، قام أحمد غدار بقتل والده ومعه ستة آخرون أمام مركز شرطة نجع حمادي، وهم شقيقه نوفل وأبناء عمومته، لذا فقد حامت الشكوك حول قيام نوفل بعد ذلك بقتل عربي أحمد غدار.

يقسم نوفل دوماً ببراءته من دم عربي، لكن العديد من أهالي القري المجاورة لقرية laquo;حمرة دومraquo; التي كان يتحصن فيها نوفل يؤكدون عكس ما يقول، ويقرون أن نوفل كان صديقاً لـlaquo;عربيraquo;، وذات ليلة كانا معاً وثالثهما رفيق آخر في ليلة laquo;سُكرraquo;، وبعد أن غاب عربي مع الشراب وغاب السحاب عن السماء، قام نوفل بقتله ثم هرب، لتأتي شقيقة عربي في الصباح وتقتل كل من تلتقيه.

وتتعد الرويات لكن هناك رواية أخري لأول دم تعلق برقبة نوفل، وهي الأكثر تصديقاً لأني سمعتها منه، وتعود إلي وقت أن كان عمره ثلاثة عشر عاماً، حين كان يلعب مع الصبية في laquo;نجع ربيعraquo; بقرية laquo;حمرة دومraquo; وفجأة سمع صراخاً وعويلاً لا يحتمله بشر، وأصواتا تقول له: laquo;قوم خد بتار أبوكraquo;، وكان والده قد لقي مصرعه أمام قسم شرطة نجع حمادي،

ويؤكد نوفل أن الذي قتل أباه مع أخيه وعمه وأولاد عمومته هما حسين هنداوي وفوزي عبدالسميع من عائلة laquo;هنداويraquo;، وهي العائلة المنافسة لعائلة نوفل في شراء الأرض والسلاح والسطوة، وجاءت هذه الخلافات لأسباب تافهة تتعلق بالزعامة وlaquo;الكبيرraquo; والسيطرة، ووجد نوفل أمه تصرخ وتهيل الطين علي رأسها، ولم ير حوله سوي الحزن والسلاح والرصاص،

وكلمة laquo;التار عارraquo; تتردد داخله، فحمل سلاحه وأخذ بثأر أبيه وحمله مرة أخري ليحمي نفسه من عائلة هنداوي التي قتل منها عشرة أشخاص لأنهم قتلوا من عائلته عشرة أشخاص بسبب laquo;بطالraquo; وهو الحد الفاصل بين الأراضي الزراعية الذي كانوا يريدون تحويله لترعة صغيرة ورفض والد نوفل وقتلوه، وحمل السلاح مرات ومرات دون أن يتذكر من أول رجل قتله.

لعبت الشرطة لعبت دوراً مهماً في حياة نوفل، فالرجل الذي يستطيع أن يدلف إلي قسم الشرطة أو يدخل مكتب المحافظ دون ميعاد أو حتي تأشيرة دخول بالاستئذان، بل يدعو المحافظ إلي افتتاح مدرسة محو أمية يستطيع أن يستولي علي أي شيء ويتجبر، فقد استعانت الشرطة بنوفل ليتولي القبض علي الإرهابيين الذين تسببوا في حادث الأقصر الشهير الذي راح ضحيته وزير الداخلية حسن الألفي،

وكذلك القبض علي اللصوص الذين سرقوا بنك laquo;المراغةraquo; وغيرها من الحوادث الشهيرة التي نسبت الشرطة لنفسها إنجاز القبض عليهم، وتم هذا دون أن يعرف أحد الحقيقة ويمكن أن نعتبر الأمر عادياً في أن تستعين الشرطة بمثل نوفل لكن غير العادي أن تتركه يغوص في جرائمه ويتجبر إلي حد تحوله إلي أسطورة،

بل ترخيص السلاح له، ولدينا ما يثبت ذلك، فقد تم ترخيص سلاح له من قبل وزارة الداخلية يحمل رقم ٢٣٣٢٥، وسلاح آخر عبارة عن بندقية عيار ٧٩٢ رصاص ألماني برقم ٨٩٣٦، ومسدس عيار ٩ مم عدد طلقاته ١٤ طلقة برقم ٤٣٠١٨، وبندقية عيار ١٢ برقم ٣٤.٧٥٦.١٤٤، بل إن اللواء الراحل عبدالحليم موسي وزير الداخلية الأسبق التقاه وكرمه ومنحه ١٥ ألف جنيه، وقال له: هذا تكريم منا لأنك استطعت قتل الإرهابيين.

لكن بالتأكيد هذه الأسلحة من النوع العادي الذي لا يصلح لقتل الإرهابيين، ولكنها لحماية نوفل الشخصية ولإضفاء شرعية علي عملياته التي ينفذها لصالح الداخلية.

