حنا عبود
تقدم محامون بدعوى إلى المحاكم القطرية يتهمون فيها الشيخ القرضاوي، المصري الأصل والقطري الجنسية، باتهامات عدة، عقب عودته من سلسلة اجتماعات مع الحاخامات اليهود في لندن، ونكتفي بالتهم التالية:
1 - إثارة الفتنة بين المسلمين.
2 - تشويه سمعة الشيعة والتحريض ضدهم.
3 - تكفير الطائفة الشيعية، والافتراء عليهم بأنهم يأخذون بقرآن فاطمة وليس بقرآن عثمان.
4 - اتهام الشيعة باليهودية والخيانة.
5 - التطاول على علماء الشيعة.
6 - إشعال الفتنة بين الشيعة والسنة في قطر... الخ
وما أثارهم في كلام القرضاوي، أنه لم يحدد أي شيعة يقصد: هل الشيعة الذين ذهبوا إلى مؤتمر لندن مع نظرائهم من السنة، ليتفقوا على اقتسام الغنائم والمناصب والتقسيمات والوظائف قبل احتلال العراق؟ هل يقصد القرضاوي شيعة جنوب لبنان الذين حرروا أرضهم وصمدوا أمام الحرب، أم يقصد الشيعة الذين يرون في مشروع الشرق الأوسط إنقاذاً للبنان؟ هل يقصد شيعة باكستان الذين يحاربون التدخل الأجنبي، أم شيعة باكستان الذين يبيحون التدخل ويرون فيه خلاصاً؟ هل يقصد شيعة العراق الذين حاربوا الأميركان، أم شيعة العراق الذين تعاونوا مع الأميركان؟
وهناك حرب كلامية معلنة بين بعض السنة وبعض الشيعة في المحطات الفضائية، فهل يقصد الشيعة القاذفة، أم الشيعة الداعية إلى الخط الوطني الموحّد؟ وهل يقصد بالشيعة المخترقة للسنة، أولئك الذين أسسوا laquo;حزب الغديرraquo; في مصر، وهو يعرف الغرض من هذه التسمية المستفزة؟
ربما كان يقصد شيعة إيران، ولكنه لم يحدد للمحامين هل هم الشيعة المؤيدون للنظام الإيراني، أم الشيعة المعارضون للنظام الإيراني؟ إنه يعامل الشيعة كأنهم كتلة واحدة.
وربما أرادوا المزيد من الدقة فيما يخص السنة. فهل يقصد السنة المعارضين للأنظمة المؤيدة للمشروع الأميركي؟ أم يقصد السنة المؤيدين للأنظمة المتعاونة مع المشروع الأميركي، الذي يهددها بالتغيير إذا لامست فراشةُ شعرة في رأس إسرائيل؟
ثم إنه لم يفصح عن السنة الفلسطينيين، هل يؤيدون كلهم دعوته، أم لهم مواقف مختلفة؟ وإذا كانت لهم مواقف مختلفة فأي سنة يقصد، وأي سنة يستثني؟
ومع أنه حصر كلامه في مصر، فإنه لم يحدد السنة الذين جرى خرقهم، وتحول قسم منهم إلى الشيعة، هل يقصد السنة الذين يتبعون الإخوان المسلمين، أم السنة الذين يتبعون الحزب الحاكم؟
وبدلاً من أن ينتقد الذين أسسوا laquo;حزب الغديرraquo; في مصر، راح ينتقد الشيعة بالمطلق دون تحديد، فلم يتساءل من يقف وراء تشكيل هذا الحزب: الشيعة أم laquo;دوائرraquo; همها السير بالشرق الأوسط إلى laquo;الفوضى الخلاقةraquo;؟
وربما يريد المحامون دقة أكثر من القرضاوي فيما يخص السنة القاذفة، كما يريدون رأيه في السنة الواعية الداعية إلى إدراك المشكلات الأساسية للوطن، كالاحتلال والرغيف والوعي والخط الجامع... باختصار يريد المحامون أن يعرفوا منه موقفه الواقعي، أو حسب تعبير ت.إس.إليوت، يريدون تحديد المعادل الموضوعي لكلامه.
نظن أن هذا ما أثار شك المحامين، إذ لم يفهموا القرضاوي فهماً محدداً، فادعوا عليه، وهم يعرفون سلفاً أن لا فائدة من الدعوى، فعمدوا، نتيجة شكوكهم، وعدم التفريق بين شيعة وشيعة وسنة وسنة، إلى رفع عريضة، يتهمون فيها القرضاوي بالخرف (وقد تذرعوا أيضاً بأنه بلغ سن الحادية والثمانين) فطالبوا أمير البلاد، إما بحجره صحياً، أو إبعاده جسدياً، أو حرمانه من الجنسية القطرية معنوياً، وإعادته إلى جنسيته المصرية السابقة.
فإذا أثبتوا هذا، فإنهم يوقعون البلاد والوطن والعالم في مشكلة كبيرة. ففي البلدان الشرقية يزورنا الخرف مبكراً، فنطرح مشكلات لا علاقة لها إلا بالإثارة والفتن والضجيج الإعلامي، وندع المشكلات والمسائل المهمة والحقيقية، فحتى الآن لم نحرر العقول، ولم نشترك في التراث الأدبي العالمي، ولم نسهم في الفنون، ولا في العلوم، ولا في الطب، ولا حتى في إنتاج رغيف نظيف. كل أدوات الحضارة المادية تأتينا، ونحن نفكر طويلاً في تحريم أفلام ميكي ماوس، لأن الفأرة فويسقة يمتطيها الشيطان لتحقيق مآربه، أو نفتي بقتل أصحاب المحطات الفضائية التي لا تلتزم الحشمة، أو نفتي بقتل الصحافيين المخالفين، فنفجر سيارة في مقرّ نقابة الصحافة العراقية، أو نفكر في إخراج الجنّ من أجساد البشر، أو نصف أهوال أهل القبور... نحن نعمل في كل ما لا ينتج سوى الفرقة والفتنة... وبالتالي الحرب الأهلية. فأين يضعون كل هذه الخلائق، وأي كارنتينا يتسع لهم؟
يبدو أن المحامين لم يطلعوا على رأي أوسكار وايلد في رجال الدين، ولو اطلعوا، لهالهم عدد المتهمين. فقد زعم وايلد أن رجال الدين يخرّفون منذ دخولهم سلك الكهنوت. وفي روايته laquo;صورة دوريان غرايraquo; يقول إن رجل الدين يدخل الدير في السابعة من عمره وهو يردد laquo;أبانا الذي في السماواتraquo; ويموت في السبعين من عمره وهو يردد laquo;أبانا الذي في السماواتraquo; ذاتها.
وسوف يربكون الدولة في حال ثبوت التهمة. فهم يعرفون كمحامين laquo;الحكم بالمثلraquo; فأي حالة مشابهة تصبح سهلة على المحاكم، لأن الحكم بالمثل لا يستغرق سوى جلسة أو جلستين من أعضاء المحكمة، فهل قدروا عدد الذين سوف يحجر عليهم؟ وهل سألوا أنفسهم عن المكان الذي يتسع لهم؟
حصر المحامون اتهامهم بفرد، وحصروها برجال الدين، وليس بالسياسيين. ولو وسعوها لكانت السيدة laquo;بالينraquo; (حاكمة ولاية ألاسكا، والمرشحة كنائبة لماكين المرشح الرئاسي الأميركي، التي ذهبت إلى رجال الدين، فقاموا بطقوس معينة لطرد الأرواح النجسة منها) أول الداخلين إلى laquo;الكارنتيناraquo;. فالأمر لا يقتصر على رجال الدين، بل يجب أن يطول السياسيين، فمعظمهم يعاني من الخرف. وإذا باع رجل دين، أصيب بالخرف المبكر، أملاك طائفة الروم الأرثوذكس في القدس لليهود، فإن كثيراً من السياسيين باعوا أوطانهم بثمن بخس.
يرى يوجين يونسكو في مسرحية laquo;الخراتيتraquo; أن سياسة الزعيم تنعكس على الشارع، فيصبح له خراتيت مؤذية مدمرة، فهل فكر المحامون بالخراتيت التي ستكتظ بها البيوت والشوارع، إذا استمرت هذه المعركة المصطنعة؟
ما أسهل أن نرفع إصبع الاتهامات، وما أصعب البرهان. الشارع ملتهب، ويزداد التهاباً بهذه التهم، إنه بحاجة إلى ماء الوحدة الوطنية الجامعة، التي تظهر في القضايا المشتركة، وليس في القضايا الهامشية المثيرة للارتياب. الوقت ضيق والخراتيت متحفزون، وصرنا في زمن الرعب. والرعب يشل الأعصاب، ويجعل المرء يفكر بالميكي ماوس وفأرة سفينة نوح... الرعب يجلب الخرف المبكر.
ارفعوا أيديكم عن القرضاوي، وقوموا بدراسة واقع حالنا. هذه المسائل مقصودة ومعروفة الأهداف فتجنبوها. وإذا بقينا في هذه الحال، نكون قد اقتربنا من ثقب أسود غربي. وهي ليست نهاية خيالية، إنها أشد واقعية من هذه الاتهامات بما لا يقاس. بل إن هذه الاتهامات نفسها تدفعنا إلى الثقب الأسود الغربي بسرعة أكبر وزمن أقل، حسب نسبية أنشتاين.
معركة الوطنيين ليست هنا، إنها في ميدان آخر. وأي جبهة تفتح تجر إلى الصراع على المجهول، والاقتراب أكثر من الثقب الأسود.














التعليقات