سعد محيو
ماذا إذاً؟ هل يؤدي فوز الإسلام الليبرالي إلى حسم أزمة الهوية في تركيا، وبالتالي إلى إخراج هذا البلد من وضعية الدولة الممزقة التي أشرنا إليها بالأمس؟
المؤشرات تبدو إيجابية إلى حد كبير.
فالمصالحة الكبرى بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية تسير مع حزب أردوغان بخطى متسارعة إلى التحقق. وهذا يعود إلى أمرين اثنين:
الأول، أنه منذ أيام العثمانيين إلى اليوم أثبتت تركيا أنها شبه علمانية، حيث جاء العثمانيون بقوانين علمانية رسمت إبان حكم السلطان محمد الفاتح والسلطان سليمان القانوني. وفي الوقت الذي بذلت فيه محاولات في أنحاء أخرى من الأراضي الإسلامية لتكييف الإسلام مع الظروف المتغيرة اتخذ العثمانيون قراراً بعلمنة حكومتهم. ولذا عمدوا في القرن التاسع عشر إلى تأسيس المؤسسات العلمانية إلى جانب المؤسسات الإسلامية بدل إصلاح الأخيرة.
الثاني، أن الجذور الأيديولوجية لحزب العدالة والتنمية، والذي أسسه المجددان (أردوغان وجول) من رحم حزب نجم الدين أربكان الإسلامي السابق، يحمل في طياته بذوراً إسلامية ليبرالية واضحة تسمح له بالانفتاح على الديمقراطية الغربية.
إذ يعتقد البروفسور التركي كتين هيبر (جامعة أنقرة) أن أردوغان وجول ينتميان إلى الطريقة الصوفية النقشبندية التي أسسها الداعية الشيخ عزت زاهد كوكتو، الذي كان يرى أن ما تحتاجه تركيا أولاً وقبل كل شيء هو التنمية الأخلاقية، وأن هذه التنمية هي الشرط المسبق للتنمية المادية والاستقرار السياسي. وهذه يمكن أن تتحقق إذا ما تم إضفاء صفة ذاتية على بعض القيم المستمدة من الإسلام. وبمعنى آخر كان هدف الشيخ بدء حركة إحياء في الإسلام.
أردوغان وجول وبقية المجددين في حزب أربكان (الفضيلة) الإسلامي دفعوا منطق الشيخ إلى نهاياته، ومنحوا حركتهم السياسة الإسلامية بعداً أخلاقياً - إنسانياً واضحاً متطابقاً مع العمق الصوفي النقشبندي.
وقد عبّر أردوغان عن هذا التوّجه بقوله إنه ldquo;يعتقد أن في قلب كل فرد بعضاً من صفات خالقه. ولذا فإن كل الناس متساوون وبذلك فلا ينبغي لأحد أن يمارس التمييز ضد أحد آخرrdquo;. وبما أنه يمتلك مثل هذه النظرة العالمية فإن أردوغان لم يتبع سياسات تمييزية عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول ولم يمارس التمييز ضد غير المسلمين. وقد ساعدت البلدية في إسطنبول في عهده ليس في تجديد المساجد فقط، بل أسهمت في تجديد الكنائس والكنس. ولا بد للمرء من الإشارة هنا إلى أن أسلافه العلمانيين في البلدية لم يخصصوا أموالاً لإصلاح الكنائس والكنس.
وينسب البروفسور هيبر إلى أردوغان قوله ldquo;إن المؤمن الحقيقي لا يؤذي المجتمع مهما يكن دينهrdquo;. ويرى أن أردوغان كمتصوف يؤمن بالتنمية الأخلاقية للناس ولم يكن له اهتمام بالإسلام السياسي. ولذا قال مرة: ldquo;الإسلام هو مرجعي على المستوى الفردي أما على المستوى السياسي فمرجعي هو الدستور والمبادئ الديمقراطيةrdquo;.
ويضيف هيبر في التحليل النهائي يمكن القول إن أردوغان يتخذ من الإسلام والديمقراطية وسيلتين للسعادة ورفاهية الناس.
***
هل هذا ldquo;الزواجrdquo; بين الإسلام والديمقراطية كاف لإنجاح التجربة الأردوغانية في تركيا كما في العالم الإسلامي؟













التعليقات