راح نوفل ينفذ عمليات لحسابه الخاص تحت غطاء أنه مسنود من قبل وزارة الداخلية، وبالتأكيد في كل وزارة هناك بعض الفاسدين الذين يساعدون مثل هؤلاء في تنفيذ عملياتهم والتكسب من ورائهم، ونوفل حين كان يتحدث عنهم يقول في ضيق: laquo;لا أقصد ضباط الشرطة الحاليين في نجع حمادي، فهم كويسين جداً معي، وناس محترمين، وآخر أخلاق،

ولكن أقصد هؤلاء الذين ندمت علي التعامل معهم، لقد استخدمني المسؤولون في وزارة الداخلية، هم أعطوني السلاح وقالوا لي: اضرب يا نوفل، هات لنا الإرهابي الذي فجر الأتوبيس السياحي في الأقصر يا نوفل، هات لنا الإرهابيين الذين سرقوا بنك المراغة، اقتل لنا قاتل اللواء عبدالحليم غبارة،

ونوفل يستجيب ويقتل وينام الليالي في الصحراء، ولا يري ابنه أو ابنته أو زوجته لشهور.. لقد كان يشرف معي علي تنفيذ عملياتي لواءان من أمن الدولة، ولواء من الأمن العام.. فما الذي تنتظرونه مني؟raquo;.

بالتأكيد الذي حدث أن استفاد الفاسدون من نوفل، وراحوا يشاركونه صفقات شراء وبيع والأسلحة وزراعة الأفيون، بل تجارة الآثار، وزادت الملايين لدي الجميع ثم جاء الوقت علي نوفل لأن يصمت، وكان لابد أن يصمت، رغم ذكائه الحاد لدرجة نصبه علي تجار آثار سويسريين،

كان نوفل قد اتفق معهم علي صفقة آثار وحصل علي الملايين بعد أن بدل قطع الآثار الحقيقية بقطع مزيفة، وتواجد هؤلاء أو ضباط الشرطة مع نوفل شيء عادي يؤكده نوفل laquo;كل الناس في نجع حمادي رأوهم معي وكانوا يأتون ويجلسون معي ونسهر دائماً، وكانوا يأتون لي في عمارتي بنجع حمادي وفي المقهي ويجلسون معي.

لم تكن قوات الأمن وحدها تلجأ لنوفل ليخلصها من الإرهابيين ومطاريد الجبل، وإنما أيضاً أعضاء مجلس الشعب الذين كانوا يستعينون به ويتقربون إليه لإدارة حملاتهم الانتخابية، ويستخدمون نفوذه ونفوذ رجاله للحصول علي أكبر عدد من الأصوات، بل كانوا يأخذون صناديق الانتخابات ويعبثون بها لينجح النائب الذين يريدونه، وذلك قبل الإشراف القضائي علي الانتخابات.

ورغم صدور عدة أحكام غيابية علي نوفل منذ عام ١٩٩٨، فإنه لم يتحرك أحد لإلقاء القبض عليه، ولا ندري سر تأخر التخلص منه حتي أمس الأول.

لكن نوفل لن يتكلم بعد اليوم فقد قتل هذا المجرم العتيد دون أن يفضح الذين ساندوه في جرائمه وساهموا في تحويل هذا الجزء المنفي في صعيد مصر إلي بؤرة للصراع، وشرعوا استخدام السلاح حسب قول هذا المجرم laquo;الحكومة هي السبب، فعندما دخلت الطفرة التعليمية لصعيد مصر منذ أكثر من عشرين عاماً، حال بعض المسؤولين دون وصولها إلي laquo;نجع ربيعraquo; في laquo;حمرة دومraquo; وكانوا يأخذون أي رجل laquo;تحريraquo;،

وعليه حتي يخرج من مركز الشرطة أن يحضر بندقية، وهذا يحدث حتي اليوم، والنتيجة لهذا التحريض علي العنف أن الكثيرين انضموا إلي ويوفرون لي الحماية، مع أنني لا أريد مواجهة، وإنما أريد محاكمة عادلةraquo;.

ونوفل ابن الـ ٤٠ عاما الذي كان يريد محاكمة عادلة، كان يعيش بازدواجية غريبة فقد قام ببناء مسجد في قريته بل مدرسة محو أمية ويقوم بالصلح بين العائلات وكلمته مسموعة،

وكلما انتقلت إلي مكان في قنا وجدت حكاية مختلفة عن laquo;خط الصعيدraquo; الذي قتل ذات يوم ثلاثة رجال كانوا ينتظرونه فوق نفق نجع حمادي، ومر بسيارته نصف النقل وقتلهم، أو عن سهراته أو أمواله التي خارج مصر أو قصصه مع تجار الآثار، وكل تلك القصص عن رجل كان قبل حرب الخليج الثانية عاملاً بسيطاً في العراق، ثم عاد مع من عادوا إلي مصر أثناء نشوب الحرب، ليجد أن السطوة أصبحت لأصحاب النفوذ والمال والسلطة، واقترب منهم وأعاد علاقاته القديمة